Alef Logo
مقالات ألف
              

هناك...في دين العشق/ج2

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-12-25

وأحبّها وتحبّني....ويحبّ ناقتها بَعيري..
ماأجملكَ أيها "اليَشْكُري"* حين جعلتَ الحبّ يستنطق حتى البهائم، فما الحبّ إلا نافث الحياة في الجمادات، وما الجمادات إلا كائنات تنتظر إحياءها، لذا ليس غريباً ولا مصادفة ما أكدّه قديماً الفيلسوف اليوناني "أنبادوقليس" أن بالمحبة تجتمع العناصر الأربعة (الماء، النار، التراب، والهواء) فيكون الكون، وبالكراهية تفترق فيفسد.
بالحبّ، نحبّ الكره لينقلب حبّاً، والكره إذ يشعر أنه محبوب يقرّر التخلّي عن ذاته لينصهر في ذات الحبّ فيصير حبّاً جمّاً، لأن الحبّ لا يعلّم إلا الحبّ، فمِن سِحْره ينطلق وإليه يعود، الحبّ ضوء أجمل ما فيه أنه يتجاوز ذاته مبالغة، فيتوهّج عشقاً. نعم، العشق مبالغة صاخبة ومذهلة في الحب! قليلون من يمسكون بالضوء فيتوهّج بين أيديهم مبدِّداً العتمة، هؤلاء هم أنبياء العشق.. واهبو الضوء.. حرّاس الأرواح.
حين همَستْ له "أحبكَ": انساب صوتها شلالاً بإيقاعٍ فاتن، فقال لها: أنا لا أعرف كيف ينكرون وجود النبيّات وأنتِ هنا! لقد كسرتِ القاعدة يا حبيبتي، القاعدة التي كانت حِكْراً على الرجال، فردّت: وأنا لا أعرف كيف جُعِلَ للأنبياء خاتمة، وأنتَ هنا! تثبت أنّ النبوّة لا تنتهي، وأن الأنبياء مستمرّون، فليحمِك ربي، يا مَنْ تعشقه روحي، وراحا في عناق طويل.. في ليلة حلّقت بينهما كفراشة، صارا واحداً.. وكوناً يكبر.. وحياة تستفيق..
ليس لأنبياء العشق إلا أن يمتلكوا قدرة التجاوز، لأنهم يختصرون غير الممكن بالممكن، يقطعون المسافات بجدارة الرّجولة ورقّة الأنوثة، ممسكين بالضوء، وكلما أوغل العشق في المسافات أثبت أن الإنسان روح ومعنى، لا جسداً وكينونة، ولن يكون الإنسان إلا كذلك.
كان يستمع لبيتهوفن في "نشيد الفرح" حين باغتَتْه بقُبْلة، هامسة له: يليق بكَ الفرح، فما أجملكَ من نورس! أراكَ بين الغيوم ترقص، ومع النّسيم تتمايل، وإلى قلبي تتسلّل. كلّ ما تلبسه جميل يا حبيبي، وأجمل ما في أرديتك هو الألوان، أحبكَ في الألوان وأحبّ الألوان فيكَ، فضمَّها متنهّداً: أشعر برغبة عارمة في الكتابة...للحبّ والحياة سأكتب...لكِ يا ساحرة العينين.
أجل، للحبّ والحياة سيكتب العشّاق، ففي دين العشق لن يستريح المحاربون، لأنّ العشّاق أنبياء.. أنبياء شعراء، عدّتهم الحب.. أسلحتهم الأقلام، والأقلام فكر وحياة ونبض.
وفي عرض البحر ووسط الأمواج المتلاطِمة سيكونون، تقذفهم الأمواج إلى جزيرة مهجورة، ومنها تبدأ الرّحلة.. رحلة نبيّ ونبيّة عاشقيْن، ثمّة كوخ صغير تركه القدماء، يرمّمانه ليسكنا فيه وإليه، إنه كوخ "صوفي"* في عالمها، للكوخ معانٍ مذهلة، هو بداية كون ولا نهاية حياة، صغير من الخارج، كون من الداخل، في الكوخ تُولَد الحياة من جديد، يعجنها نبيّا العشق بالحبّ، يصنعان منها كائنات مُحِبّة، يمنحانها نَسْغَ الدّيمومة، ويرسلانها مع النوارس إلى الأصقاع كافة، كلّ نورس يحطّ في بقعة من بقاع الكون، يضع الكائن الذي يحمله ليعود إلى الجزيرة وقد أتمَّ مهمّته النّبيلة.
للفرح والحزن لدى أنبياء العشق في عشقهم شكلٌ آخر، وما يُبكي الناس ظنّاً منهم أنها المِحَنٌ الكبرى "كالموت"، لا يُبكي أنبياء العشق لأنّ أرواحهم متّسعة في صفة الاحتواء واليقين...هم واضحون، والوضوح عمقٌ عظيم، والعظمة حريّة كبرى في العشق.
قد يقف حجرٌ صغيرٌ أمام سيل أرواح الأنبياء في عشقهم فيعْلَق الجَرَيان، إذ أن الطبيعة قائمة على الموانع الصغيرة أحياناً، ولكن، مع أنّ السماء تتلبّد بالغيوم، ومع أنّ الشمس يحجبها الليل، بعد كلّ هذا، ثمّة سَيْل هاديء وشروق ومطر.. مطر.. مطر..
لم تكن نبيّة العشق إلا ماء في جدول صافٍ، وكلّما أمعن نبيّها النّظر في عمقه رأى انعكاس روحه متجسّداً فيه، حثّته على تأمّل نفسه في مائها كما "نرسيس"، لاعنة تفاسير "فرويد"*، فاتحة مصاريع نفسها مَرايا لنبيّها كي يرى ذاته في العالم. قالت له: لسُمْرَتِكَ عَبَقُ التراب يا حبيبي، أشجاركَ مورِقة، أحبّ أن أتفيّأ بظلّكَ، أحتمي من الشّرور والمفاسد، أحتمي..أحتمي، إلى صدره شدّها وقال: أريد أن أحيا معكِ كلّ لحظات الجمال، فإذا كنتِ لوحة رسمها ربّ جميل، فكيف لا أحبّ لمسة ريشته في معانيكِ وملامحكِ؟! أنتِ اللّوحة التي علّقها الله في قلبي! مُبارَكٌ ماؤكِ يا نبيّتي وهو يلامسني فأكون نبيّاً.
كثيراً ما نادته ب "سيزيف"* وكثيراً ما قال لها: لا أحبّ سيزيفَ ولن أكونه، تعالي نقرأ بودلير:
لن تُغني محبّة العمل عن الشجاعة أي "سيزيف"
حتى ترفع هذا العبء الفادح..*
أجمل ما في العشق تفتيته لصخرة سيزيف، وإعلانه التمرّد عليها، هازماً العبوديّة، تائقاً للحريّة، مُنْفلِتاً من كلّ المقاصد، نعم، كلّ المقاصد! لأنّ العشق عفويّة مطلقة، بالعشق نوجَد، وبالقصديّة نوجِد، فحريّ بالعشق أن يكون مادة أوليّة تُشَكِّل ما ليس بمتشكِّل.
ولأنّ العشق مادة أوليّة، حنّتْ نبيّة العشق لتلك الزهرة المُهمَلة على قارعة الطريق، قالت لنبيّها: لا تشترِ الورد لي، لا أحبّ ورد السوق، ورداً نسّقه تاجر ليبيعه، لا يليق بالأزهار إلا الحريّة، فتعال ننقذ الأزهار من لوْثة السيارات والأقدام السّاحقة، ستحيا الأزهار بعطرنا حين نحيا بعطرها، تعال..تسرقني وأسرقكَ، فلا تعيدني ولا أعيدكَ، وما أجمل الأنبياء حين يغدون لصوصاً، وكم يعشق الربّ أنبياءه العاشقين فيقول موجّهاً كلامه لمخلوقاته: انظروا كم في أنبيائي من مجانين! حينها سيُدرِكُ الخلائقَ حسدُ الحسّاد، ويتمنّون أن يكونوا أنبياء للعشق، ولكن الله سيأبى عليهم ذلك لأنه لا يعيد نماذج أنبيائه العاشقين، ولأنه لا يسمح لجماله أن يتبدّد بسهولة.
الله حارس الجمال، ومهما حاول عصاة الله أن يُفسِدوا هذا الجمال لن يقدروا، لأن الجمال كيمياء في الروح.. روح تَعْشَق، ولا يقدر على العشق إلا قلب يعرف ويعترف، وإنّ قلوب العاشقين لَصاخبة كضجيج القيامة، هادئة كلمسة الله وهو يمزج تربة آدم، عميقة كسرّ الحياة حين أودعه مخلوقه الأول.
لأنفاس العاشقين عطر الربّ يصنعه ليسافر في أرواح خلائقه، لنبضهم غواية التفاحة الأولى حين كانت سرّ المعرفة والوجود، لقلوبهم امتداد البوادي التي اختصرها الله في جبٍّ أودعه "يوسف" النبي كي يحيا حبّه "لزليخا"، لعيونهم إدراك صوفي نَبَضَ عشقه وهو يتلمّس روحه في حنايا صدره.
هناك....في دين العشق، يكون العشق كينونة تُذْهِل الكون في وجودها، وتوجِد الذُّهول في كونها.. كينونة تُذْبِل القلوبَ رقّة، فتفيض تسامحاً وغفراناً للناس.. كلّ الناس

.

************************************************************
هوامش:
* المنخل اليشكري: شاعر جاهلي من ندماء الملك النعمان بن المنذر، اشتهر بقصيدته التي مطلعها، إنْ كنتِ عاذلتي فسيري..نحو العراق ولا تحوري، والبيت المذكور أعلاه من هذه القصيدة.
* صوفي أمندسون: هي فتاة، بطلة رواية "عالم صوفي" 1991 للكاتب جوستاين غاردر، وقد كان كوخها ملجأ سريّاً، تلجأ إليه حين تغضب أو تحزن أو تفرح كثيراً.
* نرسيس: شخصيّة معروفة في الأسطورة اليونانيّة، إذ كان يطيل النظر إلى نفسه في الماء معتزّاً، مغترّاً بجماله، وكان ذلك سبباً في موته، وقد فسّر"سيغموند فرويد" 1856-1939 (مؤسس مدرسة التحليل النفسي) استناداً إلى هذه الأسطورة "النرجسية" (نسبة إلى نرسيس) أو الأنانيّة والمغالاة في حبّ الشخص لنفسه، معتبراً إياها عقدة نفسيّة تعبّر عما يختزنه اللاوعي، والجدير بالذكر أن الفيلسوف "غاستون باشلار" 1884-1962 انتقد تفسير فرويد، مستبدلاً إياه بتفسير آخر يجعل من النرجسيّة، رؤية للذات في المرآة الكونيّة، فيكون الشخص جزءاً من العالم عبر تأمل نفسه فيه.
*سيزيف: شخصيّة تمثل الصّمود والشجاعة في الأسطورة اليونانيّة، فقد كان عبداً محكوماً عليه بالعمل الشّاق طيلة حياته، وقد باتت الصّخرة التي كانت تسقط فيرفعها، ثم تسقط ولا ينثني عن إعادة رفعها رمزاً للصّبر والشّجاعة على مرّ التاريخ، ألْهَمَت الشعراء والمفكرين والأدباء.
*من قصيدة "الشؤم"، في ديوان "أزهار الشر" لشاعر الحداثة الفرنسي بودلير.



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow