Alef Logo
دراسات
              

فن الأرض – الجزء الثاني

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2011-01-07

حركة فن الأرض الحديثة:
إن فن الأرض الإيرث آرت أو اللاند آرت تعبر عن حركة بعض الفنانين الذين يحملون سلسلة من الأهداف العريضة. وجميع الأعمال تتوضع في الطبيعة موظفين في بنيتها مواد مثل الحجارة والتربة والأغصان. أما أعمال الأرض " الإيرث وركس" فلا تنتمي إلى الحركة نفسها وإنما معظمها منحوتات. وتشير إلى عمليات الطبيعة من نحت وتعرية أو إلى حركة الكواكب والنجوم. إن أحد الأسباب الرئيسية لنشوء هذه الحركة هو دعم الحركات البيئية خاصة مع ازدياد عدد المتأملين حيث يعمل معظم الفنانين على فهم الطبيعة ككل وحث الناس على العودة إليها وتأملها واكتشاف خباياها وسحرها. والبعض الآخر يحاول أن يكشُف عن الاختلاف الموروث بين الطبيعة والحضارة البشرية.
اختلفت أحجام أعمال الفنانين من الصغيرة إلى المتوسطة والكبيرة الحجم. ومنهم من رغب في إنجاز أعمالهم في مناطق غير مأهولة وبعيدة عن السكان، حيث تتعرض لعمليات الطبيعة من نحت وتعرية ومعظمها يندثر مع مرور الزمن، ولا يبقى منها إلا الصور والوثائق شاهدة عليها. فقد رغب فنانو الأرض منذ البداية في مواجهة مباشرة مع الواقع الخارجي، ويقول دوغلاس هوبر: " إن فن الأرض لا يتطلب بالضرورة نقل أطنان من التراب والصخور من مكان إلى آخر، إن تحديد المكان بشكل أو بآخر يكفي لخلق العمل الفني".
أطلقت هذه الحركة في اكتوبر 1968 من قبل مجموعة معرض " أعمال الأرض" في غاليري الدون في مدينة نيويورك، وفي فبراير عام 1969 رعى ويلغبي شارب معرض "فن الأرض" التاريخي وذلك في متحف أندرو ديكسون الأبيض للفنون، وأشهر الفنانين هم من أصول أمريكية مثل: نانسي هولت، والتر دي ماريا، هانس هاك، أليس أيكوك، دينيس أوبنهوم، مايكل هيذر، ألان سونفيست وجيمس توريل، وهناك أيضاً بعض الأسماء التي برزت من بريطانيا مثل: ريتشارد لونغ وإندثي غولدزورثي وأيضاً الشهير كريستو الذي عرف بتغليفه لأماكن أثرية وأبنية ومناظر طبيعية وأشجار بالقماش. ويعتمد هؤلاء الفنانون على رعاة أغنياء ومؤسسات خاصة لتمويل مشاريعهم المكلفة.
ومن الواضح أن حركة فن الأرض تأثرت ببعض حركات الفن الحديثة مثل الفن المينيمالي والتكعيبي والفن المفهومي وفن الفقراء. فمعظم هذه الحركات الفنية تشترك بمفاهيم عدة ومنها العودة إلى الشكل البسيط واستخدام مواد يومية موجودة بالقرب منّا. ينتمي معظم هؤلاء الفنانين إلى حركتين أو أكثر وتبعاً للناقدة باربرا روز التي تعمل في مجلة "آرت فورَم" تعتقد أن ظهور حركة فن الأرض المفاجئة عام 1968 يمكن أن يعتبر استجابة ورد فعل لجيل ناشىء من الشباب على ظهور مذهب الفعّالية السياسي في العام نفسه إلى جانب ظهور حركات المرأة و البيئة التحررية.
استعراض لأهم أعمال وفناني حركة الأرض:
برزت العديد من الأسماء المهمة في هذا الحقل الفني وقد تنوعت أساليبهم وتقنياتهم، فعمل الفنان روبرت سميسون (أمريكي 1938- 1973) "الحاجز الحلزوني" الشهير ويعتبر من أهم الأعمال حتى يومنا هذا، فقد نفذه عام 1970 داخل البحيرة المالحة العظيمة، ويتكون هذا العمل من صخور بازلت سوداء تلتف بشكل حلزوني عكس عقارب الساعة على طول 1500 قدم داخل البحيرة. إن مشاهدة هذا العمل بوضوح اعتمدت في البداية على مستوى تذبذب المياه، أما اليوم فقد غمرته البحيرة ولا يمكن مشاهدته إلا من خلال الوثائق والصور الفوتوغرافية.
أما أعمال والتر دي ماريا فتتميز أنها تعتمد بشكل كبير على القياسات والأرقام. مثل عمل "الحقل المضاء" الموجود في صحراء نيفادا جنوب غرب مكسيكو ويتألف من 400 عمود تتوضع بصفوف متشابكة، ويظهر مفهوم والتر دي ماريا جلياً في عمله هذا وهو تصميم دقيق يستقطب الطاقة الكونية الرفيعة الموجودة في الطبيعة.
كما يعتبر الإحصاء وعلم الحساب المتوالي ميزة ظاهرة في معظم أعمال هذا الفنان مثل " الكومبيوتر الذي سوف يحل كل مشكلة في هذا العالم 3/ 12 مضلعاً" عام 1984 ، ويتضمن 75 عاموداً مضلع الشكل من الستانلس ستيل، طول كل مضلع المتر الواحد ومنظمة في صفوف على الأرض، وكل صف يختلف عن الآخر في عدد الأعمدة والأضلع، فكل عدد من الأعمدة ضمن الصف الواحد يساوي عدد الأضلع الموجودة على كل عامود فمثلاً الصف الأول يضم ثلاثة أعمدة وكل عامود يحتوي على ثلاثة أضلاع. والصف الثاني يضم أربعة أعمدة وكل عامود يحتوي على أربعة أضلاع وهكذا حتى الصف الثاني عشر. وعلى الرغم من أن الأعمدة تختلف في عدد أضلعها فإنها جميعاً تتساوى في المساحة والوزن. وهو يريد من هذه الأعمال أن يقدم نقطة بداية لتخمين واسع للعمل الفني، وفيما وراء نظرية الجشتالت المرئية واللحظوية فإن الاحساس المرئي لأعماله يشيح بالنظر عن القياس الرياضي الظاهر والذي من المفترض أن نفهمه بعقولنا وبدوره يشير إلى نظم كونية غير معروفة لنا تماماً حتى الآن.
ولريتشارد لونغ حكاية أخرى مع فن الأرض حيث الطبيعة أيضاً موضوع فنه، موظفاً الماء والعشب والأحجار لإنجاز أعماله، وقد طوّر لديه فكرة صنع منحوتات خلال المشي، فهو يؤمن بأن المشي له تاريخ ثقافي لدى العديد من الشعوب كالحجاج وشعراء اليابان المتجولين والرومانسيين الانجليز.
أنجز هذا الفنان منحوتاته الأولى عام 1965 وهو يمشي، وعمله عبارة عن خط مستقيم من الحجارة المرصوفة ضمن حقل عشبي، فقد فتن بفكرة خلق فن جديد أو بالأخص طريقة جديدة للمشي وتزود بفكرة كشف العلاقات بين الوقت، المسافة ، الجغرافيا، والقياس. ويقول الفنان موضحاً: "أعتقد أن منحوتاتي الأرضية تقطن في منطقة غنية و بين نظريتين فكريتين: إما أن أصنع صرحاً تذكارياً أو أترك بصماتي".
بينما بعض الفنانين مثل مايكل هيذر لا يقتصر على بعض الأعمال الفردية وإنما ينفذ مشاريع ضخمة وهائلة مثل مشروع "المدينة" الذي يعتبر من أكبر الأعمال في الفن المعاصر، وقد بدأ بتنفيذ هذا العمل منذ عام 1972 وهو موجود في صحراء نيفادا ويشمل العمل خمسة أقسام ، كل قسم يتألف من عدد من الأبنية يدعوها بالمجمعات، فالقسم الأول يتألف من ثلاثة مجمعات حيث المجمع الثاني هو الأكبر ويصل ارتفاعه من 70 إلى 80 قدماً وطوله ربع الميل، وهذه المجمعات مصنوعة غالباً من الطين ومستلهمة من المدن القديمة في جنوب أمريكا، كما تحتوي على تزيينات ضخمة مثل النقوش على المجمع الثاني وأعمدة هندسية الشكل في المجمع الأول، وظهرت بعض الصور الحديثة للمجمع في القسم الخامس الذي يتألف من بنية معقدة من أشكال الإسفين ويدعى هذا العمل " 45‹، 90‹، 180‹ " وهو تلاعب بالمنظور، فعندما تنظر إليه من الأمام فإنه يظهر بشكل بسيط وعندما تنظر إليه من الجانب أو من فوق فإنه يظهر بشكل معقد، وهذه تأكيد على تجربة الفنان من عدة وجهات نظر.
ومن أهم فناني الأرض أيضاً الفنان الإنجليزي الأصل إندي غولدزورثي، الذي تتراوح أعماله بين منحوتات صغيرة ومشاريع نحتية ضخمة، ويستخدم مواد مثل: الطين، الريش، غصينات، حجارة وكتل ثلجية، الورود و أوراق الأشجار.
تتخذ أعماله شكل أغصان رطبة على صخور وكرات ثلجية كبيرة منحوتة، وغصينات منظمة على شكل كرات، وصخور تتخذ شكل أقواس، محاولاً في معظم أعماله لفت نظر المشاهد وإظهار جمال الطبيعة بشكل أكثر وضوحاً.
يقول إندي عن تجربته: " الطقس، المطر، الشمس، الثلج، البرد، الضباب، كلها فراغ خارجي مرئي، فعندما ألمس صخرة كأنني ألمس وأعمل مع الفراغ الذي يحيط بالصخرة، فهي ليست مستقلة عن محيطها، والطريقة التي تتوضع بها تخبرك كيف جاءت إلى هنا، ولفهم وجود الصخرة في هذا المكان وإلى أين ستذهب يتعيّن علي أن أعمل في منطقتها بالتحديد".



ويضيف أيضاً " أرى الصخور الفردية شاهداً على الأماكن التي تتوضع فيها، إنها موجودة في ذاكرة المكان وفي تاريخ المكان، لذا عندما أغطي الصخرة بأوراق الشجر فكأني ألتمس الخريف الذي اختبره الحجر".
ففي أبريل 1987 وفي حديقة يوركشير أنجز منحوتة تدعى " الهندباء" ، حفر ضمن قطعة أرض مكسوة بالعشب الخضر حفرة ثم جمع أزهار الهندباء الصفراء اللون في دائرة حول الحفرة من دون وجود لأي فراغات فيما بينها، والنتيجة كانت دائرة من ورود الهندباء تقف منتصبة لمّاعة مقارنة مع ظلال الحفرة ولون الخلفية، إن بساطة هذا العمل وجماليته أيضاً تجذب المشاهد وتجعله يدقق النظر جيداً من حوله، وما يسعى إليه إندي جاهداً هو جعل المشاهد يختبر الطبيعة من جديد وبطريقة جديدة.
لمن الجلي أن حب بعض الشعوب القديمة لأديانهم واحترامهم لعاداتهم وتقاليدهم انعكس في أعمال فنية غاية في الروعة والجمال، إن هذا الموروث لا يزال حتى يومنا الحاضر هو الملهم الأول والرئيسي لفناني الأرض الحديثين، وعلى الرغم من سلسلة الأهداف النبيلة التي يحملونها إلا أن إظهار جمالية الطبيعة وسحرها يبقى السمة الأساسية من سمات هذا الفن الجديد.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow