Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الفراشات قصة : إيان ماك – إيوين ترجمة :

صالح الرزوق

خاص ألف

2010-11-07

شاهدت أول جثمان في حياتي يوم الخميس. و الآن هو يوم الأحد ، و ليس أمامي شيء أفعله. الطقس شديد الحرارة. لم يكن ملتهبا إلى هذه الدرجة في إنكلترا من قبل. و قرابة منتصف اليوم قررت أن أخرج بنزهة. وقفت أمام البيت مترددا. لم أكن أعلم أين أذهب : يسارا أم يمينا.

و كان شارلي على الطرف الآخر من الشارع ، و هو تحت سيارة ، لا بد أنه لمح ساقي لأنه نادى يقول : " كيف حالك مع الألغاز ؟". لم تكن بحوزتي أجوبة جاهزة على أسئلة من هذا النوع. بحثت في ذهني لعدة لحظات ، و قلت : " كيف حالك يا شارلي ؟". خرج زحفا من تحت السيارة. كانت الشمس من طرفي على الشارع ، و تنسكب مباشرة في عينيه. و قد وضع كلتا يديه فوقهما للحماية ، و قال : " إلى أين تذهب الآن ؟". مجددا لم أعرف الجواب. كان هذا هو يوم الأحد ، و ليس لدي واجب أقوم به ، و كان الطقس ملتهبا جدا....

قلت له : " سأخرج ... بنزهة". و عبرت الشارع و نظرت في محرك السيارة ، و هذا لم يكن يعني شيئا لي. كان شارلي رجلا مسنا و لديه إلمام بالماكينات. و هو يصلح السيارات لبعض الأشخاص في الشارع مع بعض أصدقائهم. دار حول السيارة و بيديه حقيبة الأدوات الثقيلة. و قال : " لقد ماتت إذا ؟". و وقف هناك ليمسح كماشة بقماشة من القطن استعدادا للخطوة التالية. كان يعلم التفاصيل ، طبعا ، و لكن كان يرغب أن يسمع وجهة نظري. قلت له : " نعم. لقد ماتت". و انتظر أن أتابع. استندت على السيارة. كان ملمس سقفها حارا جدا . و حرضني شارلي بقوله : " التقيت بها إذا...". " كنت على الجسر. و رأيتها و هي تركض بمحاذاة القناة". " رأيتها....." " لم أشاهد كيف سقطت ". أعاد شارلي الكماشة إلى علبة الأدوات. و استعد ليزحف كرة أخرى تحت السيارة ، و كانت هذه طريقته ليخبرني أن الموضوع انتهى.

و كنت مشغولا باتخاذ قرار حول الاتجاه الذي سأسير فيه. قبل أن يختفي شارلي من مرمى البصر قال لي : " يا للعار. يا للخزي ". تقدمت يسارا لأنها الجهة التي كنت أنظر إليها. و تجاوزت عدة شوارع ، بين أرصفة و سيارات متوقفة تغلي من الحرارة. و في جميع الشوارع انتشرت نفس رائحة الطهي . و سمعت نفس برامج الإذاعة تأتي من نوافذ مفتوحة. و شاهد الهررة و االكلاب مع قليل من البشر ، و لكن من مسافة بعيدة. تخلصت من سترتي و حملتها على ذراعي. كنت أود لو أقتر ب من الأشجار و مياه الأنهار. لم تكن هناك حديقة في هذا القطاع من لندن ، و لكن يوجد مواقف للسيارات فقط. و هناك القناة ، القناة البنية التي تمر من بين المصانع و البقايا القديمة ، نفس القناة التي غرقت فيها جين الصغيرة. مشيت إلى المكتبة العامة. كنت أعلم مسبقا أنها مغلقة و لكن فضلت لو أجلس على سلالمها في الخارج. و الآن و قد جلست هناك ، اخترت خطا رفيعا من الظل. كانت تهب في الشارع نفحة هارة من الهواء ، و قد دفعت الأوراق المهملة بين قدمي. نظرت إلى رقعة من جريدة تتدحرج في وسط الشارع ، و هي صفحة ممزقة من ( دايلي ماينور - هوامش يومية ). توقفت قليلا و أصبح بمقدوري قراءة جزء من العناوين الرئيسية. " الرجل الذي ..." و لكن لا يوجد هنا أي رجل.

سمعت صوت قرقعة عربة المثلجات تأتي من المنعطف القريب ، و شعرت بالعطش فورا. كانت تعزف على البيانو مقطوعة لموزارت. توقف فجأة ، في وسط إحدى النغمات ، و كأن شخصا مجهولا ضرب الماكينة. تقدمت في الشارع بسرعة ، و لكن عندما اقتربت من المنعطف ، لم أجد أحدا. بعد لحظة سمعت الصوت مرة أخرى ، و كان يأتي من مسافة بعيدة جدا. لم أشاهد أحدا في طريق عودتي.. كان شارلي قد اختفى في الداخل ، و السيارة التي عمل عليها ليست هناك. شربت الماء من صنبور في المطبخ . قرأت في مكان ما أن كل كوب من مياه صنابير لندن مشروبة خمس مرات من قبل. كان الطعم معدنيا. و ذكرتني بالطاولة الستانليس ستيل حيث كانت البنت الصغيرة ، جثتها. ربما هم يستعملون المياه المعدنية لتنظيف غطاء طاولة المشرحة. كنت على موعد لمقابلة أهل البنت في السابعة مساء. و هي ليست فكرتي ، و لكنها فكرة رقيب الشرطة ، الشرطي الذي سجل إفادتي.

كان من المفروض أن أبدو متماسكا ، و لكنه ناور معي ، و أرعبني. و عندما تكلم معي أمسك بمرفقي ، و ربما هذه خدعة تعلمها في مدرسة الشرطة ليستمد منها القوة و العزيمة اللازمة. لقد أمسك بي و أنا أغادر المبنى و ثبتني في إحدى الزوايا. و لم يكن سهلا التملص منه بلا مشاحنة. و ألقى كلماته أمامي بهدوء ، و بسرعة ، و بصوت هامس متقطع. قال : " كنت آخر من شاهد البنت الصغيرة قبل أن تموت.؟.." و التقط أنفاسه عند الكلمة الأخيرة ، و تابع : " ... و كما تعلم ، طبعا ، الأبوان يرغبان بلقائك". كم أرعبني بمضمون كلامه ، مهما كان معناه ، و عندما لمسني شعرت بقوته الكامنة. ثم شد من قبضته قليلا و هو يقول : " و أخبرتهم أنك ستأتي. أنت تقريبا جار لهم ، أليس كذلك؟". و أعتقد أنني نظرت بعيدا و هززت رأسي. فابتسم ، و هكذا تحدد الموعد. و مع ذلك ،

كان هذا شيئا ، لقاء ، حادثا يلقي على يومي معنى محددا. و في وقت متأخر من الظهيرة قررت أن أستحم و أرتدي ملابسي. و كان أمامي وقت لأقتله. وجدت قارورة عطر غير مفتوحة ، و قميصا نظيفا. و بينما كانت المياه تنسكب في الحمام تخليت عن ثيابي و نظرت إلى جسمي في المرآة. كنت إنسانا له مظهر يثير الشبهات ، أعلم ذلك سلفا ، إذ لم تكن لي ذقن. و مع أنك لا تعلم لماذا ، كنت محط الشبهات في مركز الشرطة قبل الإدلاء بالإفادة. ثم أخبرتهم أنني كنت أقف على الجسر ، و هكذا رأيتها من الجسر و هي تعدو على ضفة القناة. و قال لي رقيب الشرطة : " كان ذلك بمحض الصدفة. أليس كذلك؟. أقصد أنها تسكن بنفس الشارع الذي تسكن فيه". كانت ذقني و رقبتي بنفس الحالة ، تحرضان على عدم الثقة. و كانت أمي من هذا القبيل أيضا. و فقط بعد أن غادرت المنزل انتبهت كم هي مفرطة في مظهرها الكئيب.

و قد توفيت في العام السابق. لم تكن النساء معجبات بذقني ، و لم تود إحداهن التقرب لي. و قل نفس الشيء عن والدتي ، لذلك لم يكن لديها أصدقاء. كانت تعيش وحيدة ، و حتى أنها تخرج في العطلة وحدها. و كانت سنويا تزور ليتل هامتون و تجلس في كرسي على الشاطئ بمعزل عن الآخرين ، و بمواجهة البحر. و في خاتمة حياتها أصبحت عدوانية و نحيلة ، مثل كلب ( ويبيت ). و في يوم الخميس السابق عندما وقعت عيني على جثة جين لم تكن لدي أية أفكار خاصة عن الموت. شاهدت كلبا مدهوسا ذات مرة. و رأيت الدولاب و هو يمر من فوق رقبته ، و عيناه تخرجان من محجريهما. لم يترك ذلك انطباعا محددا عندي. و عندما توفيت والدتي لم أقترب منها ، بشكل خاص بسبب الإهمال ، و لأنني لا أحب الأقارب. و لم يكن عندي فضول لرؤيتها ميتة ، و رفيعة و قد وخطها الشيب ، و ممدة بين أكاليال الزهور. و تخيلت موتي شيئا خاصا مثل موتها. و لكن في تلك الفترة لم أشاهد جثة على الإطلاق. الجثة تساعدك على مقارنة الموت بالحياة. من عتبة سلالم حجرية قادوني إلى الأسفل و بامتداد ممر طويل. كنت أعتقد أن المشرحة مكان خاص ، و لكن كانت في مبنى للمكاتب ، يبلغ ارتفاعه سبعة طوابق. ثم وصلنا إلى القبو. و سمعت صوت نقرات الآلة الكاتبة من نهاية السلم. و كان الرقيب هناك ، مع شخصين آخرين يرتديان البذة. فتح الباب الدوار من أجلي. و لم أعتقد فعلا أنها ستكون هناك. و نسيت الآن ماذا كنت أتوقع : رؤية صورة فوتوغرافية لها ، ربما ، و بعض الأوراق و الوثائق لأوقع عليها.

لم أرسم للمشهد صورة واضحة في ذهني. و لكنها كانت هناك. و كان يوجد أيضا خمس مناضد معدنية من الستانليس ستيل و مرتبة في صف واحد. و كانت مصابيح فلوريسينت معلقة ضمن رؤوس من القصدير الأخضر و تتدلى من السقف بواسطة سلاسل طويلة. أما هي كانت ممددة على منضدة قريبة من الباب مباشرة و مستلقية على ظهرها ، راحتاها مفتوحتان ، الساقان متشابكتان ، و الفم مفتوح على سعته ، و العينان كذلك مفتوحتان ملء البصر ، و شديدتا الشحوب و شديدتا الهدوء. و كان شعرها لا زال رطبا قليلا. و يبدو أن ثوبها الأحمر مغسول من فترة بسيطة. و قد علقت بها رائحة خفيفة من القناة. و أفترض أن هذا ليس غريبا لو أنك شاهدت من قبل عددا آخر من الجثث ، كما هو حال الرقيب. ثم رأيت جرحا صغيرا قرب عينها اليمنى. و رغبت لو ألمسها و لكن شعرت أن أحدا يراقبني عن كثب. مثل بائع سيارات مستعملة ، قال الرجل صاحب المعطف الأبيض بصوت خشن : " إنها في التاسعة من عمرها فقط". و لم يعلق أحد ، و أمعنا جميعا النظر في ملامح وجهها. و اقترب رقيب الشرطة مني عند طرف المنضدة و في يديه بعض الأوراق.

و قال : " حسنا ". ثم عدنا إلى الممر من حيث أتينا. في الأعلى وقعت على الأوراق ، و ذكرت فيها أنني كنت أسير على الجسر قرب بداياته عند خطوط السكة الحديدية و هناك رأيت البنت ، و هي نفس الموجودة في الأسفل ، و التي كانت تعدو على ضفة القناة. يومذاك نظرت بقدر ما استطيع ، و بعد قليل شاهدت شيئا أحمر في المياه ، و كان يغوص بعيدا عن بصري. و بما أنني لا أسبح ناديت على أحد رجال الشرطة ، و قام بدوره بالتنقيب في المياه ، و قال إنه لا يرى شيئا. ذكرت له اسمي و عنواني و غادرت إلى البيت. و بعد ساعة و نصف من الوقت سحبوها من القاع بالحبل. وقعت على ثلاث نسخ من الإفادة. و بعد ذلك لم أغادر المبنى لفترة طويلة. و في أحد الممرات رأيت كرسيا من البلاستيك المضغوط و جلست عليه. أمامي ، و من خلال باب مفتوح ، كان بمقدوري رؤية بنتين تطبعان على الآلة في المكتب. و لاحظتا أنني أراقبهما ، فتبادلتا الحديث ثم الضحكات.

و جاءت إحداهما و هي تبتسم ، و سألت هل اهتم أحد بموضوعي. و أخبرتها أنني أجلس و أفكر فقط. و عادت البنت إلى مكتبها ، و مالت على منضدتها و قالت شيئا للأخرى. و نظرتا نحوي بإمعان. كانتا تشتبهان بي. هذا هو شأني دائما. لم أكن في الواقع أفكر بالبنت الراقدة في الأسفل. كانت خيالاتها تختلط في ذهني ، حية و ميتة ، و لكن حاولت أن لا أتدخل فيما يتعلق بذلك. و جلست هناك طوال المساء لأنني لم أشعر بالرغبة في المغادرة إلى أي مكان. و أغلقت البنتان باب مكتبهما. و أخيرا انصرفت لأن الجميع ذهبوا إلى بيوتهم و أقفلوا أبوابهم. كنت آخر شخص يغادر المبنى. استغرقت وقتا طويلا لأرتدي ثيابي. و كويت بذتي السوداء ، كنت أعتقد أن اللون الأسود مناسب. و اخترت ربطة عنق زرقاء لأنني لم أرغب بالاكتفاء باللون الأسود. ثم ، كنت على وشك أن أغادر البيت ، و هنا بدلت رأييي. و صعدت على السلالم لأتخلص من البذة و القميص و ربطة العنق. فجأة شعرت بالقلق من هذه التجهيزات. لماذا كنت متسرعا في الحصول على موافقتهم ؟. و ارتديت السروال و البلوزة القديمين. و ندمت على الحمام و حاولت أن أمسح العطر من خلف رقبتي. و لكن كانت هناك رائحة أخرى ، و هي من الصابون المعطر الذي استخدمته في الحمام. لقد استخدمت نفس االصابون يوم الخميس الماضي ، و كان هذا أول شيء أخبرتني به البنت الصغيرة ، فقد قالت : " تأتي منك رائحة تشبه باقة من الزهور". كنت أمر من أمام حديقة بيتها الصغير في نزهة. تجاهلتها. بالعادة لا أتكلم مع الأطفال ، و أجد ذلك صعبا و لا أستطيع أن أنظم نبرة صوتي. و إن بساطة الأولاد تبدو لي مؤسفة ، إنها تضغط على أعصابي. في السابق شاهدت هذه البنت عدة مرات تلعب في الشارع ، و غالبا وحدها ، أو تراقب شارلي. و يومها غادرت حديقة بيتها و تبعتني. قالت لي : " إلى أين أنت ذاهب ؟". مجددا تجاهلتها ، على أمل أن تفقد الاهتمام بي. و فوق ذلك ، لم تكن عندي فكرة واضحة عن المكان الذي أسير إليه. و هنا سألت من جديد : " إلى أين تذهب ؟". بعد صمت قصير قلت : " هذا ليس شأنك ". و سارت ورائي مباشرة بحيث لا يمكنني رؤيتها.

و كنت أشعر أنها تقلدني في مشيتي و لم ألتفت لأتأكد. " هل أنت بصدد حانوت السيد واطسون ؟". " أجل ، أنا في طريقي إلى حانوت السيد واطسون ". اقتربت حتى أصبحت بمحاذاتي و قالت : " اليوم مغلق. إنه الأربعاء". لم أرد. و عندما وصلنا إلى المنعطف في نهاية الشارع قالت : " إلى أين أنت ذاهب بحق الرب؟". نظرت إليها عن قرب لأول مرة. كان وجهها طويلا و رقيقا و فيه عينان واسعتان و حزينتان. و كان شعرها البني مربوطا بخصل و بواسطة شريط أحمر يناسب ثوبها القطني الأحمر. كانت جميلة بطريقة غريبة و غير مستقيمة ، و كأنها بنت من لوحة للرسام موديغلياني. قلت لها : " لست أعلم بالضبط. هذه مجرد نزهة على الأقدام ". " أرغب لو أكون معك". لم أرد ، و تابعنا سوية نحو مركز التسوق. التزمت بالصمت مثلي ، و حافظت في مسيرها على مسافة صغيرة ورائي و كأنها تتوقع أن أدعوها إلى الانصراف. و كان معها لعبة يوجد مثيلها لدى كل أولاد هذه المنطقة. إنهم يلعبون بكرتين صلبتين مربوطتين بنهاية حبل و ترتطمان ببعضهما بسرعة لدى تحريك الحبل باليد. و يصدر عنهما صوت مثل ضربات الكرة على الأرض. أعتقد أنها كانت تفعل ذلك لتبهجني. كنت أشعر بصعوبة دعوتها إلى الابتعاد. ثم كنت لا أتبادل الحديث مع أحد خلال الأيام الماضية. عندما هبطت على السلالم بعد تبديل ثيابي مجددا كانت الساعة تشير إلى السادسة و النصف. كان أهل جين يقطنون في بيت بنفس طرف بيتي ، و يبعد بمقدار إثني عشر بيتا بيننا. و منذ انتهيت من تحضيراتي قبل خمسة و أربعين دقيقة ، كنت قد عزمت على نزهة لقتل الوقت. ترددت عند مدخل الباب ، و أنا أفكر بأفضل اتجاه. كان شارلي أمام الباب يصلح سيارة أخرى. لقد شاهدني ، و من غير رغبة ملحة اقتربت منه .

و نظر نحوي بلا أية ابتسامة. قال : " إلى أين في هذه المرة ؟". تكلم معي و كأنني ولد صغير. قلت له : " لأستنشق بعض الهواء. لأستنشق شيئا من هواء المساء". كان شارلي يحب أن يعلم ماذا يحدث في الشارع. و هو يعرف كل الأشخاص هنا ، حتى الأولاد. و غالبا كنت أشاهد البنت الصغيرة في الخارج برفقته. و في آخر مرة كانت تحمل له الكماشة. و لسبب ما كان شارلي يلومني على موتها. و أمضى طوال يوم الأحد و هو يفكر بذلك. و رغب أن يسمع الملابسات من وجهة نظري ، و لكنه خجل من توجيه الأسئلة لي مباشرة. ثم قال : " سترى والديها إذا، في الساعة السابعة ؟". " نعم. في الساعة السابعة". و انتظر أن أتابع. تحركت حول السيارة في دائرة مغلقة. كانت كبيرة ، و قديمة و يعلوها الصدأ ، من نوع فورد زودياك ، نوع السيارات الشائع في هذا الشارع. كانت ملكا لعائلة باكستانية لديها حانوت صغير في نهاية الشارع. و لأسباب خاصة كانوا يطلقون على الحانوت اسم " عائلة واطسون ". و قد تلقى ولداهما ضربا مبرحا من إثنين من أصحاب الرؤوس الحليقة. لذلك كانوا يوفرون النقود للعودة إلى بيشاور. كان الرجل العجوز يخبرني عن مشاكله كلما ذهبت إلى حانوته ، و لماذا يرغب بالعودة مع عائلته ، بسبب العنف و الطقس القاسي الذي يعصف بلندن. قال لي شارلي من الطرف الآخر لسيارة السيد واطسون : " لقد كانت هناك فقط". لقد كان يضعني في موقع الاتهام .

قلت له : " نعم ، أعلم ذلك. يا للعار". درنا حول السيارة. ثم قال لي شارلي : " ورد الخبر في الجريدة. هل رأيته ؟ و ذكر أنك من رأيتها و هي تسقط". " هذا صحيح". " ألم تتمكن من اللحاق بها لنجدتها؟". " كلا. لم تسنح الفرصة. لقد غرقت". و درت حول السيارة بدورة عريضة ثم ابتعدت. كنت أعلم أن عيني شارلي مثبتة علي طوال مسيري في الشارع ، و لكن لم ألتفت إلى الخلف لأتأكد من شبهاته. و في نهاية الشارع تظاهرت أنني أنظر إلى طائرة ، و اغتنمت الفرصة لأنظر من فوق كتفي. كان شارلي يقف بمحاذاة السيارة ، يداه على خاصرتيه ، و لا يزال يتفحصني باهتمام. و كانت هناك هرة كبيرة بيضاء و سوداء تجلس عند قدميه ، رأيت كل ذلك في لمحة ثم دخلت في أول منعطف. كانت الساعة حوالي السادسة و النصف. و قررت أن أذهب إلى المكتبة لأنتهي من الوقت المتبقي. كانت هذه هي نفس النزهة التي قمت بها من قبل. و كان هناك مزيد من الناس. تخطيت حلقة من الأولاد من الهنود الغربيين كانوا يلعبون بكرة القدم في الشارع. و تدحرجت الكرة نحوي و قفزت من فوقها. وقفوا بالانتظار بينما أحد اليافعين يحاول الإمساك بالكرة. و بينما كنت أبتعد عنهم التزموا بالصمت ، و راقبوني بعيونهم عن كثب. و حينما انفصلت عنهم بمسافة كافية ، ألقى نحو قدمي أحدهم حجرة صغيرة مرت بالشارع ، و من غير أن ألتفت و حتى تقريبا بلا رمشة عين أمسكت بها بمهارة تحت قدمي. كان تصرفا بمنتهى الذكاء. و ضحكوا جميعا لذلك و صفقوا لي و ابتهجوا ، و طوال دقيقة استثنائية خطر ببالي أنه بإمكاني العودة إلى الخلف و الانضمام إليهم في لعبتهم. استعادوا الكرة و شرعوا باللعب مجددا.

و مرت اللحظة و تابعت في طريقي. كان قلبي يدق بسرعة من الإثارة. و حتى عندما وصلت إلى المكتبة و جلست على السلالم. كان بإمكاني أن أشعر بخفقات و نبضات تنتفض في طرفي رأسي. مثل هذه المناسبات تكون قليلة . أنا لا أقابل العديد من الأشخاص ، و في الواقع لا أتكلم إلا مع شارلي و السيد واطسون. أتبادل الكلام مع شارلي لأنني كلما غادرت البيت أراه أمامي ، و هو أول من أتكلم معه عادة ، و لا يوجد مفر منه لو رغبت بالخروج من البيت. و لا أتكلم مع السيد واطسون مرارا بمقدار ما أستمع له ، و أنا أستمع له لأنه من الضروري أن أزوره في حانوته لشراء الخضار. و أن يكون معي رفيق في مشاوير يوم الأربعاء عبارة عن فرصة ، أيضا ، حتى لو أنها بنت صغيرة ليس بوسعها أن تفعل شيئا. و مع أنني لم أقر بذلك في حينها ، شعرت بالسرور بسبب اهتمامها الفطري بي ، و هكذا انجذبت لها ، و رغبت لو أكسب صداقتها. و لكن في البداية كانت حالتي عسيرة. كان عليها أن تسير ورائي قليلا ، و هي تلعب بدميتها ، و كل ما انتبهت له ، أنها كانت تومئ نحوي مثل بقية الأولاد. و عندما وصلنا إلى شارع التسوق المجاور ، اقتربت مني و أصبحت بموازاتي. قالت لي : " لماذا لا تذهب إلى أشغالك؟ والدي يذهب ليعمل كل يوم باستثناء يوم الأحد". " لست بحاجة للعمل ". " هل لديك الكثير من النقود؟. الكثير جدا". أومأت برأسي. و قلت : " أجل". " هل بإمكانك أن تشتري لي شيئا لو رغبت به؟". " لو شعرت بالموافقة عليه". و هنا اشارت بيدها إلى دكان ألعاب. و قالت : " واحدة منها ، رجاء ، هيا ، واحدة من تلك الأشياء ، هيا". كانت متمسكة بذراعي ، و هي ترقص على الرصيف بطريقة تنم عن الطمع و تحاول أن تدفعني إلى الدكان. لم يلمسني أحد عمدا بتلك الطريقة لفترة طويلة ، منذ كنت طفلا صغيرا. شعرت بوعكة باردة في المعدة و تهالكت واحدة من ساقي.

كان بحوزتي بعض المال في جيبي و لم يكن بمقدوري أن أرى سببا يمنعني من شراء شيء لها. طلبت منها الانتظار في الخارج و دخلت إلى الحانوت و اشتريت ما أرادت ، دمية صغيرة وردية اللون و عارية و مصنوعة من قالب بلاستيكي واحد. ما أن استلمتها حتى فقدت الرغبة بها على الفور. و في نهاية الشارع طلبت مني أن أشتري لها مثلجات. وقفت أمام باب الدكان بانتظاري. و لكن لم تلمسني في هذه المرة. طبعا ، ترددت ، لم أكن متيقنا مما يحدث. و لكن انتابني الفضول حيالها و حيال تأثيرها عليّ ، فقدمت لها المال الكافي لشراء المثلجات لكلينا و طلبت منها أن تدخل لتشتري. من الواضح أنها كانت معتادة على الهدايا. و عندما تقدمنا قليلا في الشارع سألتها بألطف طريقة : " ألا تشكرين من يقدم لك الهدايا ؟". نظرت نحوي بإمعان ، و شفتاها النحيفتان و الشاحبتان تدوران حول المثلجات و قالت : " كلا". سألتها عن اسمها. كنت أود أن تكون محادثتنا مباشرة. قالت : " جين". " ماذا حصل للدمية التي اشتريتها لك يا جين ؟".

نظرت إلى يدها و قالت : " " تركتها في دكان الحلويات". " ألا ترغبين بها ؟". " نسيتها". و كنت على وشك أن أطلب منها العودة لاسترجاعها حينما تيقنت أنني أرغب أن تستمر معي ، فقد اقتربنا من القناة.. القناة هي خيط الماء الوحيد قرب هذا المكان. هناك شيء خاص حيال نزهة قرب المياه ، حتى لو أنه ماء بني قديم يجري خلف المصانع. معظم المصانع هنا تشرف على القناة و هي مصانع بلا نوافذ و مهجورة. و بوسعك أن تمشي لميل و نصف الميل على طول الطريق الفرعي و لا تقابل أحدا. كان الطريق يمر بساحة للنفايات. و حتى سنتين كان رجل مسن يراقب أكوام النفايات من كوخ معدني صغير مربوط بعمود ، و يساعده بالحراسة كلب ألساتيان كبير. كلب كبير بالعمر لا يستطيع أن ينبح. ثم اختفى الكوخ و الرجل و كلبه و أقفلت البوابة. و بالتدريج تضعضعت الأسوار بفعل لهو الأولاد ، و الآن لا توجد غير البوابة وحدها. ساحة النفايات هي الشيء الوحيد الذي يلفت الانتباه على امتداد الميل و نصف الميل لأن ما تبقى من مسافة في الطريق قريبة جدا من جدران المصانع. و أنا أحب القناة و أرى أنها أقل كآبة من سواها في البلدة بسبب الماء. بعد أن رافقتني بصمت لفترة وجيزة سألتني جين مرة أخرى : " إلى أين تذهب ؟ في أي اتجاه ستقوم بنزهتك؟". " على طول القناة". فكرت بذلك لفترة من الوقت و قالت : " غير مسموح لي الاقتراب من القناة". " لماذا ؟". " لأن....". كانت تسير بتؤدة أمامي. و الحلقة البيضاء التي تحيط بفمها قد جمدت الآن. كانت ساقاي ضعيفتين و شعرت بالاختناق من حرارة الشمس المرتفعة التي تكتسح الرصيف. و أصبح من الضروري أن أقنعها بالمسير حتى القناة بصحبتي.

و شعرت بالدوار و العار من الفكرة. و ألقيت بما تبقى من مثلجات في يدي بعيدا ، و قلت : " أنا أسير بمحاذاة القناة كل يوم تقريبا". " لماذا ؟". " هناك يسود الهوء و السلام... و توجد أشياء عديدة للتأمل و النظر". " أية أشياء؟". " فراشات". خرجت الكلمة من فمي قبل أن أسحبها. و دارت من حولي ، و هي تشعر بالاهتمام المفاجئ ، لا يمكن للفراشات أن تعيش قرب القناة ، فالرائحة الكريهة تقضي عليها. و لن يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن تكتشف ذلك. " ما لون الفراشات؟". " حمراء ... و صفراء". " و ماذا يوجد أيضا؟". ترددت قليلا. ثم قلت : " توجد ساحة للخردة". قلصت أنفها، و تابعت أقول بسرعة : " و قوارب. توجد قوارب أيضا". " قوارب حقيقية ؟". " نعم. طبعا هي حقيقية". و مجددا لم أكن أعني ذلك. و لكنها توقفت عن المسير فتوقفت مثلها. و هنا قالت لي : " لن تخبر أحدا بما يجري ، أليس كذلك؟". " كلا ، لن أخبر احدا ،

و لكن يجب أن تكوني بجانبي طوال القناة ، هل تفهمين؟. و امسحي المثلجات عن فمك حالا". أومأت. و رفعت ظاهر يدها كيفما اتفق نحو وجهها. " اقتربي و اسمحي لي أن أفعل ذلك". سحبتها نحوي و وضعت يدي اليسرى من خلف رقبتها. رطبت السبابة في يدي الأخرى ، كما كنت أرى الآباء يفعلون ، و حركتها على امتداد شفتيها. لم ألمس من قبل شفاه إنسان ، و لم أمر بهذه التجربة المبهجة في حياتي. نهضت بتألم من حضني حتى صدري و استقرت هناك ، و كأنها قبضة إنسان تضغط على أضلاع الصدر. بللت الأصبع نفسها مجددا ، و تذوقت الطعم الحلو و الدبق في نهاية أنملتي. و هنا مسحت بها حول شفتيها مرة إضافية و في هذه الجولة ابتعدت عني. و قالت : " لقد آلمتني. لقد ضغطت بقوة". و تابعنا مسيرنا ، و احتفظت بمسافة قريبة مني. و للوصول إلى الطريق الفرعية توجب علينا أن نمر بالقناة أولا من خلال جسر خلفي رفيع له جدران عالية. و في منتصفه وقفت جين على أطراف أصابعها و حاولت أن تنظر من فوق الجدار. و قالت : " ارفعني. هيا. أرغب برؤية القوارب". " ليس بمقدورك رؤيتها من هنا". و لكن وضعت يدي حول خصرها و رفعتها. تسلق ثوبها الأحمر القصير فوق ظهرها ، و شعرت بنفس القبضة الضاغطة على صدري مجددا. و هنا صاحت من فوق كتفها تقول لي : " النهر بمنتهى القذارة". قلت لها : " كان قذرا على الدوام. هذه مجرد قناة". و ما أن ابتعدنا فوق السلالم الحجرية باتجاه الطريق حتى اقتربت جين مني. كان لي إحساس أنها تحبس أنفاسها. بالعادة يجري تيار القناة شمالا ، و لكنه اليوم راكد. و على السطح كانت تطفو نفايات صفراء بشكل بقع ، و هي لم تكن تتحرك أيضا لأن الرياح لا تهب اليوم و لا تدفعها. أحيانا كانت تعبر الجسر من فوقنا سيارة ، و بعد ذلك توجد الأصداء البعيدة لحركة المرور النشيطة في لندن. و عدا ذلك كان الهدوء يخيم على القناة.

و بسبب الحرارة المرتفعة كانت رائحة القناة قوية اليوم ، إنها رائحة حيوانات و ليست رائحة كيماوية تصدر عن النفايات. همست جين تقول : " أين الفراشات ؟". " ليست بعيدة. يجب أن نمر من تحت جسرين أولا". " أود لو أعود. يجب أن أعود". كنا الآن بعيدين بحوالي مائة ياردة عن السلالم الحجرية. و أزمعت أن تتوقف و كنت أحرضها على أن تتابع. كانت خائفة جدا من الابتعاد عني و العودة بسرعة إلى السلالم من تلقاء نفسها. قلت لها : " ليس بعيدا عن هنا ستبدأ الفراشات بالظهور. حمراء ، و صفراء و ربما خضراء". و تمسكت بهذه الأكاذيب ، و لم يعد لدي اهتمام بتفاصيل القصة التي سأخبرها بها. و هكذا وضعت يدها بيدي. " و ماذا عن الزوارق؟". " موجودة بعد قليل". و تابعنا المسير و لم أفكر بشيء سوى كيف أحتفظ بها معي. و في نقطة من الطريق على ضفة القناة كانت توجد أنفاق تمر من تحت المصانع ، و فوقها طرقات و خطوط حديدية. و أول نفق كان يربط المصانع التي تنتصب على كل طرف من القناة بارتفاع ثلاث طوابق. و هي حاليا فارغة ، مثل غيرها ،

و كل نوافذها القريبة مكسورة. و عند بوابة هذا النفق حاولت جين أن تنسحب. قالت : " ما معنى تلك الضوضاء؟ الأفضل أن لا ندخل هنا". كان بمقدورها أن تسمع صوت الماء و هو يتساقط من سقف النفق إلى القناة ، و كان له صدى غريب أجوف. قلت لها : " هذا ماء فقط. انظري ، بوسعك أن تري الضفة الأخرى". كان الطريق في النفق ضيقا تماما و لذلك طلبت منها أن تسير أمامي و وضعت يدي على كتفها. كانت ترتجف . و في الطرف المعاكس الآخر توقفت فجأة و أشارت بيدها. هناك من جهة دخول أشعة الشمس إلى النفق توجد أزهار تنمو من بين الأحجار. و كانت تبدو و كأنها نوع من الطرخشقون الذي يخرج من داخل حزمة صغيرة من الأعشاب. قالت لي : " إنها زهرة حشيشة السعال ". و قطفت واحدة و وضعتها في شعرها خلف أذنها. فقلت لها : " لم أشاهد أزهارا من قبل هنا". قالت على سبيل التفسير : " لا بد من وجود أزهار في هذه النواحي ، من أجل الفراشات". و لربع ساعة قادمة تابعنا بصمت. و تكلمت جين مرة واحدة لتسأل مجددا عن الفراشات. و كانت تبدو أقل توجسا من القناة و لذلك أفلت يدها. رغبت لو ألمس يدها و لكن لم أتمكن من التفكير بطريقة لتحقيق ذلك دون أن أثير مخاوفها. و حاولت التفكير بحوار ممكن و لكن ذهني كان أبيض تماما. و شرع الممر بالتوسع نحو اليمين. و حول المنعطف التالي من القناة و في مساحة شاسعة بين المصانع و المستودعات كانت تمتد باحة الخردة. و كان هناك دخان أسود في السماء أمامنا ، و بعد أن درنا من حول المنعطف لاحظت أن الدخان يأتي من باحة النفايات ذاتها. وقفت جماعة من الأولاد حول نار مشتعلة. كانوا أشبه بعصابة مشاكسين ، و جميعا يرتدون سترات زرقاء و لهم شعور مربوطة.

و أستطيع أن أقول إنهم على وشك شواء هرة على قيد الحياة. كان الدخان معلقا فوقهم في الهواء الراكد ، و خلفهم كومة الخردة بشكل برج لجبل شاهق. كانت الهرة مربوطة من رقبتها بعمود خشبي ، نفس العمود الذي يقيد به كلب ألاستيان بالعادة. و كانت قوائم الهرة الخلفية و الأمامية مربوطة معا. و كانوا يبنون فوق النار قفصا من الأسلاك ، و قد تخطينا أحدهم و كان يجر الهرة بحبل يتدلى من رقبتها لتقترب من النار. أمسكت بيد جين و أسرعنا بخطانا. كانوا منهمكين بالعمل عن جدارة و بصمت عميق ، و بالكاد نظروا نحونا. لم ترفع جين عينيها عن الأرض. و من خلال ملمس يدها شعرت كم هي ترتجف. " علام أزمعوا مع تلك الهرة ؟". " لا أعلم". نظرت من فوق كتفي. كان من الصعب أن أرى ماذا يفعلون الآن بسبب الدخان الكثيف. كنا قد ابتعدنا بما فيه الكفاية و أصبح طريقنا بموازاة جدران المصانع مجددا. كانت جين تعول تقريبا ، و كانت يدها في يدي فقط لأنني أقبض عليها بقوة . و لم يكن هذا ضروريا في الواقع فهي لا تجرؤ على الهرب مني إلى أي مكان لتسير بمفردها. أصبحنا الآن بعيدين خلف ساحة الخردة و ها نحن نتقدم في النفق.

لم تكن لدي أية فكرة عما يجري عندما وصلنا إلى نهاية الممر. كانت ترغب بالفرار إلى البيت ، و لم أكن مستعدا للسماح لها بذلك. لقد استبعدت الفكرة نهائيا. و توقفت جين في مدخل النفق الثاني. و قالت : " لا يوجد هنا أية فراشات ، أليس كذلك؟". و ارتفع صوتها في النهاية و أوشكت على البكاء. و بدأت أقول لها ربما الطقس اليوم حار جدا بالنسبة لها. غير أنها لم تستمع لي ، و سرعان ما أعولت. و قالت : " لقد كذبت علي ، لا يوجد هنا فراشات على الإطلاق ، أنت تكذب". و بكت من نصف قلبها ، بأسلوب بائس و حاولت أن تحرر يدها من قبضتي. و تحايلت عليها و لم تقتنع. أمسكت بيدها بقوة و سحبتها معي إلى النفق. و كانت تصرخ ، و تنوح بصوت نافذ له أصداء بسبب الجدران و السقف حتى امتلأ رأسي به. حملتها و سحبتها إلى أعماق النفق ، حتى منتصفه. و هناك ، فجأة ، طغى على صياحها صوت الرعد القادم مع القطار الذي يمر من فوق رؤوسنا ، وحتى أن الهواء و الأرض اهتزا من جرائه. و استغرق مرور القطار فترة طويلة. فأمسكت بذراعيها من الطرفين ، و لم تقاومني ، كان الصوت أقوى منها. و عندما ماتت آخر تلك الأصداء قالت ببلادة : " أرغب برؤية أمي ". فتحت سحاب السروال ، و لا أعلم هل تمكنت من رؤية الشيء الذي كان يتطاول نحوها. قلت لها : " هيا المسيني هنا " ، و هززتها بلطف من كتفيها. لم تتحرك ، فهززتها مجددا. " هيا المسيني ، هيا. تعلمين ماذا أقصد. أليس كذلك؟". كان ما أريد شيئا بمنتهى البساطة. و في هذه المرة قبضت عليها بكلتا يدي و بدأت أهزها بقوة و أنا أصيح : " المسيه ، هيا المسيه". مدت يدها و لامست طرفه بأطراف أناملها لفترة وجيزة. و اكتفيت بذلك. و تابعت وحدي حتى انتهيت ، لقد انتهيت و هو في يدي المضمومتين.و مثل القطار ، استغرق ذلك وقتا طويلا ، و ضخ السائل في يدي. كان هذا السائل هو مجموع أيام العزلة و الوحدة السابقة ، لقد شعرت بالساعات الطويلة التي قطعتها وحدي ، و بالأفكار العميقة التي كانت تنتابني ، لقد كان ينسكب في يدي . و عندما انتهى الموضوع بقيت في مكاني لعدة دقائق ، و أنا محني الجذع فوق اليدين المضمومتين أمامي. كان ذهني فارغا ، و جسدي في طور الراحة و من غير أفكار. استلقيت على بطني ، و وضعت يدي في القناة. كان من العسير أن أنظف الشيء بالماء البارد. فقد التصق بأصابعي مثل النفايات. و هكذا قشرته من يدي بالتدريج. ثم تذكرت البنت ، لم تكن معي. لم يكن بوسعي أن أسمح لها بالفرار إلى البيت الآن . ليس بعد ما حصل. و توجب علي أن ألحق بها.


وقفت و رأيت خيالها في الطرف الآخر من النفق. كانت تسير ببطء بمحاذاة ضفة القناة و هي مخدرة. و لم أتمكن من الركض وراءها بسرعة لأنه ليس بمقدوري رؤية الأرض الممتدة أمامي. و كلما اقتربت من أشعة الشمس في نهاية النفق، كانت رؤيتها أصعب. كانت جين تقريبا خارج النفق . و عندما سمعت صوت وقع خطواتي وراءها استدارت و أصدرت ما يشبه نداء الاستغاثة. و بدأت تهرب ، و لكن سرعان ما فقدت صوت خطواتها. و من حيث وصلت كان من المستحيل أن أرى ما يحدث لها ، كان خيالها تحت السماء قد تلاشى فجأة و تحول إلى مساحة سوداء. كانت مستلقية على وجهها عندما وصلت إليها ، بينما ساقها اليسرى ممدودة خارج الطريق و تقريبا مغموسة في الماء. و كان رأسها قد ارتطم بالأرض مع انتفاخ فوق عينها اليمنى. و كانت ذراعها اليسرى ممدودة أيضا أمامها و تقريبا تصل إلى الدائرة المشمسة. انحنيت باتجاه وجهها و استمعت لتنفسها. كان بعيدا و منتظما. كانت عيناها مغمضتين بقوة و الرموش رطبة بسبب الدموع. لم أرغب بملامستها مجددا ، فقد خرج كل شيء مني ، و انسكب في القناة. مسحت الأوساخ عن وجهها و مزيدا من الأوساخ من خلف ثوبها الأحمر. قلت : " يا لك من فتاة سخيفة. لا يوجد هنا فراشات".

ثم رفعتها بتؤدة ، بألطف ما بوسعي كي لا تستيقظ ، و وضعتها برشاقة في القناة. بالعادة كنت أجلس قرب سلالم المكتبة ، و أفضل ذلك بدل الولوج إلى الداخل لقراءة الكتب. في الخارج مجال أوسع للثقافة و التأمل. جلست هناك ، و كان الوقت هو مساء الأحد. كنت أستمع لنبضي البطيء و هو يعود إلى إيقاعه اليومي. و مرارا و تكرارا كنت أستعيد بذهني مجريات ما حصل ، و ما يتوجب أن أفعل. رأيت الأحجار و هي تتوارى فوق الطريق ، و شاهدت نفسي و أنا أقرع فوقه بقدمي ، تقريبا دون أن أنعطف. كان يجب أن أستدير آنذاك ، بتمهل ، لأنحني أمام التصفيق مع ابتسامة باهتة. ثم توجب علي أن أرفس الحجرة الصغيرة ، أو من الأفضل أن أتخطى من فوقها ، و أسير بلا تكلف إليهم ، ثم حينما تعود الكرة ، سوف أنضم إليهم ، سأكون واحدا منهم ، واحدا من الفريق. سألعب معهم في الشارع في معظم الأمسيات ، و سأتعلم كل أسمائهم و سيعرفون اسمي. و سألتقي معهم في المدينة خلال النهار و سينادونني من طرف الشارع الآخر ، و سأذهب إليهم و أتبادل الكلام معهم. و في نهاية اللعبة سيحضر أحدهم و يقبض على ذراعي ، و يقول : " نلتقي في الغد ، أليس كذلك...". " نعم ، في الغد". و سأرافقهم لنتناول الشراب معا حتى بعد أن يكبروا بالعمر. و سأميل نحو شرب الجعة. وقفت و بدأت أسير بتمهل في طريق العودة إلى البيت. كنت أدرك أنني لن أنضم لأي فريق في كرة القدم. المناسبات قليلة ، مثل الفراشات. حينما تمد لها يدك تتلاشى و ترحل. تابعت على طول الشارع حيث كانوا يلعبون. كان مهجورا و الحجرة الصغيرة التي وطأت عليها لا تزال في قارعة الطريق . التقطتها و وضعتها في جيبي ، ثم تابعت لأصل في الموعد المقرر المتفق عليه. ------------------------------------------------------------------------------- إيان ماك إيوين : اسمه الكامل إيان روسيل ماك إيوين. مولود في إنكلترا عام 1948 . يكتب القصة و الرواية و التمثيليات ، و يعبر في أعماله عن الرعب الأخلاقي و الوجدان المتألم. من أهم أعماله القصصية ( أول حب و آخر الطقوس - 1975 ) ، ( بين الملاءات - 1978 ).

و كانت روايته الأولى بعنوان الحديقة الإسمنتية و قد ظهرت عام 1978 . و أتبعها برواية راحة الأغراب عام 1990 ، و هي عن أحلام و كوابيس تدمر حياة زوج إنكليزي في مدينة البندقية. و بعد ذلك اتجه بكتاباته نحو الموضوعات الاجتماعية التي تمزقها تقلبات السياسة و الأفكار و المثل الجديدة. و منها نذكر ( كلاب سوداء ، البريء ، أحلام اليقظة ، أمستردام ، حب إلى الأبد ، الغفران ، الابن الطيب ) و سواها. و قد حاز بروايته أمستردام على البوكر ، و اعتبرت في حينها نصا أخلاقيا و تراجيديا يمثل الثنائي المعروف و هو الصراع بين القيم و العاطفة ، و هذا من خلال قصة رجل مريض يطلب النهاية السعيدة الممكنة ، و هي أن يموت بفرح . يعكس إيان ماك إيوين في جميع أعماله اهتماما ببلاغيات إيفلين ووه و فرجينيا وولف و ما شابه. و يعتبر اليوم من الكتاب الذين صوروا قلق بريطانيا من التواصل مع الماضي و مع تيار الأحداث المتسارعة التي تعصف بأوروبا و بالعالم الغربي. المصدر : Butterflies , Story by : Ian McEwan. In : First Love , Last Rites. Vintage . 1997 . p.p. 71 – 88 .


























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow