Alef Logo
دراسات
              

ألغازالإنجيل: لغز قيامة يسوع

فراس الســواح

2010-11-08

في تقصّينا لمفهوم قيامة الموتى في تعاليم يسوع، وإشارته إلى قيامته هو نفسه في اليوم الثالث، يجب أن ننبه إلى أن هذا المفهوم لم يكن من مقومات العقيدة التوراتية. فالنظرة التوراتية لحياة ما بعد الموت لم تكن تختلف عما هو سائد في المنظومات الدينية المشرقية والكلاسيكية على حد سواء. فروح الميت تمكث مدة ثلاثة أيام إلى جانب جثمانه في القبر، ثم تهبط منه إلى هوة سفلية تدعى في التوراة شيئول (أو الهاوية وفق الترجمات العربية)، وهي تعادل العالم الأسفل كور في الديانة الرافدينية، وهاديس في الديانة اليونانية والرومانية. وهناك تستمر في وجود شبحي لا حرارة فيه ولا طعم. وعلى حد وصف سفر إشعيا فإن الموتى "يضطجعون معاً لا يقومون. قد خمدوا كفتيلة انطفأوا." (إشعيا 43: 17). ووصف سفر إرميا: "ينامون نوماً أبدياً ولا يستيقظون." (إرميا 51: 39). هذا النوم الذي لا صحوة منه يعبر عنه أبلغ تعبير هذا المقطع من سفر أيوب: "لأن للشجرة رجاءً إن قُطعت تُخلِفُ أيضاً ولا تَعدم خراعيبها. ولو قدِم في الأرض أصلُها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تُفرخ وتُنبت فروعاً كالغرس. أما الإنسان فيموت ويبلى، يُسلم الروح فأين هو؟ يضطجع ولا يقوم." (أيوب 14: 7: 12).
وتوصف الهاوية التوراتية على أنها عالم أسفل يقع تحت عالمنا، وإليه تذهب جميع الأرواح لا فرق في ذلك بين صالح وطالح أو بين خاطئ ونبي. وها هو يعقوب أبو الأسباط يبكي يوسف ابنه الغائب الذي يعتقد أنه قد مات ومضى إلى الهاوية، ويأمل أن يموت ليلحق به: "وقام جميع بنيه وبناته يعزونه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحاً إلى الهاوية." (التكوين 37: 35). والنبي صموئيل وهو واحد من أعظم أنبياء التوراة يهبط بعد موته إلى الهاوية. وقد عمد الملك شاؤل إلى استحضار روحه من العالم الأسفل لكي يستشيره، وذلك بواسطة وسيطة روحانية. فصعد صموئيل من عالم الموتى على هيئة شيخ مغطى بجبة، فخر شاؤل على وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاؤل: "لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ فقال شاؤل: قد ضاق بي الأمر جداً." (صموئيل الأول 28).
وتوصف الهاوية التوراتية بأوصاف تشبه ما ورد في الميثولوجيا المشرقية القديمة. نقرأ في أسطورة هبوط عشتار إلى العالم الأسفل: "إلى الأرض التي لا عودة منها وجهت عشتار أنظارها. إلى دار الظلام ومسكن الإلهة إركالا، إلى الدار التي لا يرجع منها داخل إليها، إلى الدرب الذي لا يقود صاحبه من حيث أتى، إلى المكان الذي لا يرى سكانه نوراً، حيث الغبار طعامهم والتراب معاشهم، يسبحون في الظلام فلا بصيص شعاع."(1). ونقرأ في سفر أيوب: "وكنت كأني لم أكن قط، فأُقاد من البطن إلى القبر. أليست أيامي إلى حين؟ فاكفف (يا رب) عني فأرتاح قبل أن أنصرف انصراف من لا يؤوب إلى أرض ظلمة وظلال موت، أرضٌ دجيّةٌ حالكة كالديجور." (أيوب 21: 23-31). وأيضاً: "ما رجائي؟ إنما الهاوية بيتي وفي الظلام مهدتُ مضجعي. قلتُ للفساد أنتَ أبي وللديدان أنتِ أمي وأختي. إذن أين رجائي؟ رجائي من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الهاوية." (أيوب 10: 19-22).
ولم تكن بقية الشيع الدينية في فلسطين بدورها تؤمن بقيامة الموتى، ولم يكن القبر بالنسبة إليها إلا معبراً إلى عالم الأخيلة والظلال السفلي، شأنها في ذلك شأن بقية العبادات السورية. إلا أن التبادل الثقافي الذي حصل مع فارس خلال فترة الحكم الفارسي لبلاد الشام فيما بين عام 539 ق.م وعام 332 ق.م، قد أدى إلى انتشار بعض الأفكار الدينية الزردشتية في المنطقة، وأهمها فكرة مخلّص البشرية الذي سيظهر في نهاية الأزمان، وفكرة القيامة العامة للموتى وعودة الروح إليها من أجل الحساب الأخير. وقد أثرت الفكرة الأولى على نشوء المفهوم التوراتي المتعلق بالمسيح المنتظر، كما أثرت الفكرة الثانية على نشوء تصورات شعبوية عن بعث الموتى لم يتم تبنيها رسمياً ولكنها ترسخت تدريجياً لدى إحدى الفرق اليهودية الرئيسية في القرن الأول الميلادي، وهي فرقة الفريسيين التي آمنت بالقيامة الجسدية للموتى في يوم الرب الأخير. أما فرقة الصدوقيين وهي الفرقة الرئيسية الثانية التي كانت مسطيرة على الهيكل وطقوسه، فقد بقيت ملتزمة التفسير الحرفي للتوراة وأنكرت البعث معتبرة أن الروح تموت مع الجسد وكلاهما لا يقوم. وفيما يتعلق بالفرقة اليهودية الثالثة وهي فرقة الأسينيين الأقل شأناً، فإن الشواهد من مخطوطاتها المكتشفة في موقع قمران، تكشف عن موقف ملتبس وغير واضح من هذه المسألة.
على أن هذا كله لا يستكمل المشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي. فإلى جانب الوثنية السورية التقليدية والفرق اليهودية، كان هنالك جيوب متفرقة من عبادات الأسرار، لعل أهمها شيعة جبل الكرمل التي كان لها مركز ديني مهم على ذلك الجبل، وكان أشبه بالمعهد الديني الذي يلتحق به الفتيان من أجل تلقي العلوم الدينية قبل التنسيب. وقد شاع صيت هذا المركز في العالم القديم وقصده عدد من الحكماء من أجل تلقي العلوم الروحانية، ومنهم فيثاغورث الذي تروي سيرة حياته عن اعتكافه مدة طويلة في جبل الكرمل، أكثر الجبال قداسة.(2) وعبادات الأسرار تؤمن ببعث الروح لا الجسد عن طريق الاتحاد بالإله المخلّص، ولكن هذا البعث ليس عاماً وإنما مقتصراً على من عَبَر إلى حلقة المريدين الضيقة ومارس طقوس الاستسرار.
وكان في فلسطين جماعات غنوصية متفرقة تنتمي إما إلى طريقة سمعان ماجوس أو إلى طريقة يوحنا المعمدان (راجع بحثنا السابق: يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية). والغنوصية هي نظام ديني يقوم على مبدأ ثنائية الروح والجسد، حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة والظلام وتنتمي الروح إلى عالم الأنوار العلوي الذي منه هبطت وحلت في سجن المادة. وسوف تبقى الروح حبيسة هذا العالم المليء بالشر والألم، ورهينة دورة الميلاد والموت تنتقل من جسد إلى آخر، حتى تتعرف على أصلها من خلال فعالية العرفان الذي يقودها إلى الخلاص، عندما تنضو عنها رداءها المادي وتبدأ رحلة العودة إلى ديارها. وهنا يتحول القبر من بوابة إلى دورة تناسخ جديدة إلى بوابة نحو العالم النوراني الأعلى والحياة في الأبدية. فعلى عكس الزردشتية وغيرها من النُّظُم الدينية اللاحقة التي تبشر ببعث أجساد الموتى في اليوم الأخير، فإن الخلاص الذي تبشر به الغنوصية هو خلاص الأرواح من الجسد ومن العالم في آن معاً. أما الأجساد فتسقط ولا تقوم أبداً.
"تكلم المسيح مخاطباً يحيى في أورشليم: يا يحيى، أستحلفك بالحي العظيم وبملاك الأحد الوقور، وبالدرب الذي سلكه المختارون الصالحون، حدثني ماذا تشبه سفينة صورائيل؟ أخبرني عن النفس كيف تغادر الجسد وبماذا تكون متلفّعةً؟ وماذا تشبه وهي داخل الجسد الفاني؟"…ولعل باستطاعتنا تَلَمُّس عقيدة بعث الأرواح في هذه الغنوصية الفلسطينية، من خلال تعاليم يوحنا المعمدان التي حفظتها لنا إلى اليوم طائفة الصابئة المندائيين. نقرأ في الكتاب المندائي المعروف بعنوان "تعاليم ومواعظ يحيى بن زكريا" ما يلي: لما توقف عيسى عن الكلام قال يحيى بصوتٍ عالٍ:… النفس محتجبة، تدخل خفيةً إلى الجسد الفاني، وعندما يحين الأجل تنسل خفيةً متلفّعةً برداء النور وتصعد سفينة صورائيل. تظهر ثلاثة أشعة من الضوء تلحق بها ثم تجتازها. الأول يجتازها تاركاً إياها عند المساء، والثاني يتركها عند الفجر، أما الثالث فيغادرها تاركاً لها راية بيضاء.
"تغضب النار، تتحرك النسمة منسلةً من القدم إلى الركبة، وتقترب من الخاصرة، وتصل إلى القلب قابضةً عليه، ثم تصعد حتى تأتي اللسان وتلتفُّ عليه، فتغيم عينا الإنسان وتشحب سيماؤه وشفتاه. فيناديها صورئيل قائلاً: انفصلي أيتها النسمة، لماذا ترقبين الجسد؟ فتجيب: يا صورئيل أخرجني من جسدي، امنحني لباسي وحررني. يقول لها: هات أعمالكِ، فإن الأجر هو الذي سيمنحكِ رداءكِ. فتجيب: لا أعرف يا صورئيل أن أجلي قد حان، أنهم أرسلوك إليّ. فإن كانت أعمالي حسنةً أحضر ملابسي وألبسني إياها.
"تَخْرُجُ النسمة. يحمل الجسد أربعة رجال يرتدون ملابس النور، يسيرون نحو المدفن، يضعونه في حفرة ضيقة وبهدوء يوارونه الثرى. بحزن مكتوم ينسحبون الواحد بعد الآخر تاركين الجسد المُغيَّب في اللحد. بعد ذلك يُحضرون قدحاً من الماء وبعضاً من الخبز، وينسون الجسد."(3)
ونقرأ في التسبيح الثامن والثلاثين من الكتاب المقدس المندائي "كنزا ربا" ما يلي:
"باسم الحي العظيم. أسمعُ صوت نفسٍ ما وهي تخرج من جسد الحرمان، أسمعها وهي تقول: عارية أتيتُ إلى هذا العالم، فارغة منه أخرجوني مثل عصفور لم يرافقه شيء. ثم التفتتْ إلى الهيكل الذي منه خرجتْ قائلة: ماذا أفعل بك يا جسدي الباقي في هذا العالم؟ يا جمال جسدي الذي سيأكلك في القبر الدود ماذا أفعل بك؟ يا قميص الورود، ماذا أفعل بك؟ ستمزقك الكواسر. لو كنتَ ثوب ضياء ونور للبستُكَ يا جسدي ولصعدْتَ معي إلى بيت هيِّي… ماذا أفعل بك يا جسدي وأنت من طينٍ جُبلتَ؟ من كتلة طينٍ جُبلتَ أيها الجسد، واحتملتَ اضطهاد جميع الأشرار، فماذا أفعل بك؟ وبينما النفس تُحدّث جسدها، طار إليها رسول الحي. رسول الحي طار إليها وكلّمها مشفقاً عليها: هلّمي أيتها اللؤلؤة التي من كنز الحي أُخذتْ. هلّمي أيتها الزّكية التي عطَّرت هيكل الطين ذاك. هلّمي أيتها المنيرة التي أضاءت بيتها المظلم. هلّمي انزعي رداءك الطيني رداء الدم واللحم، والبسي رداء النور والضياء. البسي ثوب العطر والأريج، وضعي إكليلك البهيج، ثم اصعدي وأقيمي بين الأثيريّين. مبارك الحي. ومبارك اسم الحي في بلد النور."(4)
من عرضنا هذا للمشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي، نخرج بنتيجة مفادها أن يسوع قد ظهر في بيئة دينية لم تكن تؤمن بالحياة الثانية، عدا قلة فريسية آمنت ببعث الأجساد المادية وعودة الروح إليها، وقلة قليلة غنوصية آمنت ببعث الأرواح دون أجسادها. وقد ركز يسوع في دعوته الموجهة إلى اليهود والوثنيين على مفهوم القيامة الروحية في مقابل مفهوم قيامة الجسد الذي يقول به الفريسيون المتأثرون بالأفكار الزرادشتية. وهذه القيامة تحصل في هذه الحياة عندما تتعرف الروح على أصلها السماوي وتُولد ولادة ثانية "من الأعلى". نقرأ في إنجيل يوحنا: "ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا وُلد من علٍ… إلا إذا وُلد وكان مولده من الماء والروح. فمولود الجسد يكون جسداً، ومولود الروح يكون روحاً… فالريح تهب حيث تشاء فتسمع هزيزها ولا تدري من أين تأتي ولا أين تذهب. تلك حالة مولود الروح." (يوحنا 3: 3-8).
وقد شغل مفهوم ثنائية الروح والجسد وما يتصل به من مفهوم قيامة الروح حيزاً كبيراً من تعاليم يسوع السرية، التي تُظهرها هذه الأقوال من إنجيل توما:(5)
* قال يسوع: عندما تعرفون أنفسكم، تعرفون وتفهمون أنكم أبناء الآب الحي. ولكن إذا لم تعرفوا أنفسكم أقمتم في الفقر وكنتم الفقر (الفقرة 3).
(المقصود بالفقر هنا هو الجسد من جهة والعالم المادي الأوسع من جهة ثانية).
* قال يسوع: طوبى لمن يقف في البداية لأنه سوف يعرف النهاية، ولن يذوق الموت (الفقرة 18). طوبى لمن وُجد قبل أن يُخلق (الفقرة 19).
(أي إن من يعرف نفسه يتوصل إلى معرفه أصلحه الروحاني القديم السابق على وجوده في الجسد الأرضي).
* قال يسوع: طوبى للمتوحدين والمصطفين فإنكم ستجدون الملكوت، لأنكم منه أتيتم وإليه ترجعون (الفقرة 49).
* قال يسوع: إذا سألوكم من أين جئتم، أجيبوهم: جئنا من النور، من المكان الذي انبثق فيه النور من تلقاء ذاته (الفقرة 50).
* قال يسوع: من عرف حقيقة العالم عرف حقيقة الجسد، ومن عرف حقيقة الجسد فالعالم ليس أهلاً له (الفقرة 56).
* قال يسوع: عندما ترون مظهركم تسرّون. ولكن هل ستتحملون رؤية صوركم التي وُجدت قبلكم، والتي لا تموت ولا تتبدى؟ (الفقرة 84).
(أي لا يدري المرء أن وراء صورته التي يزهو بها في هذا العالم، صورة أخرى نورانية موجودة منذ القدم، لا تموت مثل الصور المادية ولا تتمظهر على طريقتها).
* قال يسوع: الجسم العالةُ على جسم ما أشقاه، والنفس العالة على هذين الاثنين ما أشقاها (الفقرة 87).
(المقصود بالجسم الأولى هو جسم الإنسان، والجسم الثانية هي العالم).
* قال يسوع: السماوات والأرض سوف تُدرج أمام أنظاركم، ولكن من يحيا في الواحد الحي لن يرى الموت. ألم أقل لكم إن من وجد نفسه فالعالم ليس أهلاً له.

مثل هذه الأفكار هي التي آمنت بها الحلقة الضيقة من أتباع يسوع، والتي عَبَرَ أفرادها إلى أسرار ملكوت الله التي لم تكن متاحة للذين هم "من خارج"، على حد وصف يسوع (راجع إنجيل مرقس 4: 10-12). وعندما مات معلمهم كانوا على ثقة من أنه قام في اليوم الثالث قيامة روحية وجلس عن يمين الآب، لأن العالم الروحاني في الملأ الأعلى لا يقبل في نسيجه جسداً ثقيلاً جاء من عالم المادة، وهذا الجسد سوف يكون غريباً في ذلك العالم مثل غربة ذلك العالم عنه. وإذا كان يسوع قد قام روحياً فإن هذه القيامة ستكون متاحة لكل من آمن به وسار على طريقه.
وقد عبّر بولس الرسول في رسائله بأوضح شكل عن هذه التعاليم التي تلقاها من تلاميذ يسوع عندما تعمّد ودخل إلى أسرار ملكوت الله. فبولس لم يتحدث أبداً عن قيامة جسدية ليسوع، ومن رآه من التلاميذ بعد قيامته قد واجهه على المستوى الروحاني. فالجسد عند بولس يشكل غربة عن الله، والإنسان لا يدخل ملكوت الله إلا إذا تخلى عن جسده. يقول في رسالته الثانية إلى أهالي كورنثة: "ولذلك لا نزال واثقين كل الثقة عارفين أننا ما دمنا في هذا الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا نهتدي بإيماننا لا بما نراه. فنحن إذاً واثقون، ونُفضّل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الرب." (2كورنثة 5: 6-8). والجسد الذي يدفن في القبر يكون جسماً مادياً ولكنه يُبعث جسماً روحانياً: "يُدفن الجسم في فساد ويُقام في عدم فساد، يُدفن في هوان ويُقام في مجد، يُدفن في ضعف ويُقام في قوة، يُدفن جسداً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً… كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي. أقول لكم أيها الإخوة إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفسادُ عدمَ الفساد." (1كورنثة 15: 42-50).
في هذا المقطع يبسّط بولس جوهر تعاليم يسوع المتعلقة ببعث الروح وخلودها. ويُعبر عن الشكل الأقدم لعقيدة القيامة كما آمن بها الخاصة من تلاميذ يسوع، وكما فهموا من خلالها قيامة معلّمهم. فإذا كان الفسادُ لا يرث عدم الفساد، فإن يسوع لم يصعد إلى السماء بجسده العنصري وإنما بروحه، أو بجسده المجيد الذي تغير، على حد تعبير بولس: "أما نحن فموطننا في السماوات، ومنها ننتظر المخلص يسوع المسيح، الذي يبدل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد." (فيليبي 2: 20-21). وعندما تحدث بولس عن ترائي يسوع القائم من بين الأموات للرسل ثم ترائيه له أخيراً وهو على الطريق إلى دمشق، فقد كان يتحدث عن مواجهة مع يسوع على المستوى الروحاني لا على المستوى المادي. ويسوع عندما كلم يولس لم يظهر له في هيئة مادية وإنما عبّر عن حضوره من خلال نور سطع من السماء وأضاء حول بولس. نقرأ في سفر أعمال الرسل: "وإنه لسائرٌ وقد اقترب من دمشق، إذا نور من السماء قد سطع حوله، فسقط إلى الأرض وسمع هاتفاً يقول له: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقال له: من أنت يا سيدي؟ قال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده." (أعمال 8: 3-5).
كيف إذن تحولت قيامة يسوع من قيامة روحانية آمن بها بولس بعد أن شعر بحضور يسوع غير المرئي، إلى قيامة جسدية عند مؤلفي الأناجيل الذين حشدوا لها عدداً من الشهود لم تتفق شهاداتهم بخصوص ما رأوا وما سمعوا؟ في الحقيقة لا يمكننا فهم هذا التحول إلا من خلال صراع التيارات المتخالفة ضمن الجماعات المسيحية المبكرة، ورجحان كفة اليهود المتنصرين من ذوي الخلفية الفريسية، والذين جلبوا معهم فكرة بعث الأجساد وفرضوها على العقيدة المسيحية خلال عقود التكوين الأولى.
على أن مفهوم البعث الروحاني ليسوع بقي حياً لدى الفرق المسيحية الغنوصية وكان بمثابة حجر الزاوية في تعاليمها التي لا ترى في القيامة الجسدية سوى مباركة الجسد المادي الذي يسعى الغنوصي للتخلص منه. والمسيحيون الغنوصيون ينقسمون إلى فريقين في نظرتهم إلى قيامة يسوع. فالفريق الأول يميز بين يسوع الأرضي المولود من امرأة والمسيح السماوي الموجود لدى الآب منذ القدم، وقد هبط هذا المسيح السماوي على يسوع وتطابق معه لحظة خروجه من الماء بعد أن تعمد على يد يوحنا المعمدان، ثم غادره عندما مات على الصليب. ونستطيع تلمُّس مثل هذه الأفكار في عدد من النصوص المنسوبة إلى المعلم فالنتينوس الذي كان عضواً في كنيسة الاسكندرية قبل أن يؤسس طائفته الغنوصية الخاصة، ونصوص أخرى منسوبة إلى تلاميذه، ومنها نص حوار المخلص، والرسالة الثلاثية، وإنجيل الحقيقة، وتفسير الغنوص، وجميعها من نصوص مكتبة نجع حمادي(6). أما الفريق الثاني فقد تبنى مفهوماً أكثر راديكالية ، إذ يرى أن ظهور المسيح بين الناس لم يكن إلا ظهوراً شبحياً على الرغم مما تبدى للناس من ماديته. فلقد هبط المسيح من السماء هبوطاً روحانياً وصعد صعوداً روحانياً من غير أن تمسه أدران المادة. ويعبّر عن هذا الاتجاه أفضل تعبير النص الغنوصي المعروف بعنوان أعمال يوحنا. فقد لاحظ يوحنا خلال مرافقته ليسوع أن قدميه لم تكونا تتركان أثراً على الأرض وأن عينيه لم تكونا ترمشان أبداً. وبعد أن أُسلم يسوع إلى الصلب وهرب تلاميذه، مضى يوحنا وقبع في كهفٍ يبكي. عندها تراءى له يسوع وقال له: بالنسبة للناس هناك في الأسفل، أنا مصلوب وخاصرتي مثقوبة بالرمح وأتجرع الخل والمرار، ولكني بالفعل لم أعانِ أياً من هذه الأمور. وها أنذا معك فاستمع لِمَا أقول(7).
وفي الحقيقة فإن المتتبع للتطورات اللاهوتية التي طرأت على العقيدة المسيحية خلال القرون الخمسة أو الستة التي أعقبت وفاة يسوع، ليعجب من تعايش مفهوم القيامة الجسدية ليسوع مع الاتجاه الذي كان يركز أكثر فأكثر على ألوهيته، على الرغم من استحالة التوفيق بين جوهر الجسد وجوهر الألوهة. هذا العجب يبلغ أشده بعد إصرار اللاهوت المسيحي على تبني مفهوم القيامة الجسدية مع تبنيه في الوقت نفسه لعقيدة الثالوث. فكيف يكون يسوع في السماء أحد تجليات الثالوث الأقدس مع احتفاظه بجسده الذي يحمل آثار الثقوب في يديه وأثر الحربة في جنبه؟ وكيف يلتقي جوهر الألوهة بجوهر الجسد في الحقيقة الكلية التي يمثلها الثالوث؟

الهوامش:
1. راجع ترجمتي الكاملة للنص في مؤلفي "مغامرة العقل الأولى"، باب العالم الأسفل.
2. يقول الكاتب الأفلاطوني الحديث يمليخا الأفامي (نسبة إلى مدينة أفامية السورية) الذي كتب سيرة فيثاغورث، إن فيثاغورث قد اتصل بالفلاسفة اليونانيين وهو في سن السابعة عشرة، وتتلمذ على يد طاليس الذي حثه على السفر إلى الشرق والاختلاط بالكهنة هناك لأنه سيحصل منهم على كل ما يجعله حكيماً. فسافر أولاً إلى مدينة صيدا الفينيقية واطلع على الأسرار الدينية. ثم قصد جبل الكرمل أكثر الجبال قداسة واعتكف فترة طويلة في معبده المشهور. وبعد ذلك أبحر إلى مصر حيث تعلم علوم الفلك والرياضيات واطلع على حكمة المصريين. ومنها توجه إلى بابل. راجع:
يمليخا: فيثاغورث، حياته وفلسفته، ترجمة زياد الملا، دار الينابيع، دمشق 2005، الفصل الثالث.
3. دارشة أد يحهيا، مواعظ وتعاليم النبي يحيى بن زكريا، ترجمه عن الآرامية أمين فعيل حطاب، بغداد 2001، النص رقم 30.
4. كنزا رَبَّا، الكنز العظيم، ترجمة د. يوسف متى قوزي ود. صبيح مدلول السهيري، بغداد 2001، التسبيح رقم 38، القسم اليسار، ص 128-132.
5. راجع ترجمتي الكاملة لإنجيل توما في مؤلفي "الوجه الآخر للمسيح"، الملحق.
6. James M. Robinson, edt, The Nay Hammadi Library, Harper, New York, 1978.
7. M. R. James, The Apocryphal New Testament, Oxford, 1983, pp. 228-270.
التعليق على هذا المقال
تعليقات حول الموضوع- عدنان غزالي
22 تشرين الأول (أكتوبر) 08:15
وفي الحقيقة فإن المتتبع للتطورات اللاهوتية التي طرأت على العقيدة المسيحية خلال القرون الخمسة أو الستة التي أعقبت وفاة يسوع، ليعجب من تعايش مفهوم القيامة الجسدية ليسوع مع الاتجاه الذي كان يركز أكثر فأكثر على ألوهيته، على الرغم من استحالة التوفيق بين جوهر الجسد وجوهر الألوهة. هذا العجب يبلغ أشده بعد إصرار اللاهوت المسيحي على تبني مفهوم القيامة الجسدية مع تبنيه في الوقت نفسه لعقيدة الثالوث. فكيف يكون يسوع في السماء أحد تجليات الثالوث الأقدس مع احتفاظه بجسده الذي يحمل آثار الثقوب في يديه وأثر الحربة في جنبه؟ وكيف يلتقي جوهر الألوهة بجوهر الجسد في الحقيقة الكلية التي يمثلها الثالوث؟ " هذا السؤال لا معنى له لأننا لسنا في مقام وعي بل في مقام لاوعي .في هذا المقام كل المتناقضات جائزة!!!لنتأمل هذا الخطاب الحاسم :"…ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو من كثير .قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و يهديهم إلى سراط مستقيم"سورة المائدة . ولنستحضر تأكيد فرويد في الدرس الأول من "خمسة دروس في التحليل النفسي ":"إننا لا نحاصر اللاوعي إلا في حضور النور"C’est en pleine lumière qu’on triomphe de l’inconscient"

عن موقع الأوان

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور

22-كانون الأول-2016

أطوار صورة الله في التوراة

15-تشرين الأول-2016

القيامة والتصورات الآخروية ج1

24-أيلول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow