Alef Logo
دراسات
              

حفريات في التوراة هل كان الأسباط اثني عشر؟

فراس الســواح

2011-04-20

في الوقت الذي كان فيه المحرر التوراتي يرسم في سفر التكوين خارطة لشعوب المنطقة التي عاش الأسلاف العبرانيون بينها، كان يرسم أيضاً صورة لإسرائيل كشعب واحد متسلسل من سلف واحد، ويجذرها في ماضٍ رومانسي سابق على التاريخ. فسلسلة قصص الآباء تنتمي إلى مجال الأدب أكثر من انتمائها إلى مجال التاريخ الموثَّق، ولا يمكن اعتبارها بحال من الأحوال سجلاً لحياة أشخاص من لحم ودم عاشت قبل ألف سنة من الزمن الذي كان المحررون التوراتيون عاكفون فيه على تدوين قصة إسرائيل. إلا أن هؤلاء لم يكونوا يبتكرون كل شيء من بنات أفكارهم، بل كانوا يستلهمون موروثات قديمة لدى قبائل الشمال (منطقة إسرائيل) وقبائل الجنوب (منطقة يهوذا) بخصوص أصولها وأسلافها المؤسسين خرافيين كانوا أم حقيقيين، شأنهم في ذلك كشأن قبائل الجزيرة العربية التي حافظت على موروث راسخ مفاده أن عرب الشمال ينتمون إلى سلف مؤسس يُدعى عدنان، وعرب الجنوب ينتمون إلى سلف آخر يُدعى قحطان.


إننا نعرف الآن على وجه اليقين من خلال نتائج التنقيب الأثري التي قام بها الآثاريون الإسرائيليون منذ سبعينيات القرن العشرين في مناطق المرتفعات الفلسطينية(*)، أنَّ منطقة المرتفعات الوسطى أو المركزية (= إسرائيل)، قد جرى استيطانها خلال عصر الحديد الأول (1200-1000 ق. م) قبل منطقة المرتفعات الجنوبية (= يهوذا)، وذلك بعد فترة الفراغ السكاني التي دامت خلال معظم عصر البرونز الأخير (1550-1200 ق. م)، وأنها احتوت خلال القرن العاشر على نحو 200 قرية زراعية. أما منطقة المرتفعات الجنوبية فكانت متخلخلة بالسكان خلال الفترة نفسها ولم تحتوِ حتى أواخر القرن العاشر على أكثر من عشرين قرية زراعية. وهذا يعني أن قبائل الجنوب لم تشترك في أصل واحد مع قبائل الشمال، كما أن قبائل الشمال لم تكن من أصل واحد أيضاً لأن استيطان المرتفعات الوسطى قد جرى بشكل بطيء وعلى مدى قرنين من الزمان من قِبَل قبائل ذات أصول متنوعة(1). وقد احتفظت كل قبيلة بموروث عن سلفٍ مؤسس تسمّت باسمه، ثم جاء محررو سفر التكوين الذين ينتمون إلى قبيلة يهوذا فجمعوا هذه الموروثات في سلسلة نسب واحدة تحتوي على مراتبية قرابة بين القبائل المتنوعة، تُعلي من شأن يهوذا وتجعلها المقدمة على الجميع.


ولننظر الآن إلى خط النسب الرئيسي الذي يربط بين الأب الأول أبرام والأسباط الاثني عشر بعد استبعاد خطوط النسب الفرعية، لنلاحظ وجود ثلاث سلاسل قصص يبدو أنها كانت مستقلة من حيث الأصل ثم جُمعت فيما بعد في سلسلة واحدة ربطتها إلى بعضها وهي: سلسلة إبراهيم، وسلسلة إسحاق، وسلسلة يعقوب. وكل واحدة من هذه السلاسل قد جرت على مسرح جغرافي معين، فقد ارتبط أبرام بمدينة حبرون (= الخليل) في المنطقة الجنوبية من مرتفعات يهوذا، وارتبط إسحاق بمدينة بئر السبع في أقصى جنوب المرتفعات على حافة الصحراء، أما يعقوب فعلى الرغم من مولده في بئر السبع موطن أبيه إسحاق وقضائه شبابه المبكر هناك، إلا أنه ارتبط فيما بعد بالمنطقة الشمالية حيث تغير اسمه إلى إسرائيل، وبمنطقة شرقي الأردن حيث وُضع الرجم الفاصل بينه وبين خاله لابان الآرامي. هذه الروابط المتنوعة للآباء تعطينا مفتاحاً لمعرفة الأماكن التي نشأت فيها هذه الموروثات قبل أن يعمد المحرر التوراتي إلى ضمها في موروث واحد من أجل التوكيد على الأصل المشترك لسكان المرتفعات الفلسطينية.


على أن المسألة تزداد تعقيداً عندما نتأمل في المعنى الكامن وراء تغيير الأسماء. فقد غيَّر الرب اسم أبرام القادم من حران إلى إبراهيم (أو أبراهام بالعبرية)، وبعد ذلك غيَّر اسم يعقوب المولود في الجنوب إلى إسرائيل، وهو الاسم الذي صار علماً على قبائل الشمال. فهذا التغيير في الأسماء يعني في رأينا وجود موروثين في كل حالة تم جمعهما في موروث واحد، فأبرام من حيث الأصل هو غير إبراهيم، ويعقوب هو غير إسرائيل. فنحن والحالة هذه أمام أربع سلاسل قصص مستقلة اندمجت في سلسلتين هي سلسلة أبرام – إبراهيم، وسلسلة يعقوب – إسرائيل، جرى الربط بينهما من خلال ابتكار شخصية إسحاق التي تبدو باهتة ومصطنعة، ولم تقم بإنجاز مهم، أو ترتبط بأي حدث بارز.


ولنبتدئ بالاسم أبرام الذي وفدت قبيلته إلى مناطق المرتفعات من حران، إن نص سفر التكوين 11 يخبرنا بأن أسلاف أبرام حملوا على التوالي الأسماء: سروج، وهو الجد الأعلى، وناحور الجد المباشر، وتارح أبوه. ويبدو أن أسماء العلم هذه كانت مسميات لمواقع جغرافية سكنتها قبائل تسمَّت بها في المناطق القريبة من حران في حوض البليخ. وقد ورد ذكر هذه المواقع في السجلات الآشورية التي ترجع إلى الفترة ما بين القرن التاسع والقرن السابع قبل الميلاد، وذلك بصيغة تراخ (= تارح)، وسَروجي (= سروج)، وناخورو (= ناحور)(2). ويبدو أن هذه الجماعات كانت تعتقد بوجود صلة نسب بينها، وأن أبرام كان ينتمي إلى واحدة منها وهي قبيلة تراخ أو تارح باللفظ التوراتي.


وفيما يتعلق بالاسم أبرام، فقد كان اسمَ علمٍ معروفاً في المنطقة السورية، ونجد أقدم أشكاله في نصوص مدينة إيبلا التي ترجع بتاريخها إلى نحو عام 2400 ق.م، وذلك بصيغة أبرامو. كما نجده بصيغة إبريوم كاسم لأحد ملوك إيبلا. وبين أسماء الأعلام في نصوص إيبلا وفي نصوص مدينة ماري على الفرات التي ترجع بتاريخها إلى نحو عام 1800 ق.م، نعثر أيضاً على اسم إسماعيل الابن الأكبر لأبرام، وذلك بصيغة إش-ما-إيل(3).
وأبرام هذا، أو القبيلة التي اعتبرته سلفاً لها والتي جاءت من حران قد حلت في المنطقة الوسطى من المرتفعات فيما بين شكيم (= نابلس) وبيت إيل إلى الجنوب منها. ولذلك يقول لنا محرر سفر التكوين بأن إبرام قد حلَّ لدى وصوله إلى كنعان أولاً في شكيم حيث بنى مذبحاً للرب، ثم انتقل فأقام عند بيت إيل حيث بنى هناك مذبحاً آخر (التكوين 12: 5-9). وبعد ذلك ارتحل نحو الجنوب فأقام في حبرون، وهناك غيَّر الرب اسمه من أبرام إلى إبراهيم. وبهذه الطريقة، أي تغيير الاسم، فإن المحرر التوراتي يدمج بين موروث شمالي عن أبرام سلف القبائل الشمالية، وموروث جنوبي إن إبراهيم سلف القبائل الجنوبية.


هذا ويشفُّ الاسمان أبرام وإبراهيم (= أبراهام بالعبرية) عن طبيعتهما كاسمين لسلفين مؤسسين، فكل اسم يتألف من مقطع أول هو «أب» (وهي كلمة تعني "والد" في كل اللغات السامية الغربية) مضافاً إلى اسم رام أو رهام. وهنا يلفت نظرنا بشكل خاص وجود نص هيروغليفي على نصب تذكاري تركه الفرعون سبتي الأول في حملته على فلسطين تم العثور على بقايا منه في موقع بيت شان (= بيسان الحالية) في وادي يزرعيل (= مرج ابن عامر) الفاصل بين المرتفعات الوسطى ومرتفعات الجليل، يعدد فيه الفرعون المدن والقبائل التي أخضعها الملك، ومن بينها قبيلة تُدعى رهامو، من المحتمل أن تكون هي المجموعة البشرية التي تركت موروثاً عن سلف مؤسس يُدعى أب – رهام، على الرغم من عدم ورود اسم مثل هذه القبيلة في الرواية التوراتية(4).


وفيما يتعلق بيعقوب، فإن تغيير اسمه إلى إسرائيل ينطوي في رأينا على وجود موروثين أيضاً، واحد يخص سلفاً مؤسساً لمجموعة جنوبية يُدعى يعقوب، وآخر يخص سلفاً لمجموعة شمالية يُدعى إسرائيل، قام المحرر التوراتي بدمجهما عن طريق الدمج بين الاسمين من أجل تدعيم فكرة وحدة الشمال والجنوب. وأغلب الظن أن هاتين المجموعتين كانتا موجودتين في المنطقة الفلسطينية قبل الدخول المفترض للقبائل العبرانية. ففي سجلات الفرعون تحوتمس الثالث يرد ذكر عدد من المدن والمناطق والقبائل التي أخضعها الفرعون في فلسطين، ويظهر بينها الاسم «يعقوب إل» كدلالة على منطقة لا نستطيع تحديد موقعها بدقة(5). ويبدو أن المجموعة البشرية التي سكنت هذه المنطقة كانت تنسب نفسها إلى سلف يدعى يعقوب.


ومن جهة أخرى، فإن الاسم يعقوب كان من أسماء العلم الساميَّة التي شاعت في عصر البرونز الوسيط (1950-1550 ق. م)(6). ولدينا ملك من ملوك الهكسوس الساميين الذين حكموا مصر في عصر البرونز الوسيط يُدعى يعقوب أل(7) (قارن مع يعقوب إل المذكور آنفاً). وكذلك الأمر فيما يتعلق بالاسم إسرائيل الذي ورد بين أسماء الأعلام في نصوص مدينة إيبلا نحو القرن 24 ق.م، وذلك بصيغة إش-را-إل، وفي نصوص مدينة أوغاريت نحو القرن 14 بصيغة يشرائيل(8). وقبل الوصول المفترض للقبائل العبرانية، لدينا نص للفرعون مرنفتاح عن حملته على فلسطين في أواخر القرن الثالث عشر، يذكر فيه قضاءه على عدة مدن ومجموعات بشرية في فلسطين بينها مجموعة تدعى إسرائيل(9).


نأتي الآن إلى الشخصية الهامة الخامسة في قصص الآباء، وهي شخصية يوسف التي شغلت في سفر التكوين حيزاً يزيد عن الحيز الذي شغلته أي قصة أخرى. ولعل أسبقية يوسف على إخوته في الشكل الذي وصلنا لسفر التكوين، يُعزى إلى علو شأن الجماعات الشمالية على الجماعات الجنوبية في أواخر القرن العاشر قبل الميلاد، عندما كانت الشروط الديمغرافية والاقتصادية مؤاتية لتشكيل الدولة في منطقة إسرائيل، بينما كانت منطقة يهوذا على الحالة التي وصفناها آنفاً من التخلف والتخلخل السكاني.


كان يوسف على ما يبدو بطلاً ملحمياً في ماضي الجماعات الشمالية، وكانت أكبر قبيلتين شماليتين وهما أفرايم ومنسي تحتفظان بموروث يرجع بنسبهما إلى هذا السلف المؤسس، مستقل من حيث الأصل عن موروث السلف المدعو إسرائيل الذي تنتمي إليه قبائل شمالية أخرى. وخلال فترة التقارب التي قادت إلى تشكيل الدولة الشمالية التي أسسها الملك عُمري في مطلع القرن التاسع قبل الميلاد، اعتُبر يوسف ابناً لإسرائيل. وعندما علا شأن هاتين القبيلتين في دولة إسرائيل الناشئة، صارت قبائل الشمال تُدعى بشكل جمعي «بيت يوسف» (راجع على سبيل المثال سفر صموئيل الثاني 19: 21)، كما دُعيت أيضاً بالاسم أفرايم ربما لأن سلالة الملك عُمري كانت تنتمي إلى هذه القبيلة. وعندما قام المحررون التوراتيون بدمج الموروث الشمالي بالموروث الجنوبي، واعتبروا أنَّ السلف إسرائيل هو السلف يعقوب نفسه، جُعل يوسف الابن الحادي عشر ليعقوب، وصارت قبائل المرتفعات الفلسطينية تنتمي بمجملها إلى سلف واحد هو إبراهيم لا إلى سلفين. ولعل المخطط التالي يلخص هذه الشبكة من العلاقات الكامنة وراء الشكل الأخير لسفر التكوين:


ولكن هل كان عدد الأسباط اثني عشر؟ إن النص التوراتي غامض ومشوش بخصوص هذه المسألة، فالمحررون التوراتيون يؤكدون دوماً على الرقم الإجمالي 12، ولكنهم عندما يدخلون في التفاصيل يغدون أكثر مرونة ويتقبلون الزيادة أو النقصان. وها هو السلف يعقوب في توزيعه البركات على أولاده وهو على فراش الموت يهيئنا لتقبّل مثل هذه المرونة في المستقبل، ويلفت نظرنا في هذه البركات أربع فقرات، الأولى تتعلق برأوبين بكره الذي ضاجع سرية أبيه بلهة، وفيها يتنبأ له بضِعة الشأن بين إخوته: "رأوبين، أنت بكير، قوتي، وأول قدرتي، فاضل في الشرف وفاضل في العز. فُرتَ كالماء، لا تفضُل لأنك علوتَ مضجع أبيك، حينئذٍ دنستَه." (49: 3-4). والفقرة الثانية تتعلق بشمعون ولاوي اللذين غدرا بأهل شكيم (راجع القصة في بحثنا السابق): "ملعون سخطهما فإنه شديد، وغضبهما فإنه قاسٍ. أُقسِّمهما في يعقوب وأبددهما في إسرائيل." (49: 5-7). والثالثة تتعلق بيهوذا وفيها يتنبأ له بالسيادة على إخوته: "يهوذا، إياك يحمد إخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك." (49: 8-12). والرابعة تتعلق بيوسف الذي يتلقى البركة الحقيقية من أبيه: "من إله أبيك الذي يعينك، ومن القدير الذي يباركك، تأتي بركة السماء من العلو وبركات الغمر الراكد أسفل، بركات أبيك تضاف إلى بركات آبائي…الخ" (49: 23-26).


وكما نلاحظ في هذه الفقرات، فإن البركة الكبرى تسبغ على يوسف ولكن السيادة تُمنح ليهوذا. وهذا يعكس نظرة يهوذا لنفسها باعتبارها الممثل لكل إسرائيل بعد زوال المملكة الشمالية عن الخارطة السياسية للمنطقة. أما سبطي لاوي وشمعون فمصيرهما إلى الذوبان في بقية الأسباط، وهذا يعني أن عدد القبائل سيكون في المستقبل عشرة لا اثنا عشر. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن رأوبين سيبقى خامل الذكر وفق نبوءة يعقوب (وهذا ما حصل فعلاً بعد الدخول المفترض للقبائل العبرانية إلى كنعان، عندما أُعطي لهذا السبط مساحة في منطقة شرقي الأردن، ولكنه بقي خارج الأحداث التوراتية حتى النهاية)، فإن العدد الفعلي للقبائل سيكون تسعة. ومع ذلك فقد حافظ المحررون التوراتيون على الرقم 12 بصرف النظر عن العدد الفعلي الذي سنراه متأرجحاً فيما تبقى من الرواية التوراتية.
فبعد نزول الشريعة على موسى في سيناء: "كتب موسى جميع كلام الرب، وبكَّر في الغداة وبنى مذبحاً أسفل الجبل، ونصب اثني عشر نصباً (حجرياً) لأسباط إسرائيل الاثني عشر." (الخروج 24: 4). وكذلك فعل يشوع بن نون عندما عبر بالقبائل نهر الأردن إلى أرض كنعان: "والاثني عشر حجراً التي أخذوها من الأردن نصبها يشوع في الجلجال." (يشوع 4: 20). ولكن عندما قام موسى بتعداد أنفس القبائل في سيناء (العدد: 1-54) لا نعثر على قبيلة باسم يوسف بل على قبيلتين تنتميان إلى ولدي يوسف المدعوين أفرايم ومنسي. ولما كان هذا الإجراء يرفع عدد القبائل إلى ثلاث عشرة، فقد تم حذف سبط لاوي من التعداد وأُفرز أفراده للخدمة الطقسية والكهانة. وبذلك تغدو أسماء القبائل المعدودة الاثني عشر على الوجه التالي:
رأوبين، شمعون، جاد، يهوذا، يساكر، زبولون، أفرايم، منسي، بنيامين، دان، أشير، نفتالي.
في سفر يشوع، يقوم يشوع بن نون خليفة موسى بتوزيع أرض كنعان المكتسبة حرباً على القبائل الاثني عشر وفق القائمة المبينة أعلاه في سفر العدد، ولكن نصيب رأوبين وجاد يقع في مناطق شرقي الأردن، أي خارج تعريف أرض كنعان بالمفهوم التوراتي. وكان موسى قبل موته على ضفة الأردن الشرقية قد عيَّن لهذين السبطين نصيبهما في شرقي الأردن شريطة أن يساعدوا إخوتهم على اقتحام كنعان (العدد 32: 28-33). وبذلك لا يبقى في الأرض الموعودة إلا عشرة أسباط. وهذا الرقم هو الذي ينص عليه سفر القضاة الذي يلي سفر يشوع مباشرة، ولكن مع تغيير في هوية هذه القبائل المذكورة.


ففي سفر القضاة الذي يتحدث عن فترة الاستقرار في الأرض، نجد أن القبائل التي حصلت على نصيب لها في الأرض هي عشر قبائل فقط، بينها قبيلة يوسف التي لم يكن لها وجود في سفر الخروج أو سفر العدد: "وكان بعد وفاة يشوع أن إسرائيل سألوا الرب قائلين من منا يصعد في مقدمتنا لمحاربة الكنعانيين؟ فقال الرب: يهوذا يصعد، لأني إلى يده قد أسلمت الأرض. فقال يهوذا لشمعون أخيه: اصعد معي إلى ميراثي لنحارب الكنعانيين…الخ. وصعد آل يوسف أيضاً إلى بيت إيل وكان الرب معهم…الخ. ومنسي لم يطردوا أهل بيت شان وتوابعها… وأفرايم لم يطردوا الكنعانيين المقيمين في جازر…" (القضاة 1: 1-10). ونحن إذا تتبعنا قصة سفر القضاة الواردة في الإصحاح الأول عن مناطق استقرار القبائل الإسرائيلية نحصل على اللائحة التالية:
1- يهوذا. 2- سمعان. 3- بنيامين. 4- يوسف. 5- منسي. 6- أفرايم. 7- زبولون. 8- أشير. 9- نفتالي. 10- دان.
ونلاحظ في هذه القائمة غياب أربع قبائل هي:
1- لاوي. 2- رأوبين. 3- يساكر. 4- جاد.
فإذا أضفنا هذه القبائل الغائبة إلى القبائل المذكورة نحصل على الرقم 14 بدلاً من 12. فهل كان عدد القبائل 12 أم 14 أم 10؟ ومن هي قبيلة يوسف التي ترد هنا إلى جانب قبيلتي ولديه المفترضين أفرايم ومنسي؟
بعد ذلك يطالعنا سفر القضاة بشذوذات أخرى فيما يتعلق بعدد القبائل. ففي أنشودة القاضية دبورة التي تشغل الإصحاح الخامس، نجد تعداداً للقبائل التي شاركت في صد حملة ملك حاصور على إسرائيل، وللقبائل التي استنكفت عن المشاركة. فالقبائل التي شاركت هي:
1- أفرايم 2- بنيامين 3- ماكير 4- زبولون 5- يساكر.
والقبائل التي لم تشارك هي:
1- رأوبين 2- جلعاد 3- دان 4- أشير 5- نفتالي.
وعلى الرغم من أن العدد هنا هو عشرة مرة أخرى، إلا أن قائمة العشرة هذه تختلف عن قائمة العشرة الواردة في الإصحاح الأول. فقد غابت عنها خمس قبائل هي:
1- يوسف 2- منسي 3- يهوذا 4- شمعون 5-لاوي.
فإذا أضفنا هذه القبائل الغائبة إلى العدد الأصلي الثابت 12 نحصل على الرقم 15. ولدينا قبيلة جديدة تظهر في هذه القائمة هي قبيلة ماكير التي حلت محل قبيلة منسي بن يوسف، مع العلم بأن ماكير هو ابن منسي وحفيد يوسف، على ما ورد في سفر التكوين 50: 22-23. فهل كان لدينا بين القبائل واحدة دُعيت أحياناً يوسف وأحياناً أخرى منسي أو أفرايم أو ماكير، أم أربع قبائل متمايزة؟


ومن الشذوذات الأخرى في قائمة دبورة، حلول قبيلة (أو عشيرة) جلعاد محل قبيلة جاد، على الرغم من عدم وجود صلة بين الاسمين، لأن جاد هو الابن السابع ليعقوب، أما جلعاد فهو ابن ماكير وحفيد منسي بن يوسف (راجع سفر العدد 26: 29، وسفر يشوع 17: 1). ويبدو أن محرر سفر القضاة لم يسمع بوجود ابن ليعقوب اسمه جاد أو بقبيلة عبرانية بهذا الاسم، ومثل هذه القبيلة لم يرد ذكرها في أي موضع من السفر.
ولدينا في سفر الخروج إشارة عابرة إلى وجود مجموعات بشرية خرجت مع موسى من مصر، ولكنها لا تنتمي إلى أولاد يعقوب، يدعوهم المحرر باللفيف أو الأخلاط: "فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سَكوت… وصعد معهم لفيف كثير أيضاً، مع غنم وبقر، مواشٍ وافرة جداً." (الخروج 12: 37-38). وفي سفر العدد لدينا إشارة عابرة أخرى إلى هذه المجموعات: "واللفيف الذي في وسطهم اشتهى شهوة. فعاد بنو إسرائيل أيضاً وبكوا وقالوا: من يطعمنا لحماً؟" (العدد 11: 4). ولدينا إشارات متفرقة إلى وجود قبيلة يدعوها النص بالقينيين كانت مقربة إلى بني إسرائيل، ودخلت معهم أرض كنعان وحصلت على نصيب لها في منطقة يهوذا (القضاة 1: 6). وربما كانت هذه القبيلة من بين اللفيف الذي سار مع موسى.


عندما تم تشكيل المملكة الموحدة المفترضة لكل إسرائيل، انضوت القبائل الاثنا عشر تحت لواء هذه المملكة، وعندما انقسمت المملكة بعد وفاة سليمان، فإن عشر قبائل تبعت المملكة الشمالية واثنتان وهما يهوذا وبنيامين تبعتا المملكة الجنوبية. ولكن اضطراب النص كلما جاء للحديث عن هذه القبائل، يقودنا إلى الاستنتاج بأن عنصر القبائل العشر ليس إلا اختلاقاً أدبياً ينتمي إلى المستوى الأخير من مستويات التحرير التوراتي، وأن المحررين لم يتوصلوا إلى التوفيق بين عدد من الموروثات التي وصلت إليهم بخصوصها. ولهذا فإن الهوية التاريخية لهذه القبائل ستبقى غامضة بالنسبة إلينا، لاسيما في الحالة الراهنة من صمت الوثائق الخارجية التي تتقاطع مع الرواية التوراتية بخصوص هذه المسألة.

الهوامش:

* يقسم الآثاريون منطقة المرتفعات الفلسطينية إلى ثلاث كتل رئيسية هي: أ- مرتفعات الجليل في الشمال. ب- المرتفعات الوسطى أو المركزية التي نشأت عليها مملكة إسرائيل التاريخية. ج-المرتفعات الجنوبية أو مرتفعات يهوذا التي نشأت عليها مملكة يهوذا التاريخية.
1- حول هذه المعلومات المتعلقة بأصول إسرائيل ويهوذا راجع:
- I. Finkelstein, The Bible Unearthed, Free press, New York, 2004, ch.4
2- P. K. McCarter, The Patriarchal Age in: Hershel Shanks, edt, Ancient Israel, Prentice Hall, New Jersey, 1988, pp. 21-22.
3- ألفونسو أركي: الشواهد الكتابية في إيبلا، مجلة بيبليكا، العدد 4، 1979 ص 556-566. ترجمة قاسم طوير في كتابه: إيبلا، دمشق، 1984، ص 73.
4- Giovan: Garbini, History and Ideology in Ancient Israel, Xpress Reprints, London, 1977, p. 84,126. ANET. P. 255.
5- James Pritchard, Ancient Near Eastern Texts, Princeton, New Jersey, 1969, p. 242.
6- Th. L. Thompson, The Historicity of the Patriarchal Narratives, 1974, p.45-60.
7- W. F. Albright, Yahweh and the Gods of Canaan, Doubleday, N. Y. 1969, pp. 57,154 No.1.
8- ألفونسو آركي، المرجع السابق ص 73.
9- Hershel Shanks, edt, Ancient Israel, New Jersey, 1988, p. 75

عن موقع الأوان.



















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow