Alef Logo
دراسات
              

حفريات في التوراة أولاد إسحاق

فراس الســواح

2011-03-14


عندما أحس إسحاق بدنوّ أجله استدعى ابنه البكر عيسو لكي يباركه البركة التي تورثه الثروة ووعد الرب وقال له: إنني قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي. فالآن خذ جعبتك وقوسك واخرج إلى البرية لتصيد لي صيداً وجئني بها لآكل حتى تباركك نفسي. وكانت رفقة أمه تسمع ما يقال، فلما خرج عيسو أخبرت يعقوب بما سمعت ودبر الاثنان خدعة لإسحاق. فطبخت رفقة جدياً وأعطته ليعقوب، بعد أن كست يديه وعنقه بجلد المعز لأنه كان أملساً على عكس أخيه الكثيف شعر الجسد. فدخل على أبيه وقال له: أنا عيسو ابنك، قم وكل من صيدي لكي تباركني. فقام إسحاق وجسَّ عيسو وقال: الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو. قدّم لي حتى آكل من صيد ابني لكي تباركك نفسي. فقدم له فأكل ثم قال له: يعطيك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض، ويكثّر لك الحنطة والخمر، وتخدمك الأمم وتسجد لك القبائل. سيداً تكون لإخوتك وبنو أمك يسجدون لك.


بعد ذلك جاء عيسو بصيده فطبخه ودخل على أبيه وقال له: قم وكل من صيدي لكي تباركني نفسك. فقال يعقوب: من أنت؟ فقال: أنا عيسو بكرك. فارتعد إسحاق وقال: فمن ذاك الذي أتاني بصيده فأكلت وباركته؟ فصرخ عيسو صرخة عظيمة وقال لأبيه: باركني أنا أيضاً يا أبت. فقال: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. فقال عيسو: أَلك بركة واحدة فقط يا أبي؟ باركني أنا أيضاً. ورفع عيسو صوته وبكى. فأجابه أبوه وقال: هوذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك وبلا ندى السماء من فوق، بسيفك تعيش ولأخيك تُستعبد. فحقد عيسو على يعقوب وقال: قربَتْ مناحة أبي فأقتلُ يعقوب أخي. فأخبرت رفقة يعقوب بكلام أخيه وقالت له: قم اهرب إلى أخي لابان في حاران وأقم عنده حتى يرتد غضب أخيك عنك وينسى ما صنعتَ به (التكوين 27).


على الرغم من أن يهوه لا يظهر في هذه القصة، إلا أنه كان المحرك لأحداثها. فهو الذي قرر مصير الجنينين عندما كانا في رحم رفقة، واختار يعقوب قبل ولادته ليكون وريثاً للبركة والعهد عندما قال لرفقة: "في بطنكِ أُمَّتان ومن أحشائكِ يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب وكبير يُستبعد لصغير." (التكوين 25: 33). وهو الذي دفع رفقة إلى تدبير مؤامرتها، وإسحاق إلى النطق بما يكره ومباركته يعقوب بدلاً من عيسو. ولم يكن هؤلاء إلا ممثلين في سيناريو جرى إعداده مسبقاً من قبل الرب الذي لا تعنيه الوسائل بقدر ما تعنيه الغايات.
غادر يعقوب بئر السبع وتوجه شمالاً، وصادف أثناء ترحاله مكاناً فتوقف ليبيت فيه لأن الشمس قد غابت، وأخذ حجراً ووضعه تحت رأسه ونام فرأى حلماً، وإذا سُلّم منصوبة بين السماء والأرض والرب واقف على السلّم فقال له: "أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت نائم عليها لك أعطيك ولنسلك، ويكون نسلك كتراب الأرض، وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض. فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء. وبكَّر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه عموداً وصب على رأسه زيتاً ودعا بيت إيل. ولكن اسم المدينة كان أولاً لوز" (التكوين 28: 10-19).
إن الحجر الذي نصبه يعقوب وصب على رأسه زيتاً، يُعبّر عن ملمح مشترك بين عبادة عصر الآباء وعبادات الشعوب السامية الغربية طراً، حيث كان النصب الحجري يُعبّر عن حضور الألوهة الخافية ويُعتبر بمثابة مسكن لها. وقد بقيت توضع في المقامات الدينية وصولاً في الزمن إلى العصور الكلاسيكية() وتُدعى بيوت الآلهة.
وصل يعقوب إلى حاران وانضم إلى أسرة خاله لابان وراح يرعى غنمه. ثم قال له لابان: أَلأنك أخي تخدمني مجاناً؟ قل لي ما أجرتك؟ وكان للابان بنتان اسم الكبرى ليئة واسم الصغرى راحيل. وأحب يعقوب راحيل لأنها الأجمل، وقال للابان: أخدمك سبع سنين براحيل ابنتك. فوافق لابان وأقام يعقوب عنده سبع سنين يخدمه كانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لراحيل. ثم قال له: إن أيامي قد كملت. أعطني امرأتي لأدخل عليها. فجمع لابان أهل المكان وصنع وليمة ثم جاء له بابنته الكبرى ليئة فدخل عليها وهو لا يعلم. وفي الصباح اكتشف الخدعة فقال للابان: ما هذا الذي صنعتَ بي؟ أَليس براحيل خدمت عندك فلماذا خدعتني؟ فقال له لابان: لا يحسن في مكاننا هذا أن تعطى الصغيرة قبل البكر. ولكن اخدمني براحيل سبع سنين أيضاً أعطها لك. فأكمل يعقوب سبع سنوات أُخَر نال في نهايتها راحيل.


وهكذا أمضى يعقوب في خدمة لابان أربع عشرة سنة وزاد عليها سبعاً. وخلال هذه المدة كان ينمي ثروته الخاصة وامتلك ماشية كثيرة، وأنجبت له الزوجتان أولاداً. وكان كلما كان حمل إحداهما يتأخر أنها تعطيه جاريتها ليدخل عليها وينجب منها. وهكذا أنجب يعقوب من ليئة ومن راحيل ومن جاريتيهما بلهة وزلفة أحد عشر صبياً وبنتاً واحدة هي دينة. وهذه أسماء الذكور وفق تسلسل ولادتهم:
1- رأُوبين. 2-شمعون. 3-لاوي. 4-يهوذا. 5-دان. 6-نفتالي. 7-جاد. 8-أشير. 9-يساكر. 10-زبولون. 11-يوسف (التكوين : 29-30). أما الابن الثاني عشر وهو بنيامين فسيولد بعد عودة يعقوب إلى كنعان. وهؤلاء هم الأسباط الاثنا عشر الذي تسلسلت منهم قبائل إسرائيل فيما بعد.


عندما رأى أولاد لابان تنامي ثروة يعقوب أوغروا صدر أبيهم عليه وقالوا: أخذ يعقوب كل ما كان لأبينا، ومما لأبينا صنع كل هذا. فتغير وجه لابان نحو يعقوب. فقال الرب ليعقوب: ارجع إلى أرض آبائك وإلى عشيرتك فأكون معك. فأخذ يعقوب امرأتيه وأولاده وجميع مقتنياته وانصرف إلى أرض أبيه، بينما كان لابان غائباً يجز غنمه في مكان آخر. وعندما كانت راحيل تجمع أمتعتها أخذت أصنام أبيها معها وخبأتها في متاعها. ولما عاد لابان واكتشف رحيل يعقوب واختفاء أصنامه، تعقبه ومعه إخوته مسيرة سبعة أيام حتى أدركه في جبل جلعاد شرقي الأردن. ولكن الرب ظهر للابان في الحلم وحذره من أن ينال يعقوب بسوء. وعندما التقى الاثنان قال لابان ليعقوب: لمَ هربتَ خفية ولم تخبرني، وسقت بنتي كالمسبيين بالسيف؟ ولماذا سرقتَ آلهتي؟ فقال يعقوب: لأني تخوفت وقلت لعلّكَ تمنع بنتيك عني، وأما آلهتك فمن وُجدتْ معه يموت. ولم يكن يعقوب يعرف أن راحيل قد سرقت أصنام أبيها، فدخل لابان الخباء وفتش ولم يجدها. وكانت راحيل قد أخذت الأصنام وجعلتها في سرج الجمل وجلست عليها. فقالت لأبيها: لا يغتظ سيدي. إني لا أستطيع أن أقوم أمامك لأن عليّ عادة النساء. وأخيراً ينتهي النزاع بين الطرفين بقطع عهد بينهما على ألا يفعل أحدهما شراً بالآخر، وأشهدا آلهتهما على هذا العهد (التكوين 31).


بعد ذلك تابع يعقوب طريقه وصولاً إلى نهر الأردن. ولخوفه من انتقام أخيه عيسو أرسل إليه، إلى أرض سعير في بلاد آدوم، رسلاً برسالة يستعطفه فيها وبهدايا جاء بها إليه. ثم عبر مخاضة يبوق مع أهله وأرسلهم أمامه وبات وحيداً في ذلك المكان. فظهر له يهوه في صورة إنسان وصارعه حتى الفجر: "ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُقَّ فخذه فانخلع حُق يعقوب في مصارعته معه. وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال (يعقوب): لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال: لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال: أخبرني عن اسمك. فقال: لماذا تسألني عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل (فني-إيل) قائلاً: لأني رأيت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسي." (التكوين: 32).


هذه واحدة من أغرب قصص الكتاب، وهي تبدو معلقة في الفراغ دون مقدمات أو نتائج. ولعلّنا غير قادرين على تفسيرها إلا بالرجوع إلى المستوى البدائي الأقدم للديانة العبرانية في مواطنها الصحراوية الجنوبية، حيث كان البدو يعتقدون بوجود كائنات غيبية تتخلل الطبيعة وذات قدرة غامضة بإمكانها تسبيب الأذى للإنسان، والتي نعرفها من الموروث العربي الجاهلي تحت اسم الجن. وهذه الكائنات تسكن في الأماكن المهجورة والموحشة بعيداً عن الأماكن التي يسكنها البشر، وهي تنشط في الليل وتختفي قبل انبلاج الصبح. والفارق بين الآلهة والجن لا يكمن في طبيعتهم وقدرتهم، بل في علاقتهم مع البشر. فالجن غرباء عن البشر وبالتالي فهم أعداء وفقاً لعقائد الصحراء، أما الآلهة فقوى صديقة إذا أحسن البشر التعامل معها وفق ما تشتهي. من هنا فإن الحد الفاصل بين النوعين هو على درجة كبيرة من المرونة. وقد يتم ترقية جني ليلي إلى مرتبة الإله الذي يمارس وظائف النوعين في آن معاً. ويبدو أن هذا ما حدث لإله العبرانيين قبل أن يتوحد مع إله البراكين ذي الطبيعة التدميرية. وعلى الرغم من أن يعقوب يدعو الكائن الذي ظهر له بالاسم إيلوهيم عندما قال: "لأني رأيت الله (= إيلوهيم بالعبرية) وجهاً لوجه ونجيت نفسي"، إلا أن هذا الكائن يُظهر من صفات الجن أكثر مما يظهر من صفات الآلهة. فهو يظهر في الليل وينقض على يعقوب دون سبب واضح، ويصارعه دون أن يقدر عليه. وعندما لاحت تباشير الصبح خاف وقال ليعقوب: "أطلقني لأنه قد طلع الفجر". وقد ظهر مثل هذا الكائن الظلامي بعد ذلك لموسى في الصحراء وهو عائد من مديان إلى مصر وحاول قتله، على ما أسلفنا في بحث سابق (الخروج 4: 24-26).
بعد أن تلقى عيسو رسالة يعقوب لم ينتظر وصوله وإنما توجّه للقائه ومعه لفيف من أتباعه. وعندما وصل تقدّم إليه يعقوب وسجد إلى الأرض سبع مرات، فما كان من عيسو إلا أن عانقه وبكى الاثنان. وسأله عيسو عن الهدايا التي أرسلها فقال يعقوب: لكي أنال حظوة في عيني سيدي. فقال عيسو: إن عندي كثير والذي لك يبقى لك. فألحّ عليه يعقوب حتى قبل. وبذلك انطوت صفحة الخلاف العائلي وعاد عيسو إلى موطنه. أما يعقوب فتابع مسيره وحل في المناطق الشمالية قرب مدينة شكيم (= نابلس). ولكن توتراً حدث بين أهالي شكيم وأولاد يعقوب دفع هؤلاء إلى القيام بمذبحة في المدينة، واضطر يعقوب إلى الجلاء عن الموضع خوفاً من انتقام الكنعانيين (وسوف نورد هذه القصة عندما نتحدث عن أولاد يعقوب):
"ثم قال الله ليعقوب قم فاصعد إلى بيت إيل وأقم هناك، واصنع مذبحاً لله الذي ظهر لك عند هربك من وجه عيسو أخيك. فقال يعقوب لأهله وسائر من معه: اعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهّروا وأبدلوا ثيابكم، وهلّموا نصعد إلى بيت إيل وأصنع هناك مذبحاً لله الذي استجاب لي في يوم ضيقي وكان معي في الطريق الذي سلكته. فدفعوا إلى يعقوب جميع الآلهة الغريبة التي عندهم والأقراط التي في آذانهم، فدفنها يعقوب تحت البطمة التي عند شكيم. ثم ارتحلوا فحل رعب الله على أهل المدن التي حواليهم فلم يسعوا وراء بني يعقوب." (التكوين 35: 1-9).
إن أمر يعقوب لأهله ومن معه أن يعزلوا الآلهة الغريبة من بينهم، في المقطع أعلاه أن إيل إله إبراهيم لم يكن المعبود الوحيد لدى آباء إسرائيل وصولاً إلى الجيل الثالث. ويلفت نظرنا بشكل خاص الاحترام الذي أبداه يعقوب للآلهة الأخرى المعبودة من قبل جماعته، فهو لم يحطم أصنامها وأحجارها المقدسة وفق ما أمر به يهوه بعد ذلك عندما قال لموسى: "لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها بل تبيدهم وتحطم أصنامها تحطيماً." (الخروج 23: 24)، وإنما طمرها تحت شجرة بطم معينة قرب مدينة شكيم كانت معروفة عند أهل المنطقة. وقد كانت البطمة شجرة مقدسة عند الكنعانيين تحل فيها روح إلهية أنثوية، ولذلك كان يطلقون عليها اسم إيلة أي إلهة. وكانوا يقصدونها للتبرّك بها وإقامة شعائرهم الدينية تحتها، مثلما فعل الإسرائيليون بعدهم. وإلى مثل هذه الممارسات أشار الأنبياء اللاحقون في معرض تنديدهم بانحراف بني إسرائيل: "شعبي يسأل خشبه وعصاه تخبره، لأن روح الزنى قد أضلّهم فزنوا من تحت إلههم. يذبحون على رؤوس الجبال ويبخرون على التلال تحت البلوط واللبنى والبطم." (هوشع 4: 12-13).


"وجاء يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان، وهي بيت إيل، هو وجميع القوم الذين معه، وبنى مذبحاً ودعا المكان إيل بيت إيل (= إله بيت إيل)، لأنه هنا ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه. وماتت دبورة مرضعة رفقة ودُفنت تحت بيت إيل تحت البلوطة، فدعا اسمها ألون باكوت (= بلوطة البكاء)." (التكوين 35: 6-8).
نجد هنا رواية ثانية لقيام يعقوب بتسمية مدينة لوز ببيت إيل. وكان قد فعل ذلك وهو في طريقه إلى خاله لابان هارباً من وجه عيسو. فهل نسي المحرر روايته الأولى حتى عمد إلى تكرارها؟ ثم ماذا تفعل هنا دبورة مرضعة رفقة والدة يعقوب، وما الذي جاء بها إلى ركب يعقوب القادم من آرام النهرين؟ وكم كان عمرها في ذلك الوقت؟ على أي حال فلقد كانت دبورة المرضعة بمثابة الأم لرفقة، ولذلك فقد دُفنت تحت البلوطة، لأن البلوطة كانت أيضاً شجرة مقدسة وتُدعى بالعبرية ألون، وهي كلمة تشترك في الاشتقاق مع كلمة إيلة (= البطمة). وقد لقيت البلوطة من تنديد الأنبياء مثلما لقيت البطمة على ما ورد في المقتبس السابق من سفر هوشع.


"وظهر الله أيضاً ليعقوب حين جاء من فدان آرام وباركه. وقال له الله: اسمك يعقوب. لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يكون اسمك إسرائيل. فدعا اسمه إسرائيل. وقال له الله: أنا الله القديم. أُثمر وأُكثر. أمة وجماعة أمم تكون منك، وملوك يخرجون من صلبك. والأرض التي أعطيتُ إبراهيم وإسحاق لكَ أعطيها ولنسلك من بعدك أعطي الأرض. ثم صعد الله عنه في المكان الذي فيه تكلم معه. فنصب يعقوب عموداً في المكان الذي فيه تكلم معه، عموداً من حجر، وسكب عليه سكيباً وصب عليه زيتاً، ودعا يعقوب اسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل." (التكوين 35: 9-15).


في هذا المقطع تكرار لثلاث روايات سابقة. فقد سمَّى يعقوب للمرة الثالثة الموضع الذي ظهر الله له فيه ببيت إيل. وللمرة الثانية غيّر الله اسم يعقوب إلى إسرائيل، وكان قد فعل ذلك عندما ظهر له ليلاً وصارعه عند مخاضة يبوق. وللمرة الثانية نصب عموداً وصب عليه زيتاً في مكان للتجلي الإلهي.


"ثم رحلوا من بيت إيل. ولما كان مسافة من الأرض بعدُ حتى يأتوا إلى أفراتة ولدت راحيل وتعسرت ولادتها. وحدث حين تعسرت ولادتها أن القابلة قالت لها: لا تخافي لأن هذا أيضاً ابن لك. وكان قبل أن تفيض نفسها عند موتها أنها دعت اسمه ابن أوني (= ابن ألمي). وأما أبوه فدعاه بنيامين. وماتت راحيل ودُفنت في طريق أفراتة التي هي بيت لحم. فنصب يعقوب عموداً على قبرها، وهو عمود قبر راحيل إلى اليوم." (التكوين 35: 16-20). ومع ميلاد بنيامين أصغر وآخر أولاد يعقوب يغدو بنو يعقوب، أو إسرائيل كما دعاه الرب، اثنا عشر.
"ثم رحل إسرائيل ونصب خيمته وراء مجدل عِدْر. وحدث إذ كان إسرائيل ساكناً في تلك الأرض أن رأُوبين ذهب واضطجع مع بلهة سَرِيَّة أبيه، وسمع إسرائيل." (التكوين 35: 21-22).
وهكذا ودون أي تعليق من المحرر يمر خبر المضاجعة بين رأُوبين الابن البكر وبلهة جارية يعقوب التي ولدت له دان ونفتالي الأخوين غير الشقيقين لرأُوبين. ثم ينتقل المحرر إلى تعداد أسماء أولاد يعقوب وأسماء أمهاتهم. (التكوين 35: 22-25).


"وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا قرية أربع التي هي حبرون حيث تغرَّب إبراهيم وإسحاق. وكانت أيام إسحاق مئة وثمانين سنة. فأسلم إسحاق روحه ومات وانضم إلى قومه شيخاً وشبعانَ أياماً. ودفنه عيسو ويعقوب ابنه." (التكوين 35: 27-29).
يستمر هنا الاضطراب الذي ميّز النص في قصة يعقوب. فقد غادر يعقوب أباه وهو على فراش الموت وقد كلَّ بصره فلا يستطيع التمييز بين ولديه إلا باللمس. وبعد نحو خمسة وعشرين سنة نراه ما زال حياً ولا يسلم الروح إلا بعد عودة يعقوب من آرام النهرين وتجواله مدة لا بأس بها في كنعان. ويستمر هذا الاضطراب في الأخبار عندما نجد أن عيسو الذي كان مقيماً في سعير بمنطقة آدوم (راجع الإصحاح 32: 2) ما زال مقيماً مع أبيه، وهو لم يغير موطنه ويتوجه للإقامة في سعير إلا بعد عودة أخيه:
"ثم أخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وجميع نفوس بيته ومواشيه… ومضى إلى أرض أخرى من وجه يعقوب أخيه لأن أملاكهما كانت كثيرة على السكنى معاً ولم تستطع أرض غربتهما أن تحملهما من أجل مواشيهما. فسكن عيسو في جبل سعير. وعيسو هو آدوم." (التكوين 36: 6-8). وقد تزوج عيسو من ثلاث نسوة، وكان له منهن ومن أولادهن أولاداً شكلوا قبائل آدوم، بينهم قبيلتان سوف يتكرر ذكرهما في الكتاب وهما تيمان وعماليق. وأهل هذه القبائل هم من الذخيرة السكانية العربية.
مع افتراق الأخوين تنتهي سلسلة قصص الآباء التي هدفت إلى رسم خارطة إثنية لفلسطين وجوارها، يشكل خط نسب إبراهيم من نوح إلى الأسباط محورها الرئيسي، وعلى جانبيه الخطوط الفرعية التي تم استبعادها من الوعد، وفق المخطط الذي نوضحه أدناه:






عن موقع الأوان


















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow