Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الوردة البرية قصة : أمريتا بريتام ترجمة :

صالح الرزوق

خاص ألف

2011-01-15

هكان اسم الزوجة الجديدة للخادم العجوز الذي يعمل عند جيران جيراني هو أنغوري. السبب الوحيد أنها جديدة هو كونها زوجته الثانية. باللغة البنجابية يدعون الرجل الذي يقترن بزوجة ثانية باسم دوهاجو duhaju. و من الناحية التشريحية يقال عن الرجل الذي يدخل في الطور الثاني من الحياة - إنه في الطور الثاني من الحياة الزوجية. و حقيقة أن أنغوري لا تزال في طور زواجها الأول يعني أنها جديدة. و لأنه لم يمر غير أقل من سنة واحدة على عرسها هي جديدة فعلا.
من خمس سنوات ، عندما ذهب بارباتي إلى موطنه ليؤدي الطقوس الأخيرة بخصوص زوجته الأولى ، حضر والد أنغوري و جفف البارنا Parna ، المنشفة المعلقة على كتفه. و من باب الحقيقة ، لا يبتل بارنا رجل من الدموع التي يذرفها على زوجته. و لكن كان ، في الواقع ، منقوعا بالماء خلال الطقوس الأخيرة. و لكن إذا حضر أب و عصر بارنا الزوج الحزين ، يقول : " أقدم ابنتي عوضا عن المرأة التي رحلت. و لا حاجة للبكاء بعد الآن. انظر ، لقد جففت لك منشفتك ". و هذه عادة قروية بسيطة بها يتم استبدال القديم بالجديد.
و بهذه الطريقة اقترن بارباتي بأنغوري. و لكن كانت أنغوري صغيرة ، و كانت أمها عليلة في الفراش بسبب مرض ألم المفاصل ، لذلك تأجلت مراسم الاحتفال بعرسها.
عام بإثر آخر ، مرت خمس سنوات و حان الوقت لأنغوري كي تذهب إلى بيت بارباتي.
و قد أخبر رب عمله أنه إما سيأتي بزوجته إلى المدينة أو أنه سيعود أدراجه إلى القرية. و لم تكن لدى رب العمل أية رغبة بإطعام شخصين من مؤونة مطبخه. و لكن عندما أخبره بارباتي أن أنغوري سوف تجهز لنفسها مطبخا خاصا في غرفتها ، و تطهو طعامها بنفسها ، وافق أن تأتي. و هكذا جاءت أنغوري إلى المدينة.
و لعدة أيام ، حافظت أنغوري على النقاب فوق وجهها حتى في حضور نساء المستعمرة. و إنما بعد حين ، تخلت عن الحجاب. و حازت أنغوري على صيت واسع بسبب مشيتها و خلخالها يخش في قدميها. و كان صوت خلخالها منسجما مع صوت ضحكتها.
كانت تمضي معظم اليوم في الشطر الخاص بها ، و إذا تخطت حدودها و اقتربت من باحتنا ، كان يبدو كأن ضحكتها تنبعث من بين قدميها.
" ماذا ترتدين بقدميك يا أنغوري ؟".
" هذا هو الخلخال".
" و ما هذا في أصابع قدميك ؟".
" ذلك هو البكشيا bicchia . خاتم أصابع قدمي".
" و ماذا يوجد على ذراعك؟".
" آه ، هذه هي تعويذتي".
" و ماذا تضعين على جبينك ؟".
" نسميه ألبيند albind ".
" و لماذا لا تضعين شيئا حول خصرك اليوم ؟".
" آه ، التاغدي tagdhi ( النطاق ) ثقيل جدا. و لكن سأرتديه في الغد. اليوم ، لا أرتدي العقد أيضا. الجنزير انقطع. و سأصلحه في الغد في البازار. و لدي خاتم للأنف كذلك. و لكن حماتي تحتفظ به عندها".
كانت أنغوري تحب أن تتزين بمجوهراتها الفضية و تعرضها أمامنا بحبور و سعادة قطعة وراء قطعة.
و عندما تبدل الطقس ، وجدت أنغوري أن باحتها خانقة. كانت تغادرها و تجلس أمام بيتي. كانت توجد هناك شجرة نيم طويلة و بئر قديم. و لا يوجد أحد في المستعمرة يستخدم هذا البئر ، غير أن العمال الذين يشقون الطريق وحدهم يأخذون منه الماء. و كانوا يسكبون الماء في كل مكان ، حتى يبرد الجو.
" ماذا تقرئين يا بيبي ؟". سألتني أنغوري ذات يوم و أنا جالسة تحت الشجرة.
سألتها بدوري : " هل ترغبين بالقراءة ؟".
" لا أستطيع ".
" لماذا لا تتعلمين ؟".
" لا داعي ".
" لماذا ؟".
" القراءة أمر شائن على النساء".
" و هل هي ليست إثما بالنسبة للرجال ؟".
" كلا ".
" من أخبرك بذلك ؟".
" أعرف هذا وحدي ".
" إذا أنا أقترف الإثم بالقراءة ؟".
" كلا ليس إثما بالنسبة لنساء المدينة. و لكنه عيب بالنسبة لامرأة قروية".
ضحكت ، و كذلك فعللت أنغوري. لم تكن تشك بما علمت و سمعت ، و لذلك لم أحب أن أضيف شيئا. إذا كان بمقدورها أن تضحك و تشعر بالسعادة و هي على ما عليه من عادات و أخلاق ، فليكن.
كنت أنظر إلى وجهها الضحوك. كان جسمها أسمر ، و بشرتها مثل عجينة رقيقة. يقولون النساء مثل كرة من العجين. و لكن أحيانا ينفرط العجين و يصبح من العسير تحويله إلى شكل مستدير مثل روتي roti ( صمنة ) . و أحيانا تتيبس العجينة و لا يكون من الممكن تدويرها. و دائما توجد نساء لهن جلد خشن و متماسك.
بإمكان المرء أن يخبز الروتي و حتى البوري puri ( الرغيف المقرمش ) أيضا. نظرت إلى وجه أنغوري و إلى صدرها و ذراعيها. كانت بشرتها معجونة بشكل جيد. و شاهدت كذلك زوجها باراباتي. كان قصيرا و يابسا. و لا شك أنه ليس من العدل أن يأكل هذه العجينة الطرية. .. ضحكت من نفسي لأنني أشبه الجسم البشري بالعجين.
سألتها عن قريتها. و تكلمنا حول والديها ، و عن أشقائها و شقيقاتها و عن الحقول الخضراء ، و ذات يوم سألتها : " كيف يكون الزواج في قريتكم يا أنغوري ؟".
" إذا كانت البنت صغيرة ، بعمر خمس سنوات ، تعبد قدمي شخص ما"
" و كيف تعبد قدمي هذا الشخص ؟".
" حسنا ، لا تفعل ذلك بالضبط. يذهب والدها و يفعل ذلك. يذهب و معه سلة من الورود و بعض النقود و يضعها أمام هذا الرجل".
" و هذا يعني أن الأب يعبد قدمي الرجل. و ما هو دور البنت إذا ؟".
" الأب يفعل ذلك بدلا عنها".
" حتى و لو أن البنت لم تشاهد هذا الرجل؟".
" البنات لا يلتقين بالرجال".
" لا تقع عين البنت على الرجل الذي تقترن به؟".
" كلا".
" كل البنات على الإطلاق ؟".
" كلا " ، و بعد قليل من التفكير أضافت أنغوري تقول : " البنات اللواتي تقعن في الحب ترينه".
" و هل تحب البنات في قريتكم ؟".
" قليلا".
" أليس من العيب على البنت أن تحب ؟".
قالت أنغوري على الفور : " عيب ، عيب فاضح".
" و كيف ترتكبن هذا العيب الشائن؟".
" حسنا... حينما يقدم شاب الطعام لإحدى البنات ، تقع في حبه ".
" و ماذا يطعمها ؟".
" وردة برية. يضعها في الحلوى أو في بان paan و يدعو الفتاة لتأكلها. ثم إنها تحبه – هو فقط ، دون شريك له في العالم كله".
" حقا ! ".
" نعم. رأيت ذلك بأم عيني ".
" ماذا رأيت ؟".
" كانت لدي صديقة. كانت أطول قليلا مني".
" ثم ؟".
" ماذا بعد ؟ جنت به. و هربت معه إلى المدينة ".
" و كيف تعلمين أن صديقتك أكلت الوردة البرية؟".
" وضع الوردة في بارفي barfi ( معجنات من الحليب و السكر ) . و ماذا غير ذلك ؟. و إلا ما كانت غادرت بيت أبويها. كان يحضر لها أشياء متعددة. أحضر لها من المدينة الساري ، و الحلي الزجاجية للمعصم ، و عقدا من الخرز".
" و لكن تلك هي هدايا. كيف تعلمين أنه أطعمها الوردة البرية؟".
" إن لم يفعل ، لماذا أحبته ؟".
" الشخص يحب بلا سبب ".
" كلا ، لا يمكن. لا يحب أحد بلا سبب- هذا يضر بالأهل".
" هل شاهدت الوردة البرية؟".
" كلا ، لم أشاهدها في حياتي. يجب إحضارها من أمكنة نائية. ثم يجب أن تكون مخبأة بالحلويات أو بالبان. حينما كنت صغيرة نبهتني الوالدة أن لا أقبل الحلوى من أي رجل".
" أحسنت صنعا لأنك لم تأكلي حلوى من رجل عجوز.؟ لماذا أكلتها صديقتك؟".
قالت أنغوري : " يجب أن تدفع لقاء غلطتها" ، ثم لأن حبها لصديقتها غلبها و حرك أشجانها أضافت تقول بوجه ملؤه الحزن : " بكل بساطة أصيبت بالجنون ، فتاة طيبة. لن تمشط شعرها. و ستصحو في منتصف الليل و تغني".
" ماذا تقول في أغنيتها ؟".
" لا أعلم. كل من يذوق الوردة البرية يغني كثيرا ، و يبكي كثيرا أيضا".
و بما أن القصة انتقلت من الحديث عن الغناء إلى البكاء ، لم أوجه لها أي سؤال آخر.
و حالا ، بسرعة فائقة ، تبدل شيء ما. ذات يوم جاءت و جلست بقربي تحت شجرة النيم . و قبل ذلك ، كان خلخالها يقدم إشارة على وصولها من بعد عشرين ياردة. و لكن اليوم ، وصلت بصمت مطبق. رفعت عيني من الكتاب و سألتها : " ماذا في الأمر يا أنغوري ؟".
" علميني كيف أكتب اسمي".
" هل تودين كتابة رسالة لأحد؟".
لم ترد. و كانت عيناها غائمتين بلا تعابير.
كان الوقت في منتصف النهار. تركت أنغوري تحت شجرة النيم و ذهبت إلى البيت. و لم أغادره إلا في المساء. كانت أنغوري لا تزال تجلس تحت الشجرةبوضع القرفصاء. و كانت برودة هواء المساء تسبب رعدة في بدنها.
وقفت وراءها. و كانت تدندن بأغنية بشفتيها مع أنها تشبه تنهيدة طويلة.
“Meri mundri mein lago naginva
Ho bairi kaise kaatoon jobanva”
( " خاتمي تطرقه الأحجار ، الأحجار الملعونة ، ماذا سوف يحل بشبابي؟؟)؟
سمعت أنغوري صوت خطواتي ، فاستدارت ، و عندما شاهدتني توقفت عن الغناء و أطبقت شفتيها.
" أنت تغنين بشكل ممتاز يا أنغوري ".
كان من الواضح ، أنه بإرادتها ، أمسكت دموعها وراء جفونها و استبدلتها بضحكة خافتة فوق الشفتين ، و قالت : " لا أعرف كيف أغني".
" تعلمين...".
" هذا لا شيء...".
" هل من عادة صديقتك الغناء ؟".
" سمعت هذه الأغنية منها".
" لماذا لا تغنينها من أجلي؟".
" آه ، إنها أشبه بمراقبة الفصول. البرد يستمر أربعة شهور ، و الحر لأربعة أخرى ، ثم إنها تمطر أربعة شهور إضافية..."
" كلا ، ليس كذلك. لماذا لا تحاولي أن تغني فعلا ؟".
كانت أنغوري تعد الفصول و كان عليها أن تأخذ بالحسبان أنها تصل إلى إثني عشر شهرا في العام.
“Char mahine raaja thandi hovat hai
Thar thar kaampe karejva
Char mahine raaja barkha hovat hai
Thar thar kaampe badarva.”
" أنغوري !".
نظرت أنغوري نحوي بعينين مشدوهتين. و رغبت لو ألمس كتفيها بيدي و أسأل " يا بنتي العزيزة ، هل بلغ بك الأمر تذوق الوردة البرية؟". وضعت كلتا يدي على كتفيها ، و قلت عوضا عن ذلك : " هل أكلت وجبتك ؟".
سألت أنغوري بصوت غريب : " الطعام ؟". و شعرت بالرعدة تحت يدي. و كأن الأغنية التي أنشدتها للتو بما فيها من غيوم مرتعشة و ماطرة ، من رياح الصيف و من برد الشتاء الذي يرتعش له القلب ، هي نفس الأغنية التي كانت تخترق جسمها و ترعشه.
علمت أن أنغوري تدربت على الطهو بينما كان بارباتي يلتهم طعامه في بيت سيده. سألتها مجددا : " هل طبخت اليوم ؟".
" كلا ليس بعد ".
" هل طبخت في الصباح. هل شربت الشاي؟".
" الشاي ؟. لا يوجد لدينا حليب لهذا اليوم ".
" لماذا لا يوجد حليب اليوم ؟".
" لم أشتر الحليب ...".
" هل تشربين الحليب يوميا ؟".
" نعم ".
" ماذا جرى إذا اليوم ؟".
" رام تارا الذي يأتي بالحليب ...".
كان رام تارا ناطور مستعمرتنا. و كلنا نساهم في راتبه ، فهو يذرع الطرقات ليلا و يكون متعبا في الصباح. و أتذكر أنه كان يزور أحد البيوت ليشرب الشاي ، بلا ميعاد ، ثم يضع وسادته قرب البئر و ينام طوال النهار ، حتى وصول أنغوري لتعيش بيننا. و بعد مجيء أنغوري ، شرع بشراء قليل من الحليب من الحلاب. كانت أنغوري تضع إبريق الشاي على الشولاه Chulah و تجلس حوله ، مع بارباتي و رام تارا ، لشرب الشاي معا.
و أتذكر أن رام تارا لم يحضر لثلاثة أيام. كان بإجازة – لقد ذهب ليزور قريته.
خرجت ضحكة متألمة من شفتي و أنا أسألها : " أنغوري ! لم تشربي الشاي من ثلاثة أيام ، صحيح ؟".
لم تتمكن من الكلام. هزت رأسها.
" ألم تأكلي شيئا ؟". لم تتمكن من الكلام أيضا. و لكن كان من الواضح و لو أنها فعلت ، لن يحل ذلك الموضوع.
تذكرت رام تارا. ملامح ناعمة و مسحة من الطهارة ، مع عينين تبتسمان بحياء. كان يتكلم بلباقة كذلك.
" أنغوري ؟".
"" نعم".
" هل وصل بك الأمر إلى أكل الوردة البرية ؟".
بدأت الدموع تنهمر على وجهها ، و تغمر خديها ثم شفتيها. حتى أن الكلمات التي خرجت من فمها كانت رطبة و هي تقول : " أقسم لك لم أقبل من يديه الحلوى. و لا حتى البان. الشاي فقط... هل كان ممزوجا في الشاي...؟".. و لم تتمكن أنغوري من إضافة كلمة واحدة ، لأن صوتها غرق في سيل من دموعها.
نقلت القصة من البنجابية نيرباما دوت Nirupama Dutt .
أمريتا بريتام : كاتبة رائدة و معاصرة من الهند. تكتب الشعر باللغة البنجابية ، و قد حازت على جائزة جنانبيث و جائزة ساتيا أكاديميا للشعر . تعيش في دلهي و تقوم بتحرير مجلة ناغماني ، و هي مجلة أدبية تصدر باللغة البنجابية.
المصدر :
Wild Flower story by Amrita Pritam.The Little Magazine - Sex & Violence - Vol II issue 1.
الترجمة العربية 2011

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow