Alef Logo
مقالات ألف
              

قناصة في الشارع الثقافي

تغريد شاهين

خاص ألف

2011-05-18

من يقنص من ؟
سؤالٌ كثر طرحه في المشهد السوري مؤخراً، وأتت الإجابات من كل حدب وصوب, عناصر من الأمن تقتل متظاهرين, هناك "مندسون, مخربون, سلفيون............." يقتلون أفراداً من الجيش والأمن والمواطنين.
إن بعدي المكاني عن الشارع الحقيقي في سوريا، وقربي الفكري من الشارع الثقافي الافتراضي يجعلني أتكلم عن هذا وأترك ذاك مستخدمة تقنية الإسقاط محاولة امتلاك إجابة في هذا الوقت الذي تكثر فيه الأسئلة ويتمنع اليقين.
تنقسم الحركة التظاهرية في سوريا مثلها في ذلك مثل الحركة المناهضة لها إلى قسمين: قسم حركي متمثل في الناس التي نزلت إلى الشارع، وقسم نظري متمثل في المعارضين المنظمين منهم والمستقلين، والمعترضين. باختصار: كل من أيد المظاهرات ولم يخرج معها من داخل سوريا ومن خارجها، وسأسميهم اصطلاحاً المتظاهرين وراء شاشات الكمبيوتر لأنهم متظاهرون أيضاً بشكل مواز للشارع وربما تجاوزوه بأشواط قوة وزخماً وتخطيطاً َوتنوعاً.
هؤلاء -مثلهم مثل الحركة على الطرف النقيض- انشغل الكثير الكثير منهم بتصنيف البشر ضمن قوائم سوداء وبيضاء حيث أنه لم يعد هناك مكان في الوسط، لا رمادي بعد الآن على حد تعبير الطرفين, وباتت هذه التصنيفات التي تؤطر أبناء سوريا بشكل لاعقلاني وضمن معايير ظرفية بحتة هي التي تحكم المشهد اليوم فإما معنا أو ضدنا، لا رمادي لا رمادي. وهؤلاء بغالبيتهم مسلوبون بفعل الحماسة من أي إدراك حقيقي لهذه التصنيفات وأثرها البعيد على المجتمع السوري المستحدث وعلى علاقتنا بين بعضنا البعض كأبناء لسوريا الأم.
ومن هؤلاء: المثقفون الجدد أبناء النخب الثقافية البررة، وقد كان لهم أن يصبحوا ورثة شرعيين لولا الحدث الطارئ في سوريا، فهاهم أيضاً تتعالى أصواتهم مطالبين بالتغيير وبإسقاط الطبقة النخبوية المثقفة، متزامنين بذلك مع هتاف "إسقاط النظام " في الشارع، متربصين بكل من صمت أو نطق، منتظرين اللحظة المناسبة ليعلنوا الحجر عليه ويرثوه حياً، متهمين إياه بالتواطؤ مع الحكومة والتنصل من واجبه التاريخي بمساندتهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تجرأ البعض ليوصل الأمر إلى الاتهام المباشر بخيانة الإرث الثقافي خاصته، ومن أبرز من طالتهم هذه الاتهامات هو الأستاذ فراس سواح، أورده مثالاً باعتباره شخصاً متفقاً عليه على فكره وعقلانيته بما قدمه لنا من نتاج فكري ساهم بشكل كبير في تشكيل وعينا .
شخصياً عند قراءة بيانه توقعت أننا نحن المقيمين في الخارج يجب أن نقف عنده بشكل خاص, لكن ما فاجأني حقاً هو التسارع في الرد عليه، وأحياناً الإساءة لشخصه. استغرابي هذا جاء منبثقاً من عدة أسباب أولها أن الأستاذ سوّاح وصل إلينا عبر كتبه, عبر فكره، وليس لأنه مقرباً من هذا أو ذاك. إن بعده أصلاً عن جدلية المعارضة والموالاة سبب كاف في هذا الوقت بالذات لأن يؤخذ كلامه على محمل الجد.
ثانياً: قرب الأستاذ سواح من ساحة الحدث قرباً فعلياً لا مجازياً أكثر من كل الرادين عليه يجعله مؤهلاً لأن يكون "شاهد عيان".
ثالثا وهو الأهم: هو العقلانية والفكر الخالص الذي قدمه سواح عبر كتبه والتي كانت وستبقى محط إعجاب وإدهاش وثقة الجميع, فما الذي حصل لكي نضرب بكل ذلك عرض الحائط؟ هل لأن ما جاء في بيانه تم اعتباره مهدداً لفكرة "الثورة الشعبية السلمية" من أصلها؟ فقررتم النيل منه قبل أن يكفي الوقت لأحدهم للتفكير في الأمر ونشره. أم أن الأمر ببساطة هو أن السيد سواح من النخبة الثقافية أيضاً، ومكانته كبيرة ولا يستهان بها، وأن ينحى عن المشهد الثقافي فهو غنيمة كبرى وخصوصاً للمثقفين الجدد من الرادين عليه. أم أن علينا أن نبسط الأمور أكثر فأكثر, وأن نشك في نوايا سواح وهو من هو، ونثق بنوايا المتهافتين للرد عليه من دون أن نشك أنهم يتربصون به وبمكانته وأنهم تحولوا إلى قناصة ثقافيين. إنهم يتحينون الفرص، كل ضمن مضماره، يكتبون بلا هوادة، مستنفرين وراء شاشاتهم ، مسلحين بكيبورداتهم، مطلقين" رصاصاتهم الثقافية "عامدين متعمدين مع سبق الإصرار والترصد ليصيبوا من المستهدف مقتلاً قاصدين سمعته باعتبار أنه من غير الممكن أن يمحى نتاج أحدهم بزر كيبورد فلم يبق سوى الإساءة, وماذا نستطيع أن نسمي ذلك سوى قنص, قنص ثقافي احترافي، قنص يشذ عن الهدف العام للمتظاهرين أو المناهضين لهم وراء الكيبوردات مثلما يشذ القنص الجسدي في الشارع، وذلك لأنه يطفو من قاع المصالح الشخصية ويستغل الظرف الذي صنعه آخرون متجاوزين ذواتهم مقدمين المصلحة العامة في الحرية والديمقراطية ليس على مصالحهم فحسب وإنما على أمنهم أيضاً. وأعتقد أننا لو نزعنا عن هؤلاء القناصة الثقافيين مكتسباتهم العلمية وزودناهم ببندقية بدل الكيبورد فلن يترددوا في استهداف كل من يقف في طريقهم .
من يقتل من؟ من يقنص من ؟ الجاني والمجني عليه أبناء سوريا التي تضطر أن تتجرع كأس المرارة مرتين في كل مرة يقتل بها أحد أبنائها على يد أحد أبنائها,استخدمت السؤال المطروح رغم قناعتي بخطئه لأوصل رأيي بخطورة ما يحدث الآن ضمن كل هذه الجلبة والهيجان واسع الطيف الذي تشهده المنطقة، ولكي لا ننساق وراء أهوائنا مدمرين ليس سوريا الحالية فقط وإنما المعايير الضرورية لبناء سوريا الحلم، سوريا جديدة معيار التقييم فيها ليس المحسوبيات ولا النفوذ الاجتماعي أو السياسي أو الديني أو الثقافي. المعيار فيها هو خدمة الوطن، هو الإنسان بقدر ما يكون منتجاً وفاعلاً وملتزماً بمصلحة الوطن, وبقدر ما يكون أخاً للآخرين يلجئون إليه فيفيدهم بما أفاده الله والحياة , المعايير يجب أن توضع من الآن وأن تطبق الآن. البعض سيقول: المواطنة هي المعيار. وأتفق معهم بذلك لكني أختلف إذ لا أعتبرها كل شيء فالمواطنة ستصلح الشق المعلن من تركيبة المجتمع، بينما الشق المخفي الحقيقي الواقعي لن يصلحه إلا ما سبق وذكرت من معايير إنسانية غير معلنة، نحن جميعاً بلا استثناء مسؤولون عنها .
من يقتل من؟ السؤال من أساسه خاطئ لأنه يعرفنا فقط على جاني ومجني اللحظة الراهنة، ولكي نطرق بوابة المنطق علينا أن نسأل السؤال بالشكل الصحيح, وما أظنه ولكم أن تخالفوني الرأي أن السؤال الصحيح هو: ما الذي يقتلنا جميعاً في سوريا؟
وأعتقد جازمة أن ما يقتلنا هو التصنيفات والقوائم والتمييز الطبقي الذي يمارسه بعضنا على بعض، مغتالين بذلك ملامح الإنسان، واضعين معايير بطبيعتها تقودنا إلى شتى أشكال الانحراف لما تفرضه علينا من عزلة وغربة حتى وإن كنا في حضن وطننا.
إن ما يجعل أحدهم يقتل أخاه بدم بارد وكأنه دمية وليس إنساناً هو العزلة التي فرضتها هذه التصنيفات. إن حالة القنص الموجودة حركياً ونظرياً سببها واحد هو التمييز الطبقي السياسي والاجتماعي والثقافي والديني. وعندما ينتهي هذا التمييز، وعندما نبدأ باحترام بعضنا لبعض بغض النظر عن اختلافنا ، عندما نبتعد عن لعبة القوائم البيضاء والسوداء, عندما نتوقف عن رفع أصابع الاتهام بأوجه بعضنا، عندما نبدأ جميعاً برؤية أنفسنا كخلفاء على أرضنا الأم سوريا مسؤولين عن تعميرها وليس كورثة يحاولون الاستئثار بها وحدهم دون غيرهم، عندما نرتقي جميعنا ونكبر جميعنا ونتجاوز جميعنا كل الصغائر من أجل عمار هذه الأرض، عندها فقط ستعود كلمة قناصة تلقائياً إلى قواميس اللغة باب القاف فصل النون ولن يكون لها مكان بيننا مرة أخرى.
تغريد شاهين
سورية مقيمة في السعودية

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow