Alef Logo
يوميات
              

وقعتُ و انجرحتُ

مديحة المرهش

خاص ألف

2011-02-27

كلّما اشتكى الأهل بأن أولادهم يعانون من عسر في الفهم و هضم المعلومات المدرسية و سوء معاملة المعلمة لهم و ثقل الواجبات المفروضة , و أنهم يعانون الأمرين في المنزل من جرّاء متابعة كل ذلك , وأن أغلبهم إن لم نقل جميعهم يساعدون أولادهم بأنفسهم أو يعينون معلمين خصوصيين لمتابعتهم أرى أنه إضافة إلى تشتت التلميذ , و تعلقه بكثير من المستجدات التقنية - الحضارية التي تدخل حياته كل يوم و بتسارع كبير , يقع اللوم على المدرسة و على أغلب المعلمين الذين لم يعودوا مهتمين بنفس القدر حينما كنا صغاراً لا تربوياً و لا تعليمياً , و أسوق هنا حوادث صغيرة صارت معي و أنا تلميذة في الصف السادس الابتدائي , و على الرغم من ضآلتها في أعين بعضهم غيّرت كثيراً في مجرى حياتي و نظرتي للناس و أسلوب كتابتي , والذي نقلته إلى كل الذين أحبهم من أصدقائي و معارفي و طلابي صغاراً و كباراً .
بسبب انتقال وظيفة وا لدي إلى دمشق سُجّلنا أنا و إخوتي جميعاً في المدارس , وكنا في الأشهر القليلة الأولى نعاني من تغير اللهجة رغم أن جدنا والد أمي شامي بحت ولكن اللهجة الفراتية هي التي كنا نتحدث بها .
و كوني تلميذة جديدة و أتحدث بلهجة مختلفة انصب اهتمام معلمتي علي و صرت محطّ أنظار زميلاتي الصغيرات .
مرّة كنت ألعب و أركض فوقعتُ , جُرحت ركبتي و سال الدم منها فخفتُ و صرتٌ أبكي , أسرعت زميلتي و نادت معلمة صفنا التي جاءت مسرعة كملاك منقذ , رفعتني عن الأرض بكل رقة و لطف شديدين وسألتني باهتمام : مابك حبيبتي ؟ ماذا حصل ؟ هل دفعك أحد ؟ قلتُ فوراً : لا .. لا .. أنا وقعتُ و انجرحتُ . و هنا ضحكت زميلاتي الصغيرات اللواتي تحلّقن فوق راسي , و عرفت فوراً أن لهجتي هي السبب . عقّمت المعلمة جرحي و لفّت ركبتي بالشاش الأبيض وأنا في غاية السعادة بهذا الإهتمام وكلمة (
حبيبتي ) التي أغدقتها علي والتي استعملتُها منذ ذلك اليوم مخاطبة بها كل من حولي .
و لما دخلنا الصف لم توبخ أياً من زميلاتي بل جعلتني أكرر الجملة التي قلتها لها في الباحة , و كتبتها على السبورة وبدأت تعرب باهتمام بالغ , ثم توجهت إلى كل التلميذات وقالت : هل رأيتن يا بنات إن زميلتكن الجديدة تتكلم الفصحى !!
بعد تلك الحادثة حاولت أن اكون ضمن التلميذات الأوائل لأن المنافسة على المرتبة الأولى كانت شبه مستحيلة في صف هذه المعلمة بالذات . و فعلاً صارت كل علاماتي تامة حتى في مادة الحساب التي أكرهها ماعدا الإملاء , كانت تنقصني فيها علامة أو علامتان و أنا التي كنت مميزة في صفي بكتابتي لمواضيع التعبير الجيدة والتي كانت تُسمى الإنشاء في ذلك الوقت , و بقراءتي المتمكنة .
لاحظت معلمتي أن نفس الأخطاء تتكرر معي باستمرار وفي كل المرات و ليس غيرها , فمثلاً أكتب - نذهب - نزهب كما تلفظها و - ذبابة - زبابة و - ظبية - زبية أما كلمة مثل - ضفدع - فأكتبها إما دفدع أو ظفدع , وكانت كل أخطائي تلك نتيجة اختلاف اللهجتين الشامية و الفراتية .
لا أنسى يومها كيف أجلستني قربها أنا وبعض زميلاتي و شرحت لكل واحدة على حدة أخطاءها . و وشوشت لي دون أن ينتبه أحد بأن أخطائي لم تكن نتيجة ضعف أو كسل , وهذا ما جعلني أطير من الفرح و أحس بالاعتزاز في نفسي .
وسأروي حادثة صغيرة كنت طرفاً فيها فقط للمقارنة :
منذ سنوات كنا في فترة امتحانات وكنا نسلّم الأوراق للموجهات بعد تصحيحها و فتح الأسماء , دخلت مدرسة وسلمت أوراقها و قالت إنها وضعت علامة صفر لتلميذة في الصف الأول الإعدادي و ّذكرت اسمها , لم تكن من تلميذاتي لكنني عرفتها فقد كانت فتاة ذكية لمّاحة تقف أثناء تحية العلم و كأنها أهم شخص في المدرسة ودائماً كنوا ينادون اسمها لمخالفة ما أو لتنبيه ما . استغربت أن تحصل تلميذة مثلها ب - صفر- بدل أن تأخذ علامة تامة . اقتربت من الموجهة وطلبت منها ورقة التلميذة المذكورة , حينما تفحصتها لم أجد في ورقتها ولا حرفاً على الإطلاق بل خطوطاً متعرجة و متقطعة , اقتربت من المدرسة وقلت لها : هذه التلميذة لاتعرف الكتابة ! ولا تعرف حتى الحروف !
قالت و بكل تأكيد : لا حبيبتي بتعرف و نص بس هي مشغولة بالعفرتة و النطوطة بدها حدا يكسر راسها و ايديها , وكيف ما بتعرف الأحرف شوفيها كاتبة اسمها هون , و فتحت لي الزاوية المخصصة لكتابة الإسم . لم أقتنع , في حصة الفراغ التي كانت في جدول حضوري طلبت الإذن من المديرة في اليوم التالي لتصفح أوراق تلك التلميذة , و وتماماً مثلما توقعت كانت كل الأوراق تحتوي على نفس الخطوط والخربشات التي كانت تملأ بها أوراقها ولكنها تكتب اسمها وكنيتها بشكل صحيح . طلبت من المديرة أن تستدعيها لنعرف القصة , و لما حضرت التلميذة عرفنا أنها لاتعرف ولا أي حرف من اللغة العربية و أنها ترسم اسمها رسماً , ولم يلاحظ أحد كيف وصلت إلى هنا وهي أميّة تماماً , وجميع معلميها يحسبون أنها عفريتة و كسلانة ولكنها بحقيقة الأمر كانت تحاول دائماً أن تُخفي أميّتها حتى لا تحس بالخجل و الإهانة . عرفنا أيضاً ان جو عائلتها كان مفككاً ولم يكن هناك من أحد لينتبه لذلك الخلل الفظيع الذي كانت تعاني منه .
ألا تستغربون مثلي كيف أمضت تلك التلميذة سبع سنوات من عمرها على مقاعد الدراسة و هي تتظاهر بالمعرفة ولم تلاحظها أي معلمة ممن درسنها و كان من الممكن أن تبقى هكذا لو لا الصدفة المحضة , بينما معلمة مثل التي تلقفتني و أرتني أخطائي وجعلت لحياتي معنى أخر . وأذكر أننا لم نقدم لها و لو هدية صغيرة عرفاناً بما تفعله من أجلنا إلا باقات الزهور و الورود التي كنا نجلبها لها في الربيع من حدائق بيوتنا أو نقطفها من الأغصان المتدلية على جوانب الطرقات المؤدية إلى المدرسة و التي لاأذكر أنني رأيتها ولو لمرة واحدة تأخذها إلى منزلها بل كانت ترسلها في نهاية الدوام إلى غرفة الإدارة !!

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

برقيات شعرية

18-تشرين الثاني-2017

قصيدتان

21-تشرين الأول-2017

الطريق إليك سكران

07-تشرين الأول-2017

أحرّك تائي الساكنة

08-تموز-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow