Alef Logo
يوميات
              

المراكز والكراسي تُذهب العقول

مديحة المرهش

خاص ألف

2011-01-09

سعادة
حين التقيت بها للمرة الأولى لم أدر بأنها صماء - بكماء ،ولكنها سرعان ما تقربت إلي بطريقتها البسيطة المباشرة ،وأصبحت تتواصل معي بالإشارات التي لم أكن أعرف منها شيئاً. ولكنني صرت أقلدها مستفسرة وكانت تصحح لي وتعلمني وكأنني سأقدم امتحاناً في تلك الإشارات . حين عرفتها كانت في الثلاثينات ،بسيطة في لباسها ومظهرها وحتى في ملامح وجهها ، وباختصار لم تكن من النوع الذي يشد انتباه أي رجل ولكنني لاحظت اهتمام شاب في العشرينات بها في مواقف عديدة رغم وجود فتيات من سنه جميلات ومتعلمات وبعضهن مثقفات ومن عائلات غنية ومعروفة . و حاولت أكثر الفتيات إذالم أقل جميعهن بالتقرب إليه ، فقد كان في سنته الأخيرة في (...... ) إضافة إلى كونه وسيماً وابن عائلة ، وهذا ما يجعل منه عريساً ( لقطة ) لأي فتاة . لكنه لم يكن ليهتم إلا بتلك الأنثى التي تكبره كثيراً والتي لم تحصل على أي شهادة والتي تعاني أيضاً من الصم و البكم .
مرت سنوات لم أر فيها أياً منهما ،ولم أسمع عنهما إلا بضع إشاعات بأنه خطفها وهي عملت له سحراً وما إلى ذلك . كنت أتسوق في أحد ( المولات ) ورأيتهما سوياًبرفقة ثلاثة أطفال صغار ،انتابتني فرحة وكأنني كنت أعرف هذا المصير الذي صارا إليه مسبقاً ،ولكن فرح المرأة كان أكبر بكثير ، أسرعت باتجاهي وضمتني إليها وكأنها كانت تبحث عني منذ زمان بعيد ، بادلتها العناق والتحيات وبذلت جهداً كبيراً لاسترجاع معرفتي ببعض الإشارات التي علمتني إياها لأتواصل معها بالحديث و بدا شكلي مضحكاً وملفتاً فسارع زوجها الوسيم يشرح و يترجم ويحكي وهو يحمل طفلاً لم يتجاوز االعام من عمره و يمسك بآخر من يده و طفلة في الرابعة تتعلق ببنطاله . مشينا سوياً ، ولما انتهينا من شراء ما يلزمنا أصرا على دعوتي إلى بيتهما . لم أُبد أي اعتراض ،ووافقت في الحال وكأنني أنتظر هذه الدعوة منذ سنين .
كان بيتهما دافئاً يعج بفرح كبير وسعادة غامرة ، كل شيء مرتب و نظيف ، وهناك لمسات فنية في كل ركن فيه . تحدثا كثيراً و قاطع كل منهما الآخر بمحبة وتفهم لم أره و لم أصادفه في حياتي إلا نادراً .
تبعثر أولادهما الثلاثة كل في جهة ، وطمأنتني أصواتهم وصراخهم على أنهم لا يشكون مما تعاني منه الأم .بعد أن هدأت فوضى العودة إلى البيت دارا معي ليرياني اقسامه الصغيرة االملفوفة بشيء غريب لم استطع تعريفه ، و لكنه يشبه الدفء الداخلي العميق .ولما انسحبت الأم لتهيأ القهوة ،استغل زوجها الفرصة وبدأ يتحدث إلي وكأنه كان ملزماً أمامي بتفسير لما حصل بينهما ، وأنا بدوري كنت متلهفة لذلك وكأنه قرأ ما يجول في رأسي . قال :
( ليس هناك تفسير لما حصل بيننا ، ولعلمك هي ماأحبتني قدر ما أحببتها، منذ المرات الأولى لفتت كل ما في و أحسست أنني سأمضي معها عمري ، احبها ولن أتخلى عنها لو جاءتني ملكة جمال ، أعيش في سعادة لاتضاهى بأي شيء وهي تعمل المستحيل من أجل أسرتنا الصغيرة ، لاينقصني الآن و بعد مرور هذه السنين إلا وجود عائلتي بجانبي لأنهم لم يكونوا راضين أبداً و قاطعوني ، و حذفني أبي بشكل رسمي و قانوني من أبوته ومن كل شيء ، ومنع أخوتي حتى إلقاء التحية علي إذا التقوني . في البداية حزنت وتأثرت ولكن حبي لزوجتي والطمأنينة التي أعيشها أنستني كل الحزن . أتابع حياتي وأحس أنني أغنى رجل بما أملك . )
تحدث بسرعة وكأنه كان يريد أن ينهي ما بدأه قبل عودة زوجته كيلا يجرح شعورها .عادت الزوجة تحمل القهوة و قطعاً من الكاتو وسندويشات صغيرة أعطتها للأولاد ثم جلسنا نتحدث و نتسامر وعيوننا نحن الثلاثة على الأولاد الذين كانو ا يأتون باتجاه أمهم ويطلبون شيئاً ما بإشارات متقنة و سريعة فتلبي لهم ماطلبوا و كأنها إحدى عاملات النحل اللواتي لا تكل و لا تمل .
اقتربت ابنتهما التي لم تتجاوز الخامسة وطلبت من أمها شيئاً وقد كنت أهم بالمغادرة و لكن الأم رفضت و أحسست بالإحراج وأنا أسأل أباها عمّا أرادت لأنها وقفت حزينة تنظر إلي . فقال بأنها تريد أن تسمعك أغنية علمتها لها أمها ، هذا كل ما في الأمر ، وأمها قالت لها بأنه لا وقت لديك . قاطعته و اقتربت من الصغيرة و قلت لها بأن لدي وقتاً كافياً لما تريد أن تسمعني .
غنت تلك الطفلة مجموعة من أغان جميلة بصوت عال ونطق لم أعهده في أطفال من سنها .
كان فرحي أكبر من فرح أبويها . وأسرّ الأب بفخر واضح أن الفضل دائماً يرجع للأم التي تعلم الأولاد وتغني معهم وتقرأ لهم باستمرار وهو لا يتدخل إلا في ما ندر . غادرت بيت هذه العائلة وأنا في دهشة و فرح وتساؤل :كيف تستطيع هذه المرأة أن تفعل كل ذلك وهي صماء- بكماء ؟
حينما حكيت حكايتهما لأصدقائي و أقاربي بعضهم قال إنّ الشاب معقّد ، و أن هناك قصة مأساوية في حياته ، آخرون قالوا ربما المرأة غنية ، أو أنها قد عملت له عملاً أي سحراً .وبعضهم قال بأن لديه مشاكل مع أمه في طفولته و أنه يحتاج إلى أم ترعاه أكثر من حبيبة . قالوا احتمالات كثيرة ولم يكن أياً منها أن شيئاً ما اسمه الحب هو الذي شدهما و ربط بينهما وهو باعتقادي السبب الوحيد الذي مازال يجمعهما لأكثر من عشرين عاماً .
المراكز والكراسي تُذهب العقول
مرّت بجانبي في معرض صديق مشترك ، كانت منهمكة بالحديث مع أحدهم ، فلم أشأ أن ألقي عليها التحية كيلا أقطع حديثها ، وكنت شبه متأكدة أنها لم ترني . ولكن صديقاً كان برفقتي وقتها قال لي بأنه يظن بأنها رأتني مسبقاً فتجنبتني و حادت عن طريقي . اندهشت مما قاله وسألته عن السبب ، فشرح لي بأنها تسلمت مركزاً مهماً في (...... ) منذ فترة ، وهذا ما يجعل منها امرأة مهمة ، و يترتب عليها اختيار البشر الذين تتعامل معهم و الذين تلقي التحية عليهم .
قلت له بأن مركزها لا يهمني في شيء ، فأنا أحترمها لذاتها وقد التقيت بها عدة مرات كانت في منتهى اللطف و اللباقة . سخر صديقي مني وقال : عزيزتي إن الظروف تغير الحال ، وإن المراكز و الكراسي تُخرب البشر و تُذهب العقول . ما بك وكأنك مستغربة ؟ وقتها تذكرت كم خسرت من الأصدقاء بسبب تبوئهم مناصب هامة أو بسبب ثروات هطلت عليهم من علِ ، أو بسبب حصولهم على مبتغاهم بطرق ملتوية و غير شريفة .رحم الله والدي كان يُردد بيتاً من الشعر كلما خسر صديقاً لنفس هذه الأسباب وقد حفظناه لكثرة ما تردد على مسامعنا :
مابين غمضة عين و انتباهتها يُبدل الله من حال إلى حال
مديحة المرهش


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

برقيات شعرية

18-تشرين الثاني-2017

قصيدتان

21-تشرين الأول-2017

الطريق إليك سكران

07-تشرين الأول-2017

أحرّك تائي الساكنة

08-تموز-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow