Alef Logo
مقالات ألف
              

على الضفة الأخرى لمفهوم "التكيّف"

علا شيب الدين

خاص ألف

2011-01-28

كتب الفيلسوف الأمريكي المعاصر "رويس" يقول: " إن المرء يتفلسف حينما يفكّر تفكيراً نقدياً في كل ما هو بصدد عمله بالفعل في هذا العالم".
لا شكّ أن التفكّر النقدي يأبى "التكيّف" كونه ينطوي على مطاردة مستمرة للحقيقة، وتفتّح لا يتوقف لمشكلات جديدة، ولا شك أنّ رحلة التفكّر النقدي التي يقوم بها العقل تقتضي التشكيك في "المفاهيم أولا، لأن المراجعة الدائمة للمفاهيم ليست سوى ضرباً من النّظر العقلي الذي يهدف إلى معرفة الأشياء على حقيقتها، وعلى هذا، تبرز وجاهة إزاحة النّقاب عمّا تنطوي عليه المفاهيم من نقائض وغرائب ربما، كي نستيقظ من سباتنا اليقيني تجاهها، وكي نكفّ عن التكيّف معها كيفما كانت، ولعلّ التكيّف هذا، هو الأخطر والأقسى كونه مبدّد الدّهشة بامتياز، تلك الدّهشة المتوهّجة في عيون الأطفال، الرّاحلة عنها بمجرد المضي في طريق النّمو، حيث يغدو النّاضج مجرّد متكيِّف وعالم يعيش فيه، ويهاجر مع هذا التكيّف حبّ الاستطلاع والنّبض المتماهي مع غرابة الحياة وسحرها، وما يفصل الرّوح الفلسفيّة في نبضها وشغفها وقلقها عن الرّوح الشائعة الغائرة في عالم المنطق هو نفسه الذي يفصل بين الحياة والموت. هنا، يمكن لنا أن نتساءل عن إمكانيّة الرّكون إلى حرص علماء النفس على تكيّفنا من حيث هو
(قدرة على تكوين علاقات مُرضية بين الفرد وبيئته) من دون أن نعترض على ما قد ينطوي عليه هذا التحديد من طمأنينة وهميّة لا تليق بالرّوح الفلسفية، النقدية؟.
حقاً إننا قد نجد أنفسنا مرغَمين على الموافقة على جزء من هذا التحديد من حيث جعله التكيّف قدرة تحرّض الفرد على المستوى الشخصي كي يسعى للتخلّص من صراعات نفسيّة تقترن بمشاعر الذّنب والنّقص والرّثاء للذات، وبالتالي صموده حيال الشّدائد والأزمات التي يرتطم بها في حياته، ومن جهة أخرى قد نجد أنفسنا مرغَمين على الموافقة أيضاً على جزء آخر في هذا التحديد، وهو جزء يتّسع ليطال المستوى الاجتماعي بحيث يكون التكيّف قدرة الفرد على إقامة علاقات متوازنة مع الآخرين من دون أن يشعر بحاجة ملحّة إلى السيطرة أو العدوان، ولا بحاجة ملحّة كذلك للاستماع إلى الإطراء أو استدرار العطف، وهذا من شأنه نزع التّصوّرات المسبقة في التّعاطي مع الآخر، وتحقيق تعايش سلمي بين الناس. ولكن لن تمنعنا موافقتنا تلك عن الرّغبة في السّباحة في نهر التكيّف، قاصدين الضفة الأخرى منه، فالمفهوم، أي مفهوم، هو نصّ مكثف، والنص كتحنيط للمعنى الحي، فضاء مشرع على النّقد. سنسبح وفي أذهاننا فكرة نسبيّة المفاهيم المقترنة بدلالات زمانيّة ومكانيّة، طالما أنها ليست سوى ما "استوعبه" و ما "تعقّله" فرد أو جماعة في مكان وزمان محدّديْن، وعلى هذا، فإنه على الضّفّة الأخرى لمفهوم التكيّف ما جدير باللاتكيّف. ولما كان مفهوم التكيّف مفهوماً ظرفيّاً، ف "كيْفَ" هو اسم للاستفهام عن الأحوال، والمصدر منه هو "الكيفيّة" أي الحالة التي يكون عليها الشيء، فإنه قد يحقّ لنا أن نتردّد بشأن التسليم الدائم له، إذ كيف لنا أن نؤمن بدوام الحال، ونحن نعلم أنه محال؟! وإذا كان لا مجال للشك في البدهيّات الرياضيّة (مثلا) كتلك التي تقول: (الكميّتان المساويتان لكميّة ثالثة، متساويتان)، لأنها ببساطة ليست خاضعة لا لزمان معيّن ولا لمكان معيّن، فإن الأمر يختلف بالنسبة إلى المفاهيم الخاضعة للزمان والمكان (الظروف)، كمفهوم التكيّف، فما يصحّ التكيف معه هنا قد لا يصحّ هناك، وما كان واجب التكيّف معه في زمن معيّن قد لا يعود ضروريّاً في زمن آخر.
ولئن كان مفهوم التكيّف يبتغي رضا الفرد عن نفسه وعن المحيط، فإنه قد ينطوي على قناعة معيّنة تدعو الفرد للرّكون إلى ما هو كائن، مصوِّرة له نفسها ك (كنز لا يفنى)، ولكن من قال إن القناعة كنز لا يفنى؟! لن تكون القناعة بالنسبة إلى روح وقّادة إلا كنزاً يفنى، فكيف لها أن تقنع وتتكيّف ومألوف ينتمي إلى زمن أفقي لا يشبه أبداً زمنها العامودي في توتره الأقصى؟، كيف يمكن التماس التكيّف من روح كهذه حين تصطدم بواقع فاسد، ربما يكون واقعاً سياسيّاً، أو اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو دينيّاً....؟، ترى أليس من التهافت أن نطلب من تلك الروح أن تنطفيء تحت وطأة التكيّف القارس؟! هنا، يتكشّف ما ينطوي عليه التكيّف من "تطويع" يقسر الذّات الحرّة المبدعة لتتشابه والسّائد، لتغدو أيّة محاولة للخروج على السائد جنوحاً صوب التّهميش والإقصاء، فإما أن تتكيّف (تساير، تجامل، تساوم) وإما أن تُقمَع وتُحَارَب وتُنْعَت بنعوت شتّى من قبيل "معقّد"، "شاذ"، "خائن"...، ولن يكون التكييف بهذا المعنى إلا سَوْقاً للأفراد كي ينضمّوا للقطيع.
إنّ نفْض غبار الحياة العاديّة بما فيها من آراء متواترة وأفكار مسبقة وعادات متجذّرة، كلّ هذه وأكثر تستوجب بشكل أو بآخر عدم التكيّف، والحرية البشريّة تتجلى أولاً وبالذّات في تلك المقدرة "السلبيّة" التي يستطيع معها الإنسان أن يثبت وجوده عبر )لا)، و ال(لا) هنا ليست غاية في ذاتها، ولا يُبْتغى من ورائها مجرّد المغايَرة، على مبدأ (خالف تُعرف)، لأن قول (لا) هنا يعني (نعم) هناك، هكذا يصبح ل (لا) معنى خصباً وخلاقاً. وهكذا يتوضّح كيف أنّ اللاتكيّف إنْ هو إلا ضفّة أخرى للنّهر نفسه، والنّهر لا تقوم له قائمة من دون ضفّتين.
وقد يبادر البعض إلى القول مستغرِباً ومعترِضاً: إنّ التكيّف قانون من قوانين الطبيعة تخضع له الكائنات جميعاً! حقاً إن التكيّف قانون طبيعي، ولكن لا بدّ من التفرقة بين تكيّف الإنسان وتكيّف الكائنات الأخرى، ذلك أن تكيّف الإنسان لا يشبه بحال من الأحوال ذلك التكيّف الذي تخضع له بقيّة الكائنات خضوعاً غرائزيّاً، فتكيّف الإنسان نابع من صميم العقل، وما الوجود الإنساني إلا وجود حرّ، مختار، حتى أن الإرادة الإنسانيّة تجعل الإنسان كائناً متكيّفاً بفضل العقل مع كلّ البيئات بخلاف بقيّة الكائنات التي لا يمكنها التكيّف إلا مع بيئة واحدة، بيئتها، فالإنسان بذكائه تكيّف مع البحر والفضاء والغابة والصحراء ومع ذلك القطب المتجمِّد من الأرض و.و.. وحسبنا أن نرجع إلى أقدم الحضارات البشريّة كي نتحقّق من أن الإنسان ومنذ القدم سعى كي يتكيّف مع الطبيعة عبر شعوره بأنها "لغز" يستدعي الحل، وعبر شعوره بأن نفسه " أحجية" تتطلّب التفسير، وأنّ الذّكاء الإنساني تكيّفَ مع الطبيعة كي يتجاوزها، فهو لم يسايرها أبداً، لأن تكيّف الإنسان ينبغي له أن ينطوي على "رفض" الواقعة المَحْضَة، و"نبذ" التّصديق السّاذج.
حقّاً إنّ التكيّف نوع من المرونة، لكن المرونة لا تتنافى وكيان مستقلّ تقوم عليه، وهي لا تعني التّنازل عن الذّات من أجل الانصهار في الآخر، لأن العدل يقتضي أن نكون نحن (نحن) في حالة تقابل وتكامل مع الآخر لا في حالة ذوبان فيه، هكذا نفهم لماذا يدين الناس ذلك الذي يغيّر مواقفه، وأفكاره، ومبادئه، وشعاراته، وقناعاته....و(ألوانه) تكيّفاً ومصلحة ما عبر وصفه ب (الحرباء).

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow