Alef Logo
الآن هنا
              

واحد واحد..الشعب السوري واحد

علا شيب الدين

خاص ألف

2011-07-08

إن التّعريف بسورية كدولة "عَلمانية" تعريف يفتقر للكثير من الدّقة والموضوعيّة، فالتجارب أكّدت دوماً وتؤكّد أن نظام البعث القائد للدولة والمجتمع..المتبنّي للأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة خارجيّاً، كان وما يزال داخليّاً يعتاش ويعيش من وعلى امتصاص وريد المحبّة وتصنيع مفاهيم العزل والخوف والهلع بين دين وآخر وطائفة وأخرى خلف كل خطاب له يحذّر فيه من الطائفيّة

ومما لا شكّ فيه أن السلطات منذ بدء الاحتجاجات السلميّة في15/3/2011 لعبت وتلعب بالكثير من الأوراق التي تضمن بقاءها وتحفظ امتيازاتها، ومن هذه الأوراق (ورقة الطائفيّة). وبما أن أيّ حراك في محافظة السويداء ذات الأغلبيّة الدّرزية سيغيّر من قواعد اللعبة ويحرّر الأذهان من الغول الطائفي؛ انصبّ الجهد الأكبر على تحييد هذه المحافظة بكل الوسائل الأمنيّة الزّجريّة الرّادعة، والإعلاميّة الوشائيّة كي تبقى خارج السّياق. وقد كان العمل دؤوباً من أجل تكريس الرّعب في قلب وعقل"الدّرزي" من سكّين أخيه "السّنّي" الذي سينحره فيما لو غاب ملك الغابة.

ومع ذلك لم تقدر كل هذي الوسائل على تلويث بعض العقول المفكّرة والقلوب المنسجمة والنبض الوطني السوري العام؛ فقد علت أصوات حرّة مندّدة بالعنف ضدّ أخوتهم السوريين مؤكّدة أن الشعب السوري واحد رغم كل محاولات التّطويق الأمني بمساعدة "شبيحة" محليّة من أهالي السويداء.. شبيحة تم اختيارهم بعناية فائقة بحيث يقدم هؤلاء على الضّرب والشّتم والقتل إن اقتضى الأمر بدم بارد.

كان التّطويق والتّشويش سبباً رئيساً ومباشراً - بالإضافة إلى أسباب أخرى غير مباشرة لا مجال للخوض فيها الآن- في منع أيّ حراك شعبي واسع حيث اقتصر الأمر على البعض من النّخب الشجاعة، وقد كانت نقابة المحامين في السويداء وعبر جهد جبّار قام به بعض المحامين الشباب صوتاً حرّاً أصدر بياناً ندّد فيه بالعنف، وكان من بين ما دعا إليه البيان كفّ يد الأجهزة الأمنية عن تفاصيل الحياة اليوميّة، وكان ذلك في بداية الاحتجاجات حيث كان صدور مثل هذا البيان "معجزة إلهية" بالفعل. هذا عدا عن مظاهرات محدودة قُمعت بشدة على يد "الشبيحة" المحليّة تحت إشراف أمنيّ مكثّف، واعتقال البعض ثم الإفراج عنهم توخّياً لتفاقم الأمور. وكانت المظاهرة الأشهر تلك التي خرجت في 17نيسان أي في ذكرى الاستقلال عن المستعمِر الفرنسي، وقد اعتبر المتظاهرون ذلك اليوم، يوماً تنطلق منه الإرادة الطامحة لاستقلال ثان، كان يوماً دامياً سقط فيه جرحى لكن الأمور لم تصل إلى درجة القتل وفي ذلك جزء من سياسة ممنهجة أيضاً تنطلق من الحرص على عدم تأجيج مشاعر السّخط في محافظة يُقال إنها إن قامت؛ تأججت نيران الثورة لتحرق ورقة الطائفيّة التي يُلعب عليها بمكر وخبث، وأدخلت الثورة تالياً في منعطف خطير يهدّد بسقوط أحد أهم أعمدة النظام. أي الطائفيّة.

قد يكون تخوّف بعض أهالي السويداء كـ"أقليّات" وعزوفهم للآن عن المشاركة الواسعة في الثورة مبرَّراً "مؤقتاً" إذا ما تفكّرنا في بعض المدن التي لم تلج الثورة بالمعنى الحقيقي بعد، فـ"حلب" مثلاً، هي ثاني أكبر المدن السوريّة ولها ثقلها الاقتصادي الهام ومع ذلك مازال حراكها للآن محدوداً (قياساً لبقيّة المحافظات التي تأجّجت فيها نيران الثورة واستعرت مثل درعا وحماة وحمص وإدلب ودير الزور ودمشق وغيرها). ولا بدّ هنا من التأكيد على أن الثورة السورية ثورة شعبية بامتياز، ثورة وطنية همها الأكبر الإنسان السوري بغض النظر عن دينه أو طائفته.

ولكن لا بد من تدارك أن التخوّف إيّاه لا يعني الرّكون والسّكون، فثمّة غليان يتفاقم يوميّاً كونه يتّصل مباشرة بالأحداث التي تجري على الأرض، غليان منبثق من لا منطقيّة وعبثيّة فصل الجزء عن الكل، فالسويداء محافظة سوريّة وأهلوها جزء من الشعب السوري، وهم عانوا ما عانى منه الشعب ككل، لا بل ربما تكون هذه المحافظة هي الأكثر فقراً وتهميشاً!

إن الغليان إيّاه يقضّ مضاجع البيوت التي قد تبدو سّاكنة، ويمكن الاستدلال على ذلك من تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها مؤشر هام على ما يجري في العمق، فلجوء بعض النّسوة في السويداء - نسوة غير متحجّبات أصلاً- إلى التحجّب وإخفاء وجوههن لأجل الاعتصام في منزل ما وحملهن للافتات تكذّب الإعلام السوري وتندّد بالعنف، وتؤكّد على أن السويداء رجالاً ونساء جزء من الشعب السوري، وهذا ما بثه ناشطون على النت وتناقلته بعض القنوات الفضائيّة؛ كل هذا يؤكّد حجم المشكلة وحجم ما تتعرّض له هذه المحافظة من كبت وضغط، والضغط فيزيائيّاً لا يولّد إلا انفجاراً. وما شيوع " حبذا لو كانت الصلاة طقساً معتاداً في حياتنا؛ لكنّا استطعنا التجمّع والاحتشاد في الجوامع وتمكنّا من التظاهر!" وهو كلام شاع بين أوساط شباب السويداء التوّاقين للتظاهر أسوة بأخوتهم السوريين؛ ما تلك العبارة إلا دلالة رمزيّة وعمليّة على حجم القمع الممارس لمنع أيّ حراك في هذه المحافظة، وعلى توق الناس للتعبير عن ذواتهم

يدرك أهالي السويداء ممّن لم تأسرهم عقيدتهم ولم تمنعهم من الانفتاح على الآخر (وهم غالبيّة لا شكّ في ذلك!)، وبالرغم من التطويق الأمني والمخاوف التي تشوّش عقولهم وتجعلهم متردّدين تجاه حسم أمرهم، يدركون أن عليهم التماهي والهمّ الوطني العام الطّامح للدولة المدنية الديمقراطية، كما وتقلقهم تلك الخسارة الأخلاقية والإنسانية الوطنية مستقبلاً فيما لو نجحت الثورة ولم يكونوا قد شاركوا فيها كما يجب، وربما يكون إقدام البعض من أهالي السويداء على مساعدة أخوتهم في درعا المحاصَرة بمدّهم بالمؤن والحاجات الضرورية جزءاً من هذا الخجل المؤلم، وكذا القيام باعتصامات أرسلت رسائل جد حضارية وراقية.. اعتصامات استمرّت بضعة أيام قبل أن تُقمع وتُلغى. ضمّت هذه الاعتصمات عدداً لا بأس به ممّن حملوا الشموع ترحّماً على أرواح شهداء الوطن.. شهداء الحرية والكرامة

ولئن كانت موازين القوى ترجّح كفّة الشعب يوماً بعد يوم، إذ أن ما يُرى على الأرض ليس إلا تنامياً في المقدرة الشعبيّة. ولئن كانت قضيّة الشعب السوري المأساويّة تكتسب تعاطفاً متزايداً - رغم أن الأمور تسير ببطء شديد-؛ ربما ستبدأ الأقليّات في حسم أمرها وستنضمّ بكل أطيافها وألوانها وأشكالها للثورة حتى ولو كان الانضمام متأخراً جداً

لم تكن السويداء يوماً خارج الوطن وقيمه السّامية النّبيلة، وسلطان باشا الأطرش لم يكن قائداً لثورة السويداء ضد الاستعمار الفرنسي، بل كان القائد المهموم المثقل بقضية وطنية كبرى، قضية سورية.. سورية، ولعلّ صوت ابنة هذا القائد الوطني العظيم "منتهى" هو صوت حرّ ومشرّف يواصل الآن مسيرة إبداعيّة.. مسيرة حرية وكرامة. فمن قال إن السويداء مجرّد جبل تسكنه أغلبيّة "درزيّة"؟! إن السويداء تريد..الديمقراطية والمدنيّة وهي بذلك لا تنفصل عن كل المحافظات التي يتعاظم فيها شعور الوحدة الوطنيّة العظيم

كنتُ مسافرة من السويداء إلى دمشق حين أوقف الحافلة حاجز أمنيّ ليطلّ علينا عسكري يحمل رشاشاً فكان السؤال الأول الذي وجّهه إلينا "هل الجميع من السويداء؟"، عمدتُ إلى كظم غيظي وأجبته بقصد إيصال رسالة ما أظن أنه لم يفهمها "الجميع سوري يا أخي!".

لن يكون الشعب السوري إلا واحداً عبر إرادته المتعاظِمة يوماً بعد آخر فـ "في الشعب، وفيه فقط، تتحقق الأخلاقية ولا تعود مجرّد واجب – وجود و"مثل أعلى لا يمكن الوصول إليه".هيجل














تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow