Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

مدينة من الغرب اقصة : تميم أنصاري ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2010-10-25

لا أتذكر شيئا محددا من أيام السجن ، باستثناء منظر و ملمس المكان ، السقف المنخفض ، تلك الرائحة الرطبة ، و العيون نصف المغلقة للسجناء الآخرين الذين تحولوا بالتدريج إلى عميان بسبب الحياة المستمرة في أعماق الظلام. و أتذكر أيضا الصخب في الصالة غير المرتبة : خمسمائة رجل يتكلم في وقت واحد ، و صليل الملاعق المعدنية و هي ترتطم بالصحون ، و تلك الهمهمات و القرقعة التي ترتفع و تنخفض و لكنها لا تتوقف أبدا.
و في الزنزانة ، في أي وقت من النهار و الليل ، بوسعك أن تسمع أصوات خربشة على الجدران بملاعق مسروقة. أنت لا تستطيع حقا أن تثقب الأحجار الصلبة و المصمتة بملعقة من الألمنيوم ، و لكننا لم نتوقف عن خدشها. كان ذلك أشبه بطقس ديني ، طريقة للإيمان بالحياة الأخرى التي تبدأ بعد السجن.
و لم يكن الحراس مولعين بمصادرة أدوات الطعام ما لم تنفذ من المطبخ. إنهم يسيرون فقط فوق الأرض المعدنية المعلقة ، و هم يحتضنون أدواتهم التي تشبه أولادا أصيبت بالهزال.
لا شك أنني وضعت مائة خطة للفرار مع دستة من السجناء الآخرين ، و لا أتذكر أية خطة منها الآن. ذات أمسية ، كنت برفقة سجينين لا أعرفهما حينما فجأة فتح الباب المغلق ، و توقفنا نحن الثلاثة بنفس واحد. بعد ذلك ، كنا نتعثر عبر حقل متجمد و تحت قمر مشرق ، بينما الكلاب المفترسة تتجه نحو الطرف المعاكس ، و هي تتبع رائحة خاطئة إلى أن ابتعد صوت عوائها. و لفترة طويلة من الوقت ، واصلنا إلى الأمام بصعوبة ، و لم نكن نسمع غير أصوات صليل السلاسل المربوطة بأقدامنا و انهيار الثلج تحتها. و أتذكر أننا اقتحمت بيتا مهجورا و هناك رأينا الأدوات اللازمة في القبو، و بعد أن حطمنا القيود أطلقنا آهة ارتياح.
سرقنا بعض الثياب ، و ذهبنا إلى مكان النقود المدفونة ، و لم نتهاون في المسير ، و فقدنا الإحساس بالاتجاه و مع ذلك تابعنا. كان النهار يتحول إلى ليل ، و المدن تتشابه في الطريق. و في الغابات كنت أسمع صوت الرعد الأجوف الذي لا يتوقف حينما تكون في حركة مستمرة ، و صوت قلبك يدق باستمرار. و في الليلة التي وصلنا فيها إلى هذه المدينة ، لم يرغب جو أن يتوقف و لو من أجل كأس بيرة ، و لكن كنا جميعا في نفس الأزمة و لذلك لم يجد مفرا من المشاركة.
في داخل الحانة ، كانت الموسيقا تنسكب من صندوق فضي . و حفنة من رعاة البقر يجلسون حول منضدة عريضة ، يشربون و يضحكون. كنا حريصين أن لا نجلس في زاوية معزولة حتى لا نلفت الانتباه.
و عوضا عن ذلك قمنا بتزرير ستراتنا و جلسنا قرب رعاة البقر ، لنثبت لهم أن لا شيء لدينا يدعو للريبة . كانت الغرفة تفوح برائحة البيرة و دخان السجائر. و كان صندوق الموسيقا يعزف : " قلبك الغدار ..".
و اقتربت سيدة بدينة بثوب أصفر من النايلون. و كان الضوء الأصفر المعلق بالسقف يلقي ظلا قاتما على وجنتيها. قالت : " ماذا تريدون أيها الفتيان ؟".
" قدمي لهم مشروبا على حساب المحل يا تيلي ". صاح بها أحد الشباب الثملين ، و أعقب رفاقه بصوت واحد " أجل ".
وضعت المرأة قارورة على منضدتنا ، و ألقى أحد رعاة البقر ذراعه حول عنق جو الصغير. و ابتسم عن أسنان صفراء من التبغ و هو يقول : " لن يغادر احد هذا المكان تعيسا ، هلى تفهمونني أيها الأصدقاء ؟".
و شرع جو بالرد يقول : " من فضلك..." ، و لكن منحه هاري نظرة وقحة. لم يكن بوسعنا أن نرفض صداقة أحد. سوف يكون ذلك مدعاة للشبهات. و هكذا دفعت جو في مقعده قائلا : " اشرب ، يا جو ، الرجل يقدم لك واجب الضيافة".
ضحك جو و أفرغ الكوب كله في بلعومه بينما رعاة البقر يصيحون بصوت واحد " هيا اشرب ، هيا اشرب " ، و كانوا يدقون بقبضاتهم على المنضدة. و عندما حاولنا أن ننسحب و نغادر قالوا بصوت مرتفع " ماذا أيها الساقي : هل ستسمح لهؤلاء الفتيان بالانصراف ؟ أغلق الباب بالقفل". كان الشراب قد جعل منهم أصدقاء وديعين و كأنهم جراء بأحجام ضخمة. و آخر ما أتذكر من حيثيات تلك اللليلة الرقص على منضدة مع كوب شراب بكل يد ، و أنا أغني " حامل السلاح سوف يلهو الليلة في الغابة ". و لكن في أعماقي كنت أشعر بكلاب الحراسة المفترسة و هي تقترب.
في الصباح اللاحق قدموا لنا الطعام و الضيافة. اللعنة كم أحبونا. و سرعان ما حجزوا لنا غرفا في الفندق. و عندما قدم لنا سكان المدينة دعوة على الغداء ، كان هاري على وشك أن يرفض و لكن أعاده جو إلى وعيه و قال : " كيف سيبدو ذلك مستهجنا ؟".
و قضم هاري لسانه و هو يقول : " لا شك أنهم يعلمون من نحن. إنهم يتلاعبون بنا".
قال جو : " الانسحاب الآن سيكون أسوأ"..
و قلت بدوري : " لو أنهم يعلمون من الأفضل أن لا نترك لديهم الانطباع أننا نعلم".
و هكذا تجاوزنا الموضوع مقابل أن نستمر. كنا نرافقهم إلى ساحة كل ليلة جمعة. و بدأ هاري يحب الرقص. و لم نكن نعلم أنه يستمتع بهذه الموهبة. و قدمت عائلة براون لهاري دعوة على غداء عيد الشكر. ثم تلقينا جميعا دعوة مماثلة من عائلة سميث من أجل طعام منتصف اليوم ، و تواصل ذلك بمقدار مرة في الأسبوع. ماذا بوسعنا أن نقول عن ذلك ؟. قال جو إنه درس ذات مرة في مدرسة دينية ، و قبل أن ننتبه لذلك ، طلبوا منه أن يقوم بالتدريس في مدرسة يوم الأحد.
و قال جو ذات ليلة بصوت هامس : " اللعنة ، هذا خطأ. يجب أن ننسحب".
قال هاري : " لا نستطيع. سيبدو ذلك عرضة للشبهات".
و كان هو أول تدبر الأموال لشراء بيت . و ساعدتنا لورا على الانتقال إليه. و كانت هي ابنة تيللي : عصفورة شقراء ، بتنورة خفيفة و ساقين طويلتين من الممكن أن تلمسا القبو لو لم تكن توجد أرض. أحيانا كانت تحضر لنا فطائر إلى الحقل ، و بالطبع كلما نضج المحصول كانت عائلتها تدعونا إلى غداء عيد الشكر.
لم أقترب من تلك الوجبة و كنت أشعر كأنني مصنوع من العجين. كان يتحدث خمسة و عشرون شخصا بنفس واحد و هم حول المنضدة ، و قد اندمجوا بهمسات ليس لها شكل و تقاطعها باستمرارأصوات صليل الملاعق و هي تطرق أواني الخزف. كنت بالكاد أصغي لذلك الصخب الأجوف ، و هو يدق في داخل صدري ، و لكنه كان موجودا على أية حال. ذلك الصوت. و حينما فتحت عيني و رأيت تيللي و هي ترمقني تحرك قلبي. فصرفت نظراتها على الفور. و في تلك اللحظة أدركت أنها تعلم.
و قالت لي : " هيا كل طعامك يا ويلي . لم تأكل حتى ثلثه". و ضحك الجميع ، و لكنها لم تلق بالا لأحد. و بعد تلك الضحكات المجلجلة ساد الصمت. و لم يفعل أحد شيئا غير إمعان النظر.
قلت لهم : " عذرا. أعتقد أنني شبعت". و سحبت الكرسي و غادرت إلى البيت.
و بعد دقيقتين جاء الآخران. قلت لهما : " تيللي لديها علم ".
و رغبت لو يخبرني أحد أنني أتصور أشياء غير موجودة ، و لكن هاري أضاف مؤكدا : " شعرت بذلك أيضا".
و انتابتني وعكة أخرى و قلت : ": ماذا علينا أن نفعل ؟".
قال هاري : " لنهرب ".
قال جو : " حسنا. هذا هو الوقت أيها السادة".
" و لكن هذا البيت ملك لك يا هاري. و أنا لدي لورا. كيف بوسعنا أن نغادر".
قال هاري : " الخيار الآن بين السجن و شيء آخر. و سأختار أهون الشرين".
و قبل أن ندخل في جدال عقيم ، قرع الباب شخص ما.
كانت تيللي براون تقف على العتبة ، و قالت بصوت خشن : " حسنا ، هؤلاء أنتم". و في نهاية عبارتها سمعت نبرة محتقنة تدل على النميمة . فقد أضافت : " لا تحسبوا أنه بمقدوركم الهرب. أليس كذلك. ".
و شحب وجه جو.
و غمزت تيللي بعينها تقول : " لدي خبر أو إثنان أيها الفتيان. هل فهمتم ماذا أقصد. كنت أراقبكم. عيوني واسعة جدا". و عندما لم ينبس أحد منا بكلمة واحدة ، قالت : " أنت محبب لابنتي يا ويلي. هل تعتقد أنها جاهزة لرجل على شاكلتك. حسنا. هل لديك ما تقوله؟". و مدت يدها إلى سماعة الهاتف. و عقد الرعب لساني. انتظرنا لفترة طويلة ، ثم شرعت تطلب رقما. و هنا ضربها جو بسيخ من الموقد، و غرس الخطاف المعدني في جمجمتها، و خرج طرفه من جبينها. و شعرت بنفس الرعشة التي تشعر بها الآن. بصفتي كنت في السجن لا يعني أنني لست بشرا عاديا. و في أعماقي ، بعد تلك الصدمة ، شعرت بالراحة.
على الأقل لم يتبق لدينا شك. و استقر رأينا على الخطوة التالية. أسرعت إلى غرفة النوم و حملت ما بوسعي من ثياب لنا نحن الثلاثة في حقيبة كبيرة. و ما أن فتحت الباب الأمامي ، حتى دق الجرس و شاهدت نفسي وجها لوجه مع رجل البريد. و قد قال لي : " معي طرد للسيدة تيللي براون".
قلت : " و لكنها لا تقطن هنا".
ضحك يقول : " أعلم. و لكن رأيتها من قليل و هي تدخل هنا و لم تغادر بعد".
" سأقدم لها الطرد بنفسي ".
" آسف يا بني. هذا طرد مسجل. يجب أن أسلمه لها باليد".
" حسنا إنها في الحمام الآن ، انظر ...".
و من خلفي في نفس اللحظة صاح هاري بكل صوته : " هي في البيت الآن ، إنها في البيت ".
قال ساعي البريد : " حسنا من منكتا على صواب. هل هي في الحمام أم في البيت ؟. أخبراني ، من الأفضل لو أدخل لأتحرى الأمر ".
و شرع ساعي البريد بالاقتراب من داخل المنزل. كنت نسيت أمر المسدس ، و لكنه فجأة قفز إلى يدي. و من مسافة قريبة فجرت الرجل عمليا. أقسم بالله لم أقصد ذلك. أقسم بالله شعرت بأعراض المرض حينما سال دمه فوق العتبة.
في اللحظة التالية وقفت هناك و المسدس الحار بيدي و رفيقي يمسك بذراعي.
قال جو بصوت مخنوق : " و الآن ، كلانا تمادى و اقترف ذلك. سنشكل عما قريب نادي الجريمة ".
قال هاري : " و أنا على وشك ان أنضم لكما". و هنا خرج أحد الجيران من بيته ، و لا شك أنه شاهد كل شيء ، فقد وقف هناك متجمدا من الرعب و الندم. و تمنى لو أنه لم يغادر بيته ، و استدار لينصرف ، و لكن كان الأوان قد فات.
قال هاري و هو ينفخ الدخان الذي يتصاعد من مسدسه : " هذا كفيل بوضع لمسة الختام. لنواصل الحفلة. لو حالفنا الحظ ، لن يكتشف أحد الجثث قبل أن نبتعد بحوالي خمسين ميلا ".
و اسمحوا لي بالتوضيح التالي. كل منا اشترك في جزء من الجريمة ، و لكن موقف هاري كان الأسوأ بيننا. و لذلك أطلقت عليه النار فهو القرار المبرر الوحيد. و لم يتوقع احد أن أفعل هذا. أطلقت عليه في قلبه ، و مات فورا من غير آهة واحدة. كم إنه موت محبذ.
قلت بسرعة : " اتصل بالشرطة. سنقول إن هاري أصابه الجنون ، و قتلهم جميعا. و كان فعلا طيبا أننا أوقفناه قبل أن يقتل شخصا بريئا آخر. أليس كذلك يا جو ؟. أنت إلى جانبي بذلك ، أليس هذا صحيح؟ هيا يا جو ؟".
ضحك جو باكتئاب و قال : " كنت أود لو أعيش فقط ". بلا مشاكل ".
" فعلا. هذا يكفل لنا أن نكون معا و أحياء . أنت معي أليس كذلك؟".
حسنا ، لم تكن لديه فرصة ليختار. كنا فريقا ، هو و أنا ، و هذا من فترة طويلة أيضا.
بعد ذلك ، تزوجت من لورا خلال عام واحد. و أحبتني لأنني انتقمت لها من قاتل أمها. و اقترن جو بغيرها ، و استقر معها في الطرف الآخر من المدينة. و لم نكن نلتقي إلا فيما ندر. و هكذا نجحت الخطة. و ما زلت أسمع أصوات الكلاب المسعورة المفترسة ، و هي تتقدم في الغابة و المستنقع ، و لكن هذا كان شيئا لم يسنح لغيري. و كنت أصلي في الكنيسة ، و أفتتح حلبة الرقص كل ليلة جمعة. و كم تمنيت لو تفهم لورا أسبابي. كل ما فعلت بعد ذلك كان طيبا. كنت أختار أهون الشرور ، و حسب الظروف. هل أمامنا فرصة لنخلق الظروف المثالية.
لا تفهموني خطأ ، فقد قبلت زوجتي القصة العلنية التي أخبرنا بها الشرطة ، و هذا لم يكن كافيا. ليس من العدل أن تحبني و أن لا تلقي باللوم علي. كنت أود لو تغفر لي ، و لكن كيف تغفر لي ما لم أخبرها أنني الفاعل ؟. في كل مرة نجلس على طعام الإفطار ، كنت بالكاد أسمع ماذا تقول بسبب صوت دقات قلبي المرتفعة. و أحيانا كنت أعتقد أننا جميعا متكاتفون بهذا الخصوص ، و لكن حينما تقع عيني عليها ، أشعر كم أنا مخطئ. على أية حال كنا جميعا في نفس الظروف ، و كنا نعاني منها كل فينا بطريقته الخاصة.
تميم أنصاري :
كاتب أمريكي من أصول أفغانية. له عدة مؤلفات من أهمها : غرب كابول و شرق نيويورك ، القدر المقطوع – تاريخ العالم تحت أنظار إسلامية ، و سوى ذلك....
المصدر :
Town of Strangers by Tamim Ansary ، identity theory fiction ، April 5, 2010.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

06-كانون الثاني-2018

حلم كئيب/ نوفا فوكواي ترجمة:

29-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

23-كانون الأول-2017

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow