Alef Logo
دراسات
              

حفريات في التوراة أولاد يعقوب/إسرائيل، أي رجال كانوا؟

فراس الســواح

2011-03-28

خلال القسم الأخير من حياة يعقوب، يختفي الإله التوراتي عن مسرح الأحداث ولا نكاد نشعر بوجوده، فلا هو يتكلم مع يعقوب ولا مع أحد من أولاده الاثني عشر الذين انتقل إليهم العهد والوعد. وفي الحقيقة، فإن مجانية ذلك العهد الذي رأيناه يُبذل سابقاً دون النظر إلى المتطلبات الأخلاقية عند متلقيه، تتبدى في أوضح صورها في قصص أولاد إسرائيل الذين لم تتوفر فيهم الحدود الدنيا من الأخلاقيات الواجب توفرها في الأشخاص العاديين، ناهيك عن أشخاص منذورين لإنجاب اثنتي عشر قبيلة تؤلف في مجموعها أمة مقدسة تحمل عهد الرب، وتتبارك بها الأمم على ما ورد في خطاب يهوه لكل من إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وعلى ما أعاده على مسامع موسى عندما قال له: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك. وإياك اصطفى الرب إلهك أن تكون له أمة خاصة من جميع الأمم التي على وجه الأرض." (التثنية 7: 6). ولننظر الآن في التكوين النفسي والأخلاقي لأولئك الأسلاف الاثني عشر وإلى القدوة التي أعطوها لنسلهم، من خلال أربع قصص من عصر أولاد يعقوب.


بعد أن تصالح يعقوب مع أخيه عيسو وعبر الأردن فأقام قرب مدينة شكيم بأرض الحويين، خرجت ابنته دنية من زوجته الأولى ليئة لتنظر بنات البلد فرآها ابن رئيس البلد المدعو أيضاً شكيم فأخذها واغتصبها، ولكنه شعر بحب جارف تجاهها وأراد الزواج منها، فكلم شكيم أباه حمور أن يطلب يد الفتاة من أهلها. وكان يعقوب قد سمع بما جرى بينما أولاده في البرية يرعون الغنم، فسكت يعقوب في انتظار عودتهم. وعندما جاؤوا وعرفوا من أبيهم ما جرى لأختهم حنقوا وشق عليهم الأمر جداً. وفيما هم يتداولون في كيفية الثأر لعرضهم، وصل حمور وتكلم معهم قائلاً: إن شكيم ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم فأعطوها له زوجة وصاهرونا وأعطونا بناتكم وخذوا بناتنا. أكثروا عليَّ المهر والعطايا وما تطلبون مني أُعطيكم. فأجاب بنو يعقوب حمور وابنه شكيم بكيد ومكروا بهما وقالوا: لا نستطيع أن نعطي ابنتنا لرجل أغلف غير مختون لأنه عار عندنا، ولكن إذا صرتم مثلنا مختونين نعطيكم بناتنا ونأخذ بناتكم، وإن لم تقبلوا نأخذ ابنتنا ونمضي. فحَسُن كلامهم عند حمور وشكيم فذهبا إلى باب المدينة وخاطبا أهلها بما سمعا من أبناء يعقوب وزيَّنا لهم الأمر بالتلميح إلى ثروة الجماعة التي ستؤول إلى أهل المدينة إن هم تزاوجوا معهم. فسمع لحمور وشكيم أهل المدينة واختتن كل ذكر فيهم. وكان في اليوم الثالث عندما كان رجال شكيم غير قادرين على الحركة والدفاع عن أنفسهم جرّاء جراح الختان، أنّ بني يعقوب شمعون ولاوي أخوي دينة دخلا المدينة آمنين فقتلا كل ذكر فيها، ثم جاء بقية أولاد يعقوب وغنموا كل ما في المدينة. فقال يعقوب لشمعون ولاوي: "قد أشقيتماني وأخبثتما ريحي عند أهل الأرض، والكنعانيين والفرزيين، وأنا في نفر معدود فيجتمعون عليَّ ويقتلونني فأهلك أنا وبيتي." (التكوين 34).


نلاحظ في هذه القصة غياب الإله التوراتي غياباً تاماً، فهو لم يحض أولاد يعقوب على ما قاموا به ولا هو شجب، على الرغم من أنهم في مكرهم وخديعتهم للحويين قد دنسوا علامة العهد مع الرب وهي الختان الذي كان موضوع الوصية الوحيدة التي نطق بها الإله التوراتي في سفر التكوين عندما قال لإبراهيم: "فتختنون القُلفة من أبدانكم، ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم." (التكوين 17: 11). وبالمقابل فإن الأب يعقوب لم يردع أولاده عن ارتكاب مثل هذا الإثم الكبير، وعندما قُضي الأمر لم يشجب عملهم على قاعدة أخلاقية وإنما خاف من عواقبه على سلامته وسلامة أسرته. وفي الحقيقة فإن هذه الغارة الصغيرة والمحدودة هي التي أرست قواعد الحرب التي سنها فيما بعد الإله التوراتي للقبائل الإسرائيلية وعلى رأسها قاعدة التحريم التي تنص على إفناء كل نفس حية من سكان الأرض التي وهبها يهوه لإسرائيل: "متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، ودفعهم الرب أمامك وضربتهم فإنك تحرّمهم. لا تقطع معهم عهداً ولا تشفق عليهم." (التثنية 7: 1-3). وأيضاً: "وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيها الرب إلهك ميراثاً، فلا تستبقِ منها نسمة، بل حرّمهم تحريماً: الحثيين والآموريين والكنعانيين…الخ" (التثنية 20: 16-17).


بعد أن غادر يعقوب على عجل منطقة شكيم خوفاً من انتقام محتمل، توجه جنوباً وحلّ في بيت إيل حيث ظهر له الرب مجدداً وغير اسمه مرة أخرى من يعقوب إلى إسرائيل، وجدد معه العهد منتهياً إلى القول: "والأرض التي جعلتها لإبراهيم وإسحاق لك أجعلها ولنسلك من بعدك". ثم تابع يعقوب طريقه جنوباً وضرب خباءه وراء برج القطيع. وهنا يقدم لنا المحرر التوراتي نموذجاً آخر عن أخلاقيات أولاد يعقوب الذين سيرثون عهد الرب وأرض كنعان، فيسرد لنا خبراً مقتضباً عن اغتصاب الابن البكر رأُوبين لبلهة سرية أبيه: "وحدث إذ كان إسرائيل ساكناً في تلك الأرض أن رأُوبين ذهب فضاجع بلهة سرية أبيه. فسمع بذلك إسرائيل (أبوه)." (التكوين 35: 22). وهنا لا يعطينا المحرر فكرة عما فعله يعقوب بعد ذلك، وتمر هذه الحادثة مرور الكرام وكأنها لا تستحق التوقف عندها. ولكي نفهم فداحة الإثم الذي ارتكبه رأُوبين علينا أن تنذكر أن بلهة التي استسلمت لابن زوجها هي السرية التي أعطاها يعقوب لراحيل. وعندما تأخر حملها قالت لزوجها: "هوذا جاريتي بلهة، أُدخل عليها فتلد على ركبتي وأُرزق أنا أيضاً منها بنين. فأعطته بلهة جاريتها زوجة فدخل عليها." (التكوين 30: 3-4). وبعد ذلك ولدت بلهة ليعقوب ابناً دعته داناً، ثم ولدت ابناً آخر دعته نفتالي. وهذا يعني أن رأُوبين ضاجع أم أخويه.


لقد طُويتْ هذه الحادثة ولم يتذكرها يعقوب إلا وهو على فراش الموت عندما دعا أولاده ليباركهم في مصر مبتدئاً برأُوبين الذي وصفه بأنه فاضل في الشرف (!) وفاضل في العز (!): "رأوبين. أنت بكري، قوتي، وأول قدرتي. فاضل في الشرف وفاضل في العز. فائر كالماء، لا تَفضُل لأنك علوت مضجع أبيك، حينئذ دنسته. على فراشي صعد." (التكوين 49: 1-3). أما الإله الغائب عن هذه القصة فغير معني بها ولا بأي سلوك لا أخلاقي تبديه جماعته التي اختارته إلهاً، لأنه لم يتخذ بعدُ وجه المشرّع الذي يحضّ وينهى، والذي سيظهر لاحقاً في سفر الخروج من مصر.


على أن مؤلف أحد النصوص المعروفة بالأسفار غير القانونية، وهو نص وصايا الأسباط، قد انتبه فيها بعد إلى تقصير محرر سفر التكوين عن تقديم الإدانة الأخلاقية اللازمة في سرده لهذه القصة، فأعاد روايتها على لسان رأوبين نفسه في وصيته لأبنائه، حيث يقدم الاعتذار والمبررات لفعلته ويُعلن عن ندم لم يعلن عنه في سفر التكوين:
"إنني أدعو لرب السماء في هذا اليوم حتى لا تسلكوا يا أبنائي في دروب طيش الشباب وفي الفسق الذي تمرّغتُ فيه عندما دنّستُ لأبي يعقوب سرير الزوجية… أعطوا آذانكم لكلمات أبيكم رأوبين، ولا تعيروا اهتماماً لنظرات امرأة، ولا تجتمعوا تحت سقف واحد مع امرأة متزوجة، ولا تقيموا علاقة مشبوهة مع امرأة. لأني لو لم أرَ بلهة تستحم في مكان محجوب لما ارتكبت ذلك الإثم الكبير. لقد استولى عريها الأنثوي على حواسي ولم أستطع النوم حتى ارتكبتُ ذلك الإثم. فعندما غادرنا أبي يعقوب لزيارة أبيه إسحاق في جدر قرب أفراتة في بيت لحم، شَرِبَتْ بلهة الخمر وسكرتْ فنامت مكشوفة في مضجعها. فلما دخلتُ ورأيتُها في عريها ارتكبتُ ذلك الفعل العاق وخرجتُ دون أن تشعر بي. ولكن ملاك الرب كشف أمري لأبي، الذي جاء وبكى، ثم اعتزل بلهة ولم يقربها ثانية."(1)


في قصتنا الثالثة ننتقل إلى يهوذا الابن الرابع ليعقوب من زوجته ليئة، والذي إليه ينتمي اليهود التاريخيون، لنرى كيف أنه رهن رموز كرامته وهي عصاه وعمامته وخاتمه ليدخل على عاهرة تبيّن له فيما بعد أنها زوجة ابنه المتوفى. فقد انفرد يهوذا عن إخوته فنزل برجل عدلامي يقال له حيرة. ورأى يهوذا بنت رجل كنعاني اسمه شوع فتزوجها فحملت وولدت له على التوالي عير وأونان وشيلة. وعندما كبر عير زوّجه أبوه من امرأة تُدعى تامار، ولكن عير توفي مبكراً دون أن ينجب من تامار. فأعطاها يهوذا لابنه الثاني أونان الذي توفي بدوره قبل الإنجاب. وهنا نتابع القصة في النص:
"فقال يهوذا لتامار كنته: أقيمي في بيت أبيك حتى يكبر شيلة ابني. لأنه قال (في نفسه) لعله يموت أيضاً. فمضت تامار وأقامت في بيت أبيها. ولما طالت المدة ماتت امرأة يهوذا، وسلا يهوذا بعدها وصعد إلى جزاز غنمه في تمنة هو وصاحبه العدلامي حيرة. فأُخبرت تامار وقيل لها: هوذا حموك صاعد إلى تمنة ليجزَّ غنمه. فخلعت ثياب ترمّلها وتغطت بخمار وتنقبت وجلست في مأتى العينين على طريق تمنة إذ رأت أن شيلة قد كبر ولم تتزوج به. فرآها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت مغطية وجهها. فمال إليها في الطريق وقال: هلمَّ أدخل عليكِ. لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت: ماذا تعطيني حتى تدخل عليَّ؟ قال: أبعث بجدي معزٍ من الماشية. قالت: أعطني رهناً حتى ترسله. فقال: ما الرهن الذي أُعطيكِ؟ قالت: خاتمك وعمامتك وعصاك الذي بيدك. فأعطاها ودخل عليها وحبلت منه… وبعد مضي ثلاثة أشهر أُخبر يهوذا وقيل له: لقد زنت تامار كنتك وها هي حامل من الزنا. فقال يهوذا: أخرجوها فتُحرق. فلما أُخرجت أرسلت إلى حميها قائلة: مِنَ الرجل الذي هذه (الأشياء) له أنا حبلى. وقالت: حقق لمن الخاتم والعمامة والعصا هذه؟ فتحققها يهوذا وقال: هي أَبرُّ مني لأني لم أعطها لشيلة ابني. ولم يقربها بعد ذلك. وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان." (التكوين 38).


هنالك اعترافان مهمان يدلي بهما محرر سفر التكوين في هذه القصة. الاعتراف الأول هو أن اليهود قد تسلسلوا من امرأتين كنعانيتين، الأولى هي زوجته التي أنجب منها الجيل الأول من أولاده الذين لم يبقَ منهم سوى شيلة، والثانية هي زوجة ابنه تامار التي أنجب منها الجيل الثاني من أولاده. وهذه الواقعة يتجاهلها يهوه عندما أمر العبرانيين بعدم التزواج مع الكنعانيين والعمل على إبادتهم. أما الاعتراف الثاني فيتعلق بالنسب غير الشرعي لليهود باعتبارهم أبناء لزنى يهوذا بتامار. وهذه الواقعة يتجاهلها يهوه في شريعته عندما قال لموسى: "لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب. حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب." (التثنية 23: 2).
القصة الرابعة التي تطلعنا على أخلاق الأسلاف الاثني عشر لبني إسرائيل، هي قصة يوسف وإخوته عندما تآمر أبناء إسرائيل على قتل أخيهم الأصغر بدافع الغيرة والحسد. فقد غار الإخوة من محبة أبيهم ليوسف واستاءوا من أحلامه التي تتنبأ بعلو مكانته عليهم وبمستقبل باهر ينتظره. وفي إحدى المرات عندما كان الإخوة يرعون الغنم في مكان بعيد عن مساكنهم، أرسل إسرائيل يوسف ليأتيه بأخبارهم ويطمئنه على سلامتهم وسلامة الغنم. وكان يوسف عندها في سن السابعة عشر، حسن الصورة والمنظر، يرتدي قميصاً ملوناً (ربما كان أحمر) صنعه له أبوه:
"فلما رأوه من بعيد قبلما اقترب إليهم احتالوا عليه ليميتوه. فقال بعضهم لبعض هو ذا صاحب الأحلام قادم، فالآن هلمَّ نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش رديء أكله، فنرى ماذا تكون أحلامه. فسمع رأوبين (الأخ الأكبر) وأنقذه من أيديهم وقال: لا نقتله. وقال لهم رأوبين: لا تسفكوا دماً، اطرحوه في هذه البئر التي في البرية ولا تمدوا إليه يداً، (قال ذلك) لكي ينقذه من أيديهم ليرده إلى أبيه. فكان لما جاء يوسف إلى إخوته أنهم خلعوا عن يوسف قميصه الملون الذي عليه وأخذوه وطرحوه في البئر. وأما البئر فكانت فارغة ليس فيها ماء.
"ثم جلسوا ليأكلوا طعاماً، فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد وجمالهم حاملة كثيراء وبلساناً ولاذناً لينزلوا بها إلى مصر. فقال يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟ تعالوا نبيعه للإسماعيليين ولا تكن أيدينا عليه لأنه أخونا ولحمنا فسمع له إخوته. واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر. ورجع رأوبين إلى البئر وإذا يوسف ليس في البئر، فمزق ثيابه ثم رجع إلى إخوته وقال: الولد ليس موجوداً، وأنا إلى أين أذهب؟
"فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيساً من المعزى وغمسوا القميص بالدم، وأرسلوا القميص الملون وأحضروه إلى أبيهم وقالوا: وجدنا هذا. حقِّقْ أَقميص ابنك هو أم لا؟ فتحققه وقال: قميص ابني. وحش رديء أكله، افترس يوسف افتراساً. فمزق يعقوب ثيابه ووضع مِسحاً على حقويه وناح على ابنه أياماً كثيرة. فقام جميع بنيه وجميع بناته ليعزوه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحاً إلى الهاوية. وبكى عليه أبوه.


"وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون، رئيس الشُّرَط." (التكوين 37: 18-36).
يتميز هذا النص الذي اقتبسناه أعلاه بالاضطراب الناجم عن تعدد الروايات للحادثة الواحدة. فنحن نجد أن رأوبين هو الذي أنقذ يوسف من القتل واقترح رميه في بئر جافة عوضاً عن ذلك، على أمل أن يعود إليه سراً لينقذه. وبعد ذلك نجد أن يهوذا هو الذي أنقذ يوسف وقال لإخوته: "ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟ تعالوا نبيعه للإسماعيليين." وهذا يعني أن الإخوة لم يكونوا بعد قد ألقوا يوسف في البئر. ولكن الإخوة لم يكونوا من باع يوسف إلى الإسماعيليين، وإنما تجار مديانيون عثروا على يوسف في البئر: "واجتاز رجال ميدانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر". ثم نتفاجأ في نهاية القصة بأن المديانيين لم يبيعوا يوسف للإسماعيليين وإنما ساقوه معهم إلى مصر حيث باعوه هناك: "وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط". وبعد أن يقطع محرر سفر التكوين سياق قصة يوسف بإيراده في الإصحاح 38 لقصة يهوذا وكنته تامار التي زنى بها، يعود في الإصحاح 39 ليقول لنا إن الإسماعيليين هم الذين باعوا يوسف في مصر: "وأما يوسف فأُنزل إلى مصر واشتراه فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط، رجل مصري، من يد الإسماعيليين الذي أنزلوه إلى هناك." (التكوين 39: 1-2).
أما ملخص ما تبقى من هذه القصة التي شغلت حيزاً في سفر التكوين أكبر من الحيز الذي شغلته قصة إبراهيم أو قصص إسحاق ويعقوب، فيجري على النحو التالي:
وكان الرب مع يوسف فوجد نعمة في عيني سيده فوطيفار فأوكله على كل شؤون بيته. ولكن زوجة المصري أُغرمت بيوسف وحاولت إغواءه فصدها عن مرادها فاتهمته لدى سيده زوراً بأنه تحرش بها. فألقاه في السجن. وهنا أيضاً كان الرب مع يوسف فنال حظوة في عين رئيس السجن الذي جعله رئيساً على بقية سجناء الفرعون. وحدث بعد مدة أن فرعون غضب على ساقيه وعلى خبازه وألقاهما في السجن، فرأى كل منهما حلماً قصَّه على يوسف، ففسر يوسف حلم كل منهما وتنبأ للخباز بأنه سيُعدم بعد ثلاثة أيام وللساقي بإطلاق سراحه في المدة نفسها، وصدقت نبوءاته. وبعد سنتين عرضت للفرعون رؤيا في المنام أقلقته، وفي الليلة الثانية عرضت له أخرى زادت من قلقه، فاستدعى الحكماء ليفسروا له أحلامه ولكنهم عجزوا. فتذكر الساقي يوسف وأتى به إلى الفرعون ففسر له الحلمين بأنهما نبوءة بقدوم سبع سنوات تكثر فيها المحاصيل تليها سبع سنوات تشح فيها المحاصيل وتعم المجاعة أرض مصر، واقترح عليه أن يجعل على الأرض قيِّماً يخزن من محاصيل الحبوب في زمن الوفرة يكون زخراً لسنوات القلَّة. حَسُن كلام يوسف عند الفرعون وأحبَّه، فأوكله بالمهمة وأعطاه سلطات واسعة لتنفيذ خطته على الوجه الأكمل، وقال له: أنت تكون على بيتي وإلى كلمتك ينقاد كل شعبي ولا أكون أعظم منك إلا بالعرش. وأطلق الفرعون على يوسف اسم صفنات فعنيح وزوَّجه ابنة كاهن أون المدعوة أسنات، وولدت له أسنات ابنين فدعا البكر منسي ودعا الثاني أفرايم.


ثم كملت سنوات الشبع السبعة وبدأت سنوات الجوع ، فكان جوع في جميع البلدان أما أرض مصر فكان فيها خبز. فلما علم يعقوب أن القوت موجود في مصر أرسل بنيه العشرة ليبتاعوا منها القمح وأبقى بنيامين الصغير عنده. فجاء الإخوة إلى يوسف الذي كان يشرف بنفسه على توزيع القمح وسجدوا بين يديه، فعرفهم يوسف وهم لم يعرفوه. فقال لهم: من أين جئتم؟ فقالوا: من أرض كنعان لنشتري طعاماً. فقال: بل أنتم جواسيس جئتم لتروا عورة الأرض. فقالوا: عبيدك نحن. إننا اثنا عشرة أخاً بنو رجل واحد، تركنا الصغير عند أبينا ولنا أخ مفقود. فقال: إن كنتم سليمي القلوب فواحد منكم يبقى مقيداً لدي هنا، وأنتم انطلقوا فخذوا مؤونة لطعامكم ثم عودوا إليَّ بأخيكم الصغير ليتحقق لي كلامكم. بقي شمعون مقيداً في الحبس وعاد التسعة إلى أبيهم. وتنتهي القصة بأن يكشف يوسف عن هويته لإخوته لدى عودتهم مرة ثانية لشراء مزيد من القمح ومعهم بنيامين الصغير، ويسامحهم ويطلب منهم أن يأتوا بأبيهم ونسائهم وأولادهم للإقامة في مصر، فقدموا إليه وعددهم سبعون فأكرمهم وأسكنهم في أرض جاسان التي نستنتج من أحداث سفر الخروج اللاحق أنها منطقة الدلتا الشرقية (التكوين: 37-50).
يتضح للوهلة الأولى مدى غرابة قصة يوسف عن بقية قصص الآباء في سفر التكوين سواء في أسلوبها الأدبي أم في عقدتها القصصية وبقية تفاصيلها. فهي تنتمي إلى جنس الرومانس أكثر من انتمائها إلى السرد التاريخي، وتبدي عناصر شائعة ومألوفة في الأدب الشعبي شرقاً وغرباً نذكر بعضها فيما يلي:
1- محبة الأب للابن الأصغر أو البنت الصغرى، ومكائد الإخوة أو الأخوات للأخ أو الأخت المفضلة. ثم النجاة من المكائد بتدخل قوة ماورائية.
2- اغتراب الشاب المستضعف في أرضه ونجاحه في أرض غربته، ثم عودته إلى أهله الذين يفشلون في التعرف عليه للوهلة الأولى.
3- إغواء الشاب الوسيم المستقيم من قبل امرأة فاتنة، هي زوجة الأب أحياناً أو زوجة ولي النعمة أحياناً أخرى، ثم رفضه للغواية وافتراء المرأة عليه، وما ينجم عن ذلك من مروره بفترة بؤس وشقاء قبل ظهور براءته. ولدينا قصة من الأدب المصري القديم تعود إلى القرن الثالث عشر، تتحدث عن أخوين عاشا في مسكن واحد هما أنوبيس الكبير وباتا الصغير. ثم تزوج الكبير أنوبيس من امرأة جميلة حاولت إغواء أخيه باتا الذي رفضها. ولما رجع زوجها ادعت أن باتا راودها عن نفسها، فهاج أنوبيس وأقسم أن يقتل أخاه الذي فر من وجهه وسافر إلى وادي الأرز في لبنان حيث صرف أيامه في صيد الوحوش، إلى أن قادت سلسلة من الأحداث إلى ظهور براءته(2 ).


4- سنوات الوفرة السبع وسنوات الشدة السبع، وهو عنصر شائع في أدبيات الشرق القديم، ولدينا عنه أمثلة من مصر وسورية وبلاد الرافدين. ومنها نص مصري من القرن الثاني قبل الميلاد يشير إلى مثل هذه الدورة المناخية في أخبار الملك زوسر من الأسرة الثالثة(3). وفي ملحمة جلجامش الرافدينية نجد الإلهة عشتار تخزن قمحاً للناس وعلفاً للماشية في زمن الوفرة قبل أن تأتي سنوات الجفاف السبع(4). وفي نص إدريمي ملك مدينة ألالاخ في الشمال السوري، الذي يرجع بتاريخه إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، إشارة إلى السنوات السبع العجاف(5). وفي ملحمة أقهات الأوغاريتية تأتي السنوات السبع العجاف عقب موت بطل الملحمة أقهات بن دانيال(6).


ولدينا في القصة مفارقة تاريخية واضحة تتعلق بذكر الإسماعيليين والمديانيين. فمن المفترض وفق سلسلة الأنساب التي رسمها محرر سفر التكوين سابقاً (راجع الإصحاح 25: 1-11 و13-16) أن الإسماعيليين هم الشعب الذي تسلسل من إسماعيل بن إبراهيم من جاريته هاجر، وأن المديانيين هم الشعب الذي تسلسل من مديان بن إبراهيم من زوجته الأخيرة قطورة. ولكننا إذا حسبنا الزمن الفاصل بين عصر إسماعيل ومديان وعصر يوسف، لتوصلنا إلى نتيجة مفادها أن الإسماعيليين والمديانيين لم يكونوا قد تشكلوا كشعبين تجاريين كبيرين خلال حياة يوسف وإخوته، وهذا يدلنا على أن قصة يوسف قد جاءت من مصدر آخر مختلف عن مصدر قصص الآباء، وأنها أُدمجت في نهاية هذه السلسلة من أجل الربط بين عصر الآباء وعصر الخروج من مصر، وإيجاد تفسير لوجود العبرانيين في مصر.


ومن الناحية اللاهوتية نلاحظ غياب الإله التوراتي في قصة يوسف مثل غيابه في بقية قصص الأسباط. فعلى الرغم من أن المحرر يعزو إلى الرب ذلك النجاح الذي حققه يوسف عندما قال: "وكان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً وأقام في بيت سيده المصري." (29: 2) ومن أنه وضع على لسان يوسف ما يدل على أن كل ما حدث كان بتدبير من الرب، عندما خاطب يوسف إخوته بعد أن كشف لهم عن هويته قائلاً: "والآن لا تتأسفوا لأنكم بعتموني إلى هنا، فإن الله قد بعثني أماكم لأحييكم." (45: 5)، إلا أننا لا نجد أن الرب قد كلم يوسف في أي وقت من الأوقات أو قدم له أي نصح أو توجيه، ويوسف يعمل دوماً بمبادرة شخصية منه دون أن يطلب عوناً من إله آبائه الغائب. ومن الملفت للنظر أن نجد أن الفرعون نفسه هو الذي قال بأن يوسف يعمل بتوجيه من روح الله (41: 38-39)، بينما لم يصدر عن يوسف مثل هذا الادعاء. وفي مقابل ذلك هناك إشارات خفية إلى أن يوسف قد اعتنق ديانة المصريين. فإضافة إلى اكتسابه لاسم مصري عوضاً عن اسمه الكنعاني هو صفنات فعنيح، فقد تزوج من ابنة واحد من كبار كهنة الديانة المصرية وهو كاهن مدينة أون (41: 45). وأون هي مدينة هيلبوبولس أي مدينة الشمس وفق التسمية اليونانية المتأخرة، ولذلك دُعيت في سفر إرميا 43: 13 بيت شمس. وفي سفر إشعيا 19: 18 بمدينة الشمس. وقد كانت هذه المدينة عاصمة للفراعنة في أزمنة معينة، وآثارها تقع اليوم على مسافة 15كم إلى الشمال الشرقي من مدينة القاهرة، في موقع ضاحية المطرية(7). ويبدو أن موقع أون كان معروفاً باسم المطرية في القرن الأول الميلادي، لأن بعض أناجيل الطفولة المنحولة أوردت في وصفها لرحلة العائلة المقدسة إلى مصر، أن العائلة في طريقها إلى العاصمة ممفيس توقفت عند موقع يدعى مطرية، حيث قام الطفل يسوع بتفجير نبع ماء تحت شجرة جميز غسلت فيه مريم ثيابها(8).

الهوامش:

1- انظر وصية رأوبين في نص وصايا الأسباط، في موسوعة الأسفار غير القانونية:
- J. H. Charlesworth, The Old Testament Pseudepigrapha, vol.1, pp. 782-783.
2- راجع نص قصة الأخوين في موسوعة نصوص الشرق القديم:
- J. Pritchard, Ancient Near Eastern Texts, Princeton, 1969, P
3- المرجع نفسه ص 31-32.
4- راجع ترجمتي لملحمة جلجامش اللوح السادس العمود الثالث.
5- انظر الحاشية رقم 1 ص 85.
6- المرجع نفسه ص 153.
7- راجع مفردة أون في قاموس الكتاب المقدس، منشورات مكتبة المشعل، بإشراف رابطة الكنائس الإنجيلية، بيروت 1981.
8- راجع إنجيل الطفولة العربي الفقرة 24 في كتاب اسكندر شديد: الأناجيل المنحولة. سلسلة الكنيسة في الشرق، لبنان 1999م.

عن موقع الأوان
















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الشام عروس عروبتكم أولاد القحبة.. لا استثني أحدا منكم

22-تموز-2017

سحبان السواح

صرخ الشاعر مظفر النواب ذات يوم في وجه الأنظمة العربية قائلا: "وأما انتم فالقدس عروس عروبتكم أهلا.. القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل السيلانات إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها وسحبتم كل خناجركم و تنافختم...
المزيد من هذا الكاتب

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

ترشيد الفساد

08-تموز-2017

سلمية تحرق نفسها

01-تموز-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow