Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الأشباح / قصة : إدويغ دانتيكات / ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2011-02-08

Edwidge Danticat

كان باسكال دورين يعيش في بيل إير ، بغداد في هاييتي ، كما يقول بعض الناس ، و لكن هذا يدل على مدينة بينديو ، و هي منطقة مجاورة أكثر خشونة و توحشا ، حيث أن مئات من أطفال المدارس المشاركين في مسابقة خاصة بالفن الوطني يرسمون بنادق إم 16 و جثثا بلا رؤوس ، و يكتبون أشياء من قبيل " ليس من أصول اللياقة أن تطلق النار على مواكب الجنازات " و " أنا سعيد لأنني سلمت أسلحتي. ماذا عنك أنت ؟". كانت بيل إير في الواقع عبارة عن مخيم متوسط البؤس. و فيها عدد قليل من الكنائس البروتستنانتية و الكاثوليكية ، و معابد الفودو ، و المطاعم ، و المخابز ، و مراكز الغسيل بالبخار ، و حتى مقاهي الإنترنيت.
و لفترة من الوقت ، لم تشتبك العصابات هناك بالنزاع المسلح ، ببساطة لأنه لا توجد غير عصابة واحدة مقرها في مستودع فارغ و واسع ، نقشت عليه صور مرسومة تمثل الأفاعي و الأسود و الماعز و هالي سيلاسي و بوب مارلي. كان يسكن في المستودع حوالي دزينتين من الشباب و هم يطلقون على المكان اسم باز بينين ، و السبب لا يعرفه غير الشخص الوحيد الذي كان يعيش مع بداية هذا الاسم. و هذا الشخص ، باي ، قتل عندما أطلقت القوات الخاصة ذات ليلة عدة رصاصات على مؤخرة رأسه و هو يستلقي في الفراش.
كان إطلاق النار للثأر من سلسلة من حوادث الاختطاف الشرسة ، و التي تورط في بعضها شباب باز بينين دون أن تكون لهم علاقة ببعضها الآخر. ( أطلق رجال باز بينين على أنفسهم أسماء ملكية نوبية ، و هذا قد يعني ، باللغة الكريولية ، أشياء خطيرة – على سبيل المثال ، باي يعني " أن تسرق " ).
كان لدى أهل باسكال حوانيت و مطاعم في بيل إير. و كانت لديهم باحة كبيرة بالمقارنة مع باحات جيرانهم الضيقة و المزدحمة ، و لذلك أغلقوها بصفائح متوازية من المعدن الصدئ. و هناك ، وضعوا مناضد من الخشب ، تحت شريط تتدلى منه مصابيح النور ، و كان الشريط يعلق أمام نوافذ ضيقة من الطابق الثاني للمبنى ، و على هذه المناضد كانت تقدم الخدمة لثلاثين زبونا في الليلة الواحدة ، لو أن الدخل مناسب. كانوا يبيعون الرز و الفاصولياء ، طبعا ، مع الخضار المقلية و الذرة المطبوخة ، و لكن الطبق الخاص ، و لفترة طويلة من الزمن ، كان من لحوم الحمام المقلي.
انتقل أهل باسكال إلى بيل إير حينما كان الجوار مسكونا على الأغلب بالفلاحين ، و عاشوا هناك مؤقتا ليتمكن ولداهما من الانتهاء من المدرسة الإبتدائية. و لكن مع تلاشي الأشجار من المنطقة لاستخدامها في التدفئة ، و مع تقهقر الجبال ، و دخول اليابسة في البحر ، كما حصل في مناطق أخرى ، استمروا بالبقاء هناك لتربية إبنيهما مع آلاف الحمامات على الأقل ، و التي وفرت خلال سنوات متتالية ، لهم مصدرا للتجارة ، فكانوا يبيعونها حية أو ميتة.
كان والد باسكال يكاثر الحمام منذ يفاعته في ليوجان. و توقف عن ذلك قليلا في بواكير ثمانيناته ، عندما جاء الجنود و صادروا طيوره بسبب شائعة متداولة مفادها أنه يربي الحمام الناقل للرسائل ، و التي يرسلها إلى غزاة مسلحين هم في جمهورية الدومينيكان. و لكن بعد انهيار الدكتاتورية أخيرا – من غير أي دور لحماماته – عاد إلى عمله مجددا.
و لذلك إن معظم زبائنه كانوا من الشباب العصبيين الذين يرغبون بأداء طقوس قبل إقامة أول علاقة جنسية لهم : كانوا يذبحون بلعوم الحمامة و يسمحون لها بالنزيف في كوب يحتوي على مزيج من الحليب المكثف و الجعة الغازية الخفيفة و التي تدعى مالتا. و أحيانا كان آباؤهم يقدمون لهم يد العون ، و بعد أن يضغط الأبناء على أنوفهم ليتمكنوا من ابتلاع المشروب ، يضحك الآباء و يقولون ، و هم ينظرون إلى الحمامة المقطوعة الرأس و التي تتقلب على الأرض : " كم نشفق على تلك الفتاة ".
لقد كان ذلك طقسا لم يقر به والدا باسكال. و لكن قبالة كل طائر يذبح بهذه الطريقة كانوا يتلقون ما يكفي من النقود لشراء المزيد. لقد ناحوا بصمت على أليام التي كان يشتري فيها الناس الحمامات كحيوانات أليفة من أجل أبنائهم.
ثم بدأوا يفتقدون لتلك لأيام الأبناء و الآباء ، لأنه فجأة جاء إليهم زبائن كانوا من الشباب البدين الذين تجمهوا في ما سمي أولا " الجبهات الشعبية " ، ثم العصابات. كان أعضاء العصابات ، الذين أطلق عليهم اسم القمصان – أو الغرباء أو الماعز ، لمعظم الوقت ، من أطفال الشوارع سابقا الذين لا يتذكرون أبدا أنهم عاشوا في بيت ، صبيان مات آباؤهم أو قتلوا خلال الفترة الديكتاتورية ، و قد تركوهم وراءهم وحيدين و في مناطق خارجة على القانون أو في مدن مزدحمة.
فيما بعد ، انضم إلى هؤلاء الشباب المنفيين من الولايات المتحدة و كندا و بعض المسنين من الجوار ، و حفنة من موسيقيي الراب الطموحين. و قد اتصل الرجال المحليون المسنون مع بعضهم – و استغل ذلك رجال الأعمال المغامرون و السياسيون من أجل إلهاب حرارة المظاهرات السياسية ، و قدموا لهم البنادق لإطلاق النار كلما احتاجوا لصناعة أزمة ، و كانوا يسحبونهم كلما تطلب الأمر قليل من الهدوء. و أحيانا ، قبل هذه المظاهرات ، كان يأتي عدد غفير من الرجال للحصول على مزيج الحليب – و المالتا المخلوط بدم الحمام و هو شيء كان أهل باسكال قد أزمعوا على إيقافه نهائيا.
بهذه الطريقة تحول بيت هذه الأسرة بباحته إلى مكان تعذب و تذبح فيه الطيور الأليفة ؟. و أخيرا ، أطلقوا سراح آخر حمامتين بحوزتهم. و لفترة من الوقت ، واصلت الحمامتان على العودة إلى العش ، ثم وصلت يد أحد الجيران إليهما ، و لم يعد بإمكان والدي باسكال رؤية آخر زوج حمام لديهما.
ثم بالمال الذي حصلوا عليه من الطيور ، تمكن والدا باسكال من توسيع العمل. اشتريا البيت المجاور و أضافا عدة مناضد أخرى. و اشترى والد باسكال شاحنة ، كان يقودها بين ليوجان و بورت برينس يوميا ، و هي مزدحمة بالشعب و الماشية. و كان يقف دائما في المطعم ، و لا سيما في مواسم الزحام ، منذ السابعة صباحا و حتى منتصف الليل. و في تلك الفترة عندما تخلت العصابات عن السياسة للعمل بتجارة المخدرات ، عمدوا إلى احتلال المكان كله. و إن مراقبة هؤلاء الأولاد الذين كانوا يتحولون من الاتجار بالمخدرات إلى الإدمان عليها ، و هو ما كانوا يسمونه " مسحوق الرجل الأبيض " ، مراقبتهم و هم يتوسعون و يدخلون في عالم مجهول لا يعرفه غيرهم ، تحجر قلب والدي باسكال و أصابهما القرف ، غير أنهما احتفظا بالمطعم مفتوحا ، لأنهما كما أقرا في عدة حالات ، إن الكارثة التي أفسدت البيوت المجاورة و هي فيما مضى بمثابة جنة للفقراء ، هو الذي سمح لهم بالثراء ، و إرسال ولديهما إلى المدرسة مع أبناء الطبقة المتوسطة قليلة العدد. و مع أنهما لم يتمكنا من توفير الكماليات – العطلة في منتجعات جاكميل و لابادي ، أو إجازة صيفية قصيرة في الخارج عند أقرباء مهاجرين ، و لكن ولديهما تمكنا من إنشاء علاقات سوف تساعدهما ذات يوم في الحصول على عمل جيد ثم الهجرة. و من أجل أن يغادر ولداهما ذات يوم دون النظر إلى الخلف ، توجب على آل دورين البقاء.
و قد حقق جول ، الأخ الشقيق الأكبر لباسكال ، هذا الوعد. لفترة طويلة من الوقت ، كان يتواعد مع بنت كان والداها في مونتريال. و قد أعلنت البنت أنه ما أن تنتهي من الفيزا سوف تقترن بجول ، و هكذا يصبح بوسعها أن تدعوه إلى كندا بعد الوصول إليها.
و في هذا الوقت ، تبدلت الحكومة ، و بدأت الأمم المتحدة في تدريب قوة جديدة من الشرطة. و هنا رأى جول أن ينضم لهم ، مع أنه كان ضعيف البنية – يبلغ طوله بالكاد خمسة أقدام ، و له رأس كبير غير متناسق ، و هذه صفة عائلية دائمة منها حصل على لقبه تيت فيريتاب - رأس عجينة الفاكهة. و لكن تبين لجول أنه لن يكون رجل شرطة و لن يعيش مع باسكال في غرفة واحدة فوق مطعم والديه في بيل إير.
و في كل مرة كان عضو من العصابات في الجوار يلقى عليه القبض ، كان يلقى اللوم على جول. و لذلك انتقل إلى بيت خالة و خال صديقته لعدة شهور ، ثم اقترن بها ، و غادر البلاد. و طبعا استمر باسكال في البقاء ، و برحيل جول لم يتبق أحد لينغص عليه او على والديه.
كان باسكال في الوقت الذي لا يمد فيه يد العون في المطعم أو لا يذهب إلى حصص برمجة الكومبيوتر في المدرسة الصيفية ، يعمل بصفة كاتب لراديو زوري في محطة مشهورة إقليميا. و لأنه كبر في بيل إير فقد عاصر التبدلات هناك أولا بأول ، و تخيل باسكال نفسه بصورة مراسل إذاعي بمقدوره أن ياحدث عن الغيتو من الداخل. و قد خطرت له هذه الفكرة ذات ليلة و هو يسير من غرفة المطبخ الإسمنتية التي بناها والداه بجوار الشارع ، و ذلك لإغواء الزبائن من عابري السبيل بالرائحة المشهية ، و ذلك نحو الطاولة التي كان تاير ( " أن تقتل " ) زعيم عصابة ، يجلس بذراعه الواحدة و برأسه الأصلع ، و يحضن كوب الجعة و يدخن السيجار العملاق. كان تاير يضع ذراعه الصناعية البلاستيكية تحت قميص أبيض بكم طويل و هو يرفع و يخفض كوب البيرة بطريقة محترف بواسطة القبضة المعدنية ذات الخطاف.
و كان تاير المحاط بثلاثة ضباط متحمسين يضحك بقوة و يتذكر كيف ضرب رجلا ذات مرة ، في الماضي عندما كانت له ذراعان ، و قد وضع رأس الرجل بين كلتا يديه كشطيرة ليضغط على أذنيه ، حتى اضطر إلى مسح الدموع من عينيه. كان باسكال الذي يسترق السمع قد تمنى لو لديه كاميرا فيديو ، أو على الأقل مسجلة. كان يرغب لو سمع بقية سكان البلاد لماذا الرجال يبكون.
لا يمكن لهم أن يكونوا تافهين إلى الأبد، هذا ما تبادر إلى ذهنه. و لو توفرت له الفرصة سيكون برنامجه في راديو زوري بعنوان " الأشباح ". سيلقى الإهمال في البداية ، و لكن سرعان ما سيستمع له الناس بالآلاف. و إن شكلا من أشكال التلصص و الفضول المرضي سيدفعهم إلى الإصغاء يوميا ، أسبوعا بعد أسبوع ، شهرا بعد شهر ، و في كل الأحوال سوف يستمر ذلك. و سوف يعيد باسكال ترتيب نظام حياته. و لن يتوقفوا عن مناقشة المواضيع التي يقترحها . سوف يتساءلون : " علام ينوي سكان المخيمات الآن ؟". ثم سوف يشجعون على تكهنات حول أفضل السبل لإثارة هذه المواضيع. و سوف يستضيف البرنامج محللين نفسيين و علماء اجتماع و مهندسين مدنيين.
و كم أحب ماكس صديق باسكال فكرة البرنامج. كان ماكس صبيا من الطبقة المتوسطة و لكنه يعيش في منطقة مختلفة بالجوار ، منطقة لها وضع وسطي بين الإبهار و خيبة الأمل. لم يكن ماكس غنيا، مثل معظم الأولاد الذين تعلمهم أمه في الليسيه دوماس ، بين التلال المشرفة على بورت - أو – برينس ، و لكنه أيضا لم يكن فقيرا تماما مثل باسكال. و يمكن أن تكتشف ذلك من القرط الذهبي الذي يضعه دائما في أذنه اليمنى.
بدأ ماكس مع المحطة كمذيع موسيقي لفترة المساء ،، حينما كانت موسيقا كريول راب – و هي هيب هوب خاصة بالمخيمات – قد بدأت بالانتشار و الدخول على خط الإذاعة. و أحيانا ، كان باسكال يمرر لماكس قرصا مضغوطا من أقراص باز بينين ، موسيقا الراب الصاعدة ، و كان ماكس يبثها في الساعات الطويلة من برنامجه الموسيقي.
قال ماكس : " أنا أشاطرك الشعور بكل شيء تقوله ، و لكن الإدارة لا تقبل به". كان يحافظ على صحبة باسكال بينما باسكال يترجم له أخبار اليوم بشكل حوار كريولي حتى يتمكن المذيع من قراءتها.
" و من سيمول برنامجا من هذا النوع ؟".
قال باسكال : " يجب على الحكومة أن تموله ، فأنا أقدم خدمة عامة ".
و لكن مثلما توقع أصدقاؤه ، رفضه مدير المطة. و بعد عدة أسابيع ، بينما كان باسكال يطبع مسودة أخبار ذلك اليوم ، سمع خلسة مدير الأخبار ، رجل قوي كانت له علاقة مع الشرطة ، و هو يناقش برنامجا يدعى " هومي أ هومي " أو " رجل لرجل " . و كان البرنامج يتألف من سلسلة من حوارات بين رجال العصابات و رجال الأعمال و تدور داخل الأستوديو. سمع مدير الأخبار يقول : " سوف يتغلبون على خلافاتهم. بمعونة من رجل له دراية باللقاءات ".
و في أول حلقة تقابل صاحب معمل ثلج كان يتعرض للنهب و السلب مرة في الأسبوع على ألأقل خلال الأشهر الست الماضية ، مع زعيم عصابة من سيتي بيندو الذي يعتقد أنه من يهخطط للـ " غارات".
قال زعيم العصابة لرجل الأعمال : " ماذا تتوقع ؟. أنت تنعم بالجو اللطيف بين جبال الجليد و نحن نحترق في لهيب جهنم".
المذيع ، و هو أمريكي من هاييتي و دربته وكالة الإستخبارات الفدرالية على إدارة أزمات الإختطاف ، اقترح الحل الناجع – قال زعيم العصابة لرجل الأعمال :
" ماذا تتوقع ؟. أنت تنعم بالجو اللطيف بين جبال الجليد و نحن نحترق في لهيب جهنم".
المذيع ، و هو أمريكي من هاييتي و دربته وكالة الإستخبارات الفدرالية
على إدارة أزمات الإختطاف ، اقترح الحل الناجع –
على رجل الأعمال أن يجد طريقة أفضل لبيع الثلج .
على رجل الأعمال أن يجد طريقة أفضل لبيع الثلج و بأسعار مخفضة ليتمكن الناس الذين يعيشون قرب المعمل من الشراء ، و على زعيم العصابة أن يحترم أملاك الغير.
لم يكن باسكال في المحطة خلال التسجيل ، و لكنه سمع جزءا من البرنامج من الراديو في المنزل. و لم يتمكن من الاستماع للتفاصيل كلها لأنه كان يعمل في المطعم في تلك الليلة و كان التعليق على ضيفي برنامج " رجل لرجل " من قبل تاير و طاقمه مرتفعا. كان معظم رجال العصابات يعلمون شيئا عن خطة باسكال - لقد اقترب بحذر من بعض الضيوف المحتملين لبرنامجه – و بينما هو يقدم لهم الجعة ، كانوا يضايقونه ، و يقولون : " أيهت الرجل لقد سرقوا منك أفكارك ". و حاول قلة منهم أن يقبضوا على ذراعه و هو يضع القوارير على الطاولات ، كما لو أنهم يحاولون ضغط الغضب الذي و لا شك كان يتراكم في داخله. و كلما سخروا منه أكثر ، كلما ازداد حنقه. كانوا يلاحظون ذلك من طبقة العرق التي تتراكم على وجهه. و كان تاير يضحك حينما قال : " يا أخي باسكال ، لم أحب الطريقة التي أخبرنا فيها المذيع أن على رجلنا في سيتي بوندو أن يترك الثلج دون مشاكل. يجب أن أبحث عنه و أصفع قفاه".
و قال أحد الضباط بصوت هامس : " هذا صحيح ".
و أضاف آخر : " يا باسكال ، يجب أن ترفس مؤخرة اللرجل الذي سرق منك فكرة البرنامجح ".
و هنا رن موبايل باسكال. كان هذا من ماكس.
قال ماكس : " آه يا رجل ، لقد سرق ذلك الشاب منك فكرتك ، و هل تعلم أنه حينما حاولت أن أتصل به طردني من العمل؟".
و رد باسكال يقول : " لم يتوجب عليك أن تقول شيئا. و الآن بعد ضياع عملك ربما سأفقد أنا عملي أيضا".
كان تاير و أتباعه يغنون قائلين : " يجب علينا أن نرفس مؤخرته".
بينكا كان باسكال يمرر صينية فارغة لأبيه المرهق ، الذي كان يضع آخر وجبة مسائية لنفسه في طبق ، و سيجارة تتدلى من بين شفتيه ، قال لماكس : " الحقيقة أنني ألغيت الفكرة من ذهني. رجل لرجل ليس هو البرنامج الذي أفكربه. أفكر بشيء آخر أقرب إلى الحقيقة ، شيء شخصي و عميق".
و بعد أن أقفل الهاتف ، انتظر باسكال من أجل تاير و أتباعه حتى وقت الانصراف. كانت أمه و بنات الجيران اللواتي تعملن لقاء أجر يغسلن الأطباق القذرة. و سأل هل هن بحاجة للمساعدة ، فرفضن ذلك. كان وجه أمه العنيد ، أشد سوادا من قفا القدر المحترق الذي تنظفه ، هذا شيء لا يتغير أبدا. كما لو أن حرارة المطبخ قد انصهرت و غلفته. و لو أنها لم تعمل لباقي حياتها ابدا ، إن الجمال الذي كانت تتصف به لدى أول لقاء لها مع أبيه لن يعود أبدا.
في تلك الليلة ، أقنع أمه أن تذهب لتنام بوقت أبكر قليلا من المألوف، قبل أن يأوي هو إلى فراشه. و في غرفته ، حيث يوجد سريران متقابلان و هما بجوار جدارين قام هو و شقيقه بتلوينهما بصباغ أحمر قرمزي ، شعر بغياب جول يضغط على صدره. لو أنه صغير ، ربما لشرع بالبكاء ، مثلما يفعل الأولاد لغياب أمهاتهم.
كانت المغادرة بالنسبة لجول أيسر مما اعتقد أي شخص. لأن أفراد العصابات وجهوا له التهديد حينما كان في سلك الشرطة ، فقد طلب اللجوء إلى كندا لابمجرد وصول زوجته أوراق زوجته. و الآن يعيش جول في مونتريال بينما باسكال يعيش منفردا في هذه الغرفة المضحكة الحمراء ، ثيابه تتدلى من مسامير دقها بالمطارق هو و أخوه في الجدران. كان جول يتصل مرة في الأسبوع ، في أمسيات الأحد ، مع أنه من اليسير عليه أن يتصل ببساطة لعدد أكبر من المرات. لدى باسكال و والديه الآن أجهزة خليوي ،
و هم يحتفظون بها مشحونة و معبأة بالدقائق الجاهزة للإستخدام ، بانتظار مكالمته. و أحيانا ، عندما تكون أمه تكش البخار الناجم عن الطهي تطلق آهة كبيرة قبل أن تقول : " أتساءل ماذا يصنع جول الآن ".
و الحقيقة أن باسكال كان دائما يتساءل ماذا يصنع جول. و حتى أنه كان يفكر أن يطلب من جول التفكير بطريقة يدعوه بها إليه. و خطر له : لو رحل سوف يتخلى أبواه عن المطعم و يعوان أدراجهما إلى ليوجان ، حيث بمقدورهما تربية و إكثار الحمام مجددا : إطلاق الحمام في الفضاء صباحا و مراقبة عودتها بسلام عند الغروب.
ذهب باسكال إلى الفراش و هذه الأفكار كلها تدور في رأسه ، و كما يرى أنها تحركت من جراء خيبة أمله من البرنامج. و الآن من الأصعب عليه أن يقدم الفكرة لمحطة إذاعية أخرى.
المنظم سوف يقول له : " و لكن رجل لرجل على الهواء حاليا. و نحن لا نرغب بمنح رجال العصابات منصات كثيرة ليظهروا عليها". و سقط في النوم و هو يفطر بسبيل لإعادة ترتيب أفكاره ، و تلميعها قليلا. ربما يضيف إليها الموسيقى. و يمكن لماكس أن يساعده في ذلك. و يمكن أن تركز المعزوفات على أصوات تنبض ، أصوات فجائية ، هيب هوب متأثرة بموسيقا الريغا ، و بين الأغاني سوف يسمح لمن بجواره بالتعليق و الكلام. و في اليوم التالي و هو يغط بنومه اقتحم بوابة بيت والديه دزينمة من رجال الشرطة المقنعين ، و هم من فرقة القوات الخاصة ، ثم صعدوا إلى غرفته ، و وضعوا العصابة على عينيه ، و جروه من فراشه. و لم يسمح له بتبديل بيجامته ، حتى بعد عويل أمه التلقائي و صياح والده قائلا إن هذا انتهاك فاضح للعدالة.
و في لحظة وصوله إلى اقرب قوميسارية ، كان بانتظاره جمع من الصحافيين و المذيعين الذين يعملون في الإذاعة و التلفزيون. و هنا تدخلت متكلمة باسم الشرطة ، و هي امرأة بصوت ثاقب ، و أوضحت إنه في الليلة السابقة حصل تبادل إطلاق نار في راديو زوري. و شوهد أربعة رجال يحملون بنادق إم 16 و رششاشات يقفزون من مؤخرة شاحنة. و قد أطلقوا النار على بوابات و نوافذ المبنى بطوابقه الثلاث. و قتلوا الحارس الليلي . و تمكن رجال الشرطة من إلقاء القبض على تاير و هو زعيم عصابة باز بينين المعروفة بشرزرها ، و سمى باسكال باعتبار أنه المخطط للعملية ، الشخص الذي أرسله مع رجاله لهذه المهمة. و لم يسمح لباسكال بالكلام في المؤتمر الصحفي. و أجبر ببساطة على الوقوف هناك ، مثل خطر داهم ، و كان محاطا بفريق القوات الخاصة المقنع ، و يداه الموثقتان بالحديد خلف ظهره. كانت الغرفة المغلقة التي اقتيد إليها للاستجواب حارة ، مع رائحة كريهة انتشرت في الفضاء بسبب قيء سابق. و بالإضافة للكرسي المعدنية التي لحق بها الصدأ و التي جلس عليها ، و يداه موثقتان بالقيود ، هناك ضوء فلوريسينت كانت إشعاعاته المتأرجحة تخترق العصابة السوةداء التي تغطي عينيه.
و خلال الاستجواب ، تلقى لكمات على رقبته من الخلف ، و سأله أحد المحققين : " هل تعرف تاير ؟". و جر نفسا طويلا من سيجارته ثم نفخ الدخان بوجهه.
رد باسكال يقول : " نعم " . و سعل ، كان يبدو كأن رئتيه على وشك الانغلاق. هذا الاختناق أجبره على لفظ جزء من عشاء الأمس فوق القسم العلوي من البيجاما ، و عندما سمح له بثني رقبته ، سقط على حضنه أيضا.
و استمر الاستجواب. " كيف تعرفت على تاير ؟".
قال بصوت متلعثم : " إنه يعيش في الجوار و غالبا يتناول الطعام في مطعم والدي".
" أنت رجل كبير ، آه ؟. و لوالديك مطعم في المخيمات. أشعر بالجوع الآن. أطعمني . هيا".
و ضحك الضباط كما لو أنهم يفهقون أو يتنهدون. و بالنسبة لسمعه لم يكن هناك فارق بين ضحكاتهم ، و صخبهم ، و ثرثرة تاير و طاقمه. يمكن لهم جميعا تبديل المواقع ، و لن يلاحظ أحد الفرق.
شخص آخر سأله : " كم دفعت لفريق باز بينين لإطلاق النار على المحطة؟".
" لا شيء....أنا...".
" فعلوا ذلك طوعيا ، بالمجان ؟".
ثم ألقوا الماء المثلج على زجهه. و حاول في حالة هلع أن ينهض من الكرسي ، و لكن عدة أذرع ثبتته فوقه ، و بين الدخان و القيء و الماء شعر كما لو أنه يغرق.
و بعد الاستجواب ، ألأقي وحيدا في زنزانة خانقة. في ذلك المساء ، حضر ابوه و أمه لرؤيته. و سمح لهما بالركوع إلى جانبه على الأرض ، حيث كان يستلقي بوضعية الجنين ، و انتزعا العصابة من العينين.
" باسكال ، عزيزي ..". ناحت أمه بهدوء ، بينما كان والده يضع يده تحت إبطها كي لا تسقط ، و يده الأخرى تضغط بقوة و ثبات على ظهرها من الخلف.
سأله والده : " هل يمكن لك يا باسكال أن ترتكب هذه الحماقة ؟". كان صوته صارما ، كأنه يؤنب ابنه.
هز باسكال راسه. و كانت حنجرته تؤلمه ، و بوسعه أن يشعر بطعم القيء وز هو لا يزال يتحرك في فمه. كان والده ، كما يعتقد ، بحاجة لإنكار كي يتابع هذه المعركة.
و قال ليملأ الصمت : " لم يضربوني بوحشية. ليس حتى الآن. كما ترى لا يوجد دم على ثيابي".
رفعت أمه صدارة بيجامته البالية لتبحث عن جروح أو ندوب.
و قال والده : " أحضرنا لك محجامية لها ابن خال بين القضاة. و قالت إنها سوف تحرك الموضوع بسرعة".
قبل ذلك بعدة سنوات ، و في ظل الديكتاتورية ، أصيب والد باسكال بتشنج فيب وجهه – رجفة سريعة في عينيه و تقلص غير إرادي في زاوية فمه. و الآن تعاوده الكرة. لم يشاهد باسكال ذلك من فترة طويلة حتى أنه شرع بنسيانها.
و تابع والده يقول على الرغم من تقلص وجهه : " ربما يقودونك إلى المحكمة ، إلى المحكمة ، مساء اليوم. و ربما بعد ذلك تذهب إلى بينيتينسيير ، إلى السجن ، لعدة أيام ، حتى نتمكن من تخليصك".
و من مونتريال أخبر جول والديه بم يجب أن يفعلا و يقولا. و استدعى جول المحامية ، التي مثلت بنجاح عددا من زملائه من بين رجال الشرطة بعد اتهامات بالفساد ، و سدد نفقاتها من جيبه الخاص. و اتصل هاتفيا بعدد من أصدقائه و عدد من رؤسائه السابقين ، بمن فيهم سكرتير الدولة ، و الذي تداول معه لفترة قصيرة مسائل أمنية. ثم اتصل بجماعة تاير ، و أخبرهم أن تاير لم يستوعب الموضوع كما يجب و لا شك.
فباسكال لم يطلب منه أبدا إطلاق النار على محطة الإذاعة. و لو كان قصدهم إسداء خدمة له ، فقد فشلوا فيها.
كل شخص تمكن جول من الاتصال به ، بمن فيهم نائب تاير في رئاسة العصابة ، أخبره عليه أن يحتفظ بهدوئه. القضية المرفوعة ضد باسكال مجرد بخار رقيق. لا شيء سوف يبقى. و بعد ساعات سوف تنطفئ و تبرد.
و لكن كانت قضية باسكال تتقدم بسرعة. هذا كما يبدو. بعد أن غادر والداه ، حضرت قاضية برداء أسود طويل ، و أخبرته بالتهم المنسوبة له. و في وقت لاحق من تلك الأمسية ، سجلت تهم أخرى. و الآن لم يكتف الاتهام بالتخطيط لحادثة إطلاق النار على محطة الإذاعة ، و لكنه رجل كانت الشرطة تبحث عنه من فترة طويلة. و وجدوا فيه حجة لقائمة طويلة من الجرائم التي يعسر عليهم حلها.
و بسبب الإتهامات الإضافية ، طلبت المحامية المزيد من النقود. و قالت يجب التفكير بتقديم مبلغ للقاضية. مبلغ يقدر بعشرين ألف دولار. عملة أمريكية.
صاح جول على اهاتف من منونتريال : " هذا نتوع من الاختطاف". لم يتناول جول طعامه طوال اليوم ، بيأس ، كان يحاول أن يعاقب نفسه أيضات. كان يتوقع أن يتعفن أخوه في زنزانة مزدحمة في بينيتينسيير أو ببساطة أن يختفي من الوجود قبل أن يصل إلى هناك. كان والدا باسكال يتجهزان لبيع أملاكهما من أجل شراء الحرية لباسكال.
في تلك الأمسية ، باعتبار أنه أمضى وقت العشاء نائما في زنزانته ، و وجهه مضغوط على شق بارد فوق الأرض ، شاهد باسكال خطا من الأبواط اللماعة السوداء التي تسير بانتظام نحوه. و عصبت عيناه مجددا ، و ألقي به على مقعد أسود في سيارة جيب للشرطة.
الضابط الذي ألقى به هناك قال : " من يعلم ؟ ماذا سوف يقولون للناس؟".
و رد صوت آخر : " إنهم ارتكبوا خطأ ؟".
ثم ألقي به أمام المطعم والديه في حوالي الساعة العاشرة ليلا.
و تبين أن تاير عقد اتفاقية من نوع ما مع الشرطة من أجل إطلاق سراحه مع باسكال. و تناقلت الإشاعات فيما بعد أنه بعد رئاسة عصابة باز بينين ، جمع تاير معلومات خطيرة عن عقاقير ممنوعة و كانت بحوزة الجميع ، من أصغر شرطي في الشارع إلى أكبر قاض في المحاكم. و لو أن هذا صحيح أو غلط ، كانت الخلاصة أنه حصل على كم من التسجيلات ، أشرطة فيديو و أشرطة كاسيت و نسخ من عقود و كشوف مصرفية ، و كل ذلك يحتفظ به في بيت أقارب له بميامي.
و ليلة مقتله – أو الإدانة بجريمة القتل – كان من المفروض إرسال التسجيلات إلى محقق صحفي في ميامي هيرالد ، لينشرها كلها.
في وقت متأخر من تلك الليلة ، ضحك جول على الهاتف ، و قال : " يا رجل ، يجب أن تغادر الآن مع بابا ".
و لكن باسكال لم يكن متأكدا إلي أين تجب المغادرة. و تساءل أمام شقيقه بصوت مرتفع : " هل نعود إلى الريف؟. إلى التلال ؟. أم نأتي إليك؟".
تلك كانت كل الاحتمالات ، و لكن جول قال له : " هذه احتمالات ملحة ". ثم أضاف : " لا توجد مشكلة بمغادرة المكان على الإطلاق ".
استحم باسكال و أصبح نظيفا ، ثم استلقى على السرير و كان والداه حوله ، يقدمان له الماء و العصير و المطريات من أجل بشرته. كان الوقت قرابة منتصف الليل. و في تلك اليلة لم تطبخ الوالدة الطعام ، و مع ذلك لم يتوقف الزلبائن عن المجيء بحثا عن السجائر و المشروب و تقديم آيات تعاطفهم من أجل محنة باسكال و تهانيهم لإطلاق سراحه.
و عندما انتهى اتصال باسكال بالهاتف ، حضرت إحدى البنات من المطبخ لتقول إن السيد تاير في الأسفل و يرغب بلقائه.
فقال والده و التقلصات تعود إليه بطريقة معتدلة : " حسنا إذهبي أنت ".
و شعر والده بدافع من الواجب الضغط يتراكم في جسديهما مع مستوى متجدد من القلق. ماذا يريد تاير اآن ؟ هل يرغب بمبلغ من النقود؟.
في الباحة ، كان تاير و ضباطه قد جلسوا على الطاولات ، مع الشماريب التي قدمتها البنات.
قال الوالد : " لا حاجة للدفع الليلة".
كان معه الآن حفنة أخرى من الشباب لحمايته. و قد استمعوا باهتمام بالغ و هو يصف لهم ما مر به. كان يقول : " كنت أخشى أن يقتلوني. تعلمون كيف أخذوا بعض الشباب إلى اللغابة في تيتانيين و دفنوهم. كنت أخشى أن يتكرر هذا معي".
قال ذلك بعفوية ، تقريبا مثل التأكيد على واقع ، بنوع من النبرة المندهشة التي تعني لو حصل ذلك ، لن يكون شيئا مهما. و خطر لباكسال ربما بهذه الطريقة كان تاير و رفاقه يواجهون القدر. عبر الباحة بساقين مهزوزتين ، و هو يفكر إنه مر بهذه المحنة مثلهم. و ربما بهذا الأسلوب كان تاير يحاول أن يعلمه درسا و هو يفشي عنه للشرطة ثم يخلي سبيله.
و ذات يوم ، سوف يقتلون جميعا بالرصاص. مثلما حصل مع الحارس اليلي في راديو زوري ، و مثل من سبق تاير في مكتانه و هو باي. و تقريبا مثل كل رجل شاب عاش في هذه المخيبمات. و ذات يوم ربما يخطر لشخص ما ، شخص لا على التعيين و لكنه غاضب و قوي ، شخص مهووس و مريض – قائد شرطة أو زعيم عصابة ، قائد في المعارضة
أو قائد وطني – ذلك أنهم ، و كل من عاش مثلهم أو بجوارهم ، سوف يكون من الأجدى لهم لو ماتوا.
توقف باسكال عند طاولة تاير و مد يده له.
قال تاير و هو يدق بقبضته على صدره ، قرب القلب ، بشكل ترحيبي : " هل ذهب التحسس ؟".
و لاحظ باسكال ، و هذا ليس لأول مرة ، أن لثة تاير كانت حواء ناصعة ، كما لو أنه في حالة تاوث مستمر أو أنه التهم طعاما غير مطهو.
سأل تاير باسكال يقول : " هل أزعجوك ؟".
قال : " ليس كثيرا؟".
لم يكن تاير يضع يده الصناعية ، و كان كم قميصه الأصفر البراق متدليا. ثم بيده السليمة ، دفع الشاب الذي يجلس بعده ، لينهض ، و ليتمكن باسكال من الجلوس.
نظر باسكال مجددا إلى الفراغ حيث ذراع تاير المفقودة. و خطر له أنه يرى شيئا أبيض ، كما لو أن قطعة عظام مدهونة و ملمعة تتدلى هناك. قرب رأسه ليراها بتمعن ، و حاول جهده أن لا يفضح نفسه فيما يفعل.
و تقريبا كان كمن يتفحص جسده ، هل فقد شيئا منه.
في أحلامه ، تخيل باسكال أنه باشر في برنامجه الإذاعي بفقرة عن الأطراف المفقودة. ليس أطراف تاير و لكن أطراف الأشخاص الآخرين. و سوف يفتتحه بنقاش يدور حول أشخاص عديدين في بيل إير و الطريفة التي فقدوا بها أطرافهم. و بعد ذلك سوف ينتقل من الحديث عن الأطراف إلى الكلام عن الأرواح و النفوس ، إلى عدد الناس الذين فقدوا عائلاتهم – أقرباء ، آباء ، أطفال ، و أصدقاء. سوف يقول : تلك هي الأشباح الحقيقية. الأطراف الشبح ، العقول الشبح ، الحب الشبح الذي يستحوذ علينا ، إنهم أشياء معروفة ثم هجرناها ، إنهم أوهام ، إنهم انتهاك و عنف ، إنهم بلا شفقة و لا رحمة ، إنهم من خارج اختياراتنا ، إنهم لا يريدون الابتعاد ، إنهم بمنتهى الفقر و الضنك.
أحضرت أمه آخر كوب من الجعة إلى الطاولة ، و لأول مرة في حياته تمكن من أن يرى بين تجاعيد جبينها مصيرا مكتوبا لهؤلاء الذين تقوم على خدمتهم الآن. لقد تجنب النظر بعيونهم و هي تحمل القوارير من صينيتها المعدنية و تضعها بين نفاضات السجائر المصنوعة من قشور جوز الهند فوق غطاء الطاولة البلاستيكي الذي له شكل زهرة البابونج. انتظرها باسكال لتعود إلى المطبخ قبل أن يرفع شرابه نحو تاير و يقرع بفم زجاجته عنق قارورته. طرقت قارورة تاير زجاجته بقوة. و شاهد باسكال شرارة صغيرة ، ثم تحطمت قاروته إلى شظايا ، و تركت حافة مشننة في الزجاج. و سقطت شظية على الطاولة مع رذاذ الجعة ، و أخرى سقطت على غضار الأرض القاسية عند موطء قدميه.
أظهر تاير لثته الحمراء الناصعة ، و أشار بقارورته السليمة نحو باسكال ، و قال : " أحببت أن تعرف كيف هو وضعنا ، و خطر لي أن أضرب لك مثلا".
ملأ تاير فمه بالجعة و حركها فيه بصوت مرتفع ، و كأنه يحاول أن يتغرغر بملء فمه.
ثم أضاف يقول لباسكال : " لا تقلق ". و لكن أيضا ، على ما يبدو قال لنفسه : " ما دمت هنا ، لن يقع لنا مكروه في هذه الليلة ".
إدويك دانتيكات : كاتبة معاصرة من هاييتي. من أهم مؤلفاتها ( أبناء البحر ). تعيش الآن في الولايات المتحدة الأمريكية.
المصدر :
Ghosts by , Edwidge Danticat , The New Yorker , NOVEMBER 24, 2008.
الترجمة 2011


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow