Alef Logo
شعر معاصر
              

أمل حياتي قصة : إتيل عدنان / ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2010-10-06

كان الوقت في منتصف الليل ، و من خلال الأغصان كان القمر الصغير يلمع مثل سيف صلاح الدين في سماء شاحبة و شفافة تشبه زجاجا سوريا قديما.. و لكن مع هذا القمر انتشرت رائحة ذميمة و غير طيبة.
جاء جاري البقال ليسأل هل يوجد فأر ميت أو ما شابه. بحثنا في جميع أرجاء المنزل. و لاحظنا أن الحمام في حالة غير لائقة ، و أن بعض الماء يتسرب منه ، و لكن هذا كل شيء.
بعد انصراف أبو أحمد ، عاد مجددا و على وجهه علامات القلق. إن مسافة القمر البعيدة كما أعلم و لا تؤثر برائحة المدينة. و لكن نعم ، كانت النسمات دافئة.
خلال الأسبوعين المنصرمين كان يعود في كل صباح ، و بالأمس أحضر معه مساعده و صبيا صغيرا سار خلفهما. هو على حق ، رائحة المدينة غير طيبة...
ثم جاء ابنه ،أحمد لزيارتي. و هو رقيب في الجيش ، رن الجرس ثم دخل إلى البيت. قال لي : " هل من فضلك لو تمدي لي يد المساعدة في تهدئة الوالد.. فهو في منتهى القلق من موضوع النفايات. الحكومة غير معنية بالمسألة. و لا أتوقع أن الجيش السوري سيقوم بجمع القطط الشاردة و البرتقال الفاسد ".
قلت له : " من فترة بسيطة غادرت جبل الدروز ، و كان الطريق ملوثا بالحمير الميتة ، و فوقها أسراب من الذباب .. ما نفع الجيش إذا ؟".
و يبدو أن ملاحظتي أزعجته كثيرا ، و تساءلت هل من الضروري أن لا أغادر دمشق في التو ، فالعسكري الشاب لا يحب الحمير ، و لا سيما إذا كانت ميتة و تسد الطرقات.
قلت له : " والدك على حق يا أحمد. اعتاد الناس على رمي النفايات كل ليلة على الأرصفة .. يا لها من فوضى".
و برز أبو أحمد مع ابتسامة كبيرة على وجهه. كان من الواضح أنه فخور ببذة ابنه. و تحدث معه بمنتهى اللياقة و قال : أنت شاب يا أحمد و أنت في الجيش و بمقدورك أن تصنع شيئا. و أنت تعلم أننا مسلمون. و النظافة هي من الإيمان ، و العدو يترصد بنا و الجيش في حالة تهيؤ. و من واجب المدينة أن تعتني بهذا الموضوع.
و لكنها غير مستعدة لذلك. كل الميزانية يستهلكها الدفاع عن البلد. هذا واجب مقدس... أنت ابني يا أحمد. و أنت في الجيش... و بوسعك أن تخبر السلطات أن النوم غير ممكن و هذه الرائحة تحيط بنا. الناس سيموتون سريعا. هذه الرائحة النتنة ستقضي عليهم".
و رد أحمد أن عليه حضور مهمة سرية و طارئة ، و سوف تحصل الشوارع على حصتها من الاهتمام بعد أن يستتب الأمر للثورة. و في هذه اللحظة ثارت أعصاب والده بنوبة غضب أعمى و أوشك رأسه أن ينفجر مثل رمانة. و شرع الرجل يصيح : " لعشرين عاما و الجيش لم يفعل شيئا غير ملء بطنه على حسابنا. دفعنا له
النقود و تلونا الصلوات و لم نشاهد إلى حينه غير الأموات. العدو يقتل العرب ، و العرب يقتلون بعضهم البعض. أنا منهك يا أحمد. وأارغب بالموت في جو يعبق بالرائحة الزكية و ليس برائحة المصارف الصحية ".
و هنا غادر أحمد.
****
أصابه القنوط و الإحراج و القلق بسبب هذه المدينة. لم يكن سعيدا برؤية الشيء الذي يحبه و هو يلحق به التدهور : النهر في الصيف مجرد مقلب نفايات ، و أرض السوق في المساء مخصصة للأوساخ ، و في الصباح تغطى الشوارع بالمهملات... و حاليا هو يعتقد أن العقول نفسها ملوثة بالأفكار العليلة.
قدمت له شيئا يأكله ، و لم أرغب أن ينصرف و هو يشعر بالخجل و العار بلا ضيافة. و لاحظت أن أحزانه تضغط عليه ، و لن تزول بسهولة. وضعت معزوفة في جهاز التسجيل ، و أول شريط وقعت عليه يدي كان لأم كلثوم. و شاءت الأقدار أن تكون " أمل حياتي " و قد كانت المعزوفة ترن بعمق في حنايا روحه.
لم أعلم ما هو محيط الأحزان الذي تمادى على الحواجز الداخلية المتشابكة في أعماقه ، و شاهدت نصب عيوني رجلا يتقدم بالسن ، و ينسحب إلى عوالم بعيدة لا يمكن المساس بها.
كانت أم كلثوم بالأغنية تتوسل و تطلب الحبيب ، و كان هو يصغي. و عوضا عن فقدان قواه العاطفية ، كان بمقدور الرجل أن يمررها لغيره و كأنه موشور ، هل يرسل هذا الحب للمدينة التي عاش فيها طوال عمره ؟. ضمنا أحداث الشغب عام 1936 ، توالي شهور رمضان ، دبابات الجيش الفرنسي ،
حمال المشمش الواردة من القرى في الصيف...
كانت أم كلثوم تغني و تقول : " حبيبي ، حياتي عذاب ". و لكن اللعنة و العذاب موجودان هنا ، في الرائحة النتنة التي تنشرها ربات البيوت فوق الأرصفة ، و في النفايات التي تجمعها الشاحنات في مرات متقطعة ، ثم تغادر قبل إنهاء المهمة. و هكذا كانت بعض الأرصفة تحمل علامات تدل على هذه الآثار ،
إشارات لا تزول.
جاء الصبي من مخزن الخضار لينادي على أبو أحمد. و كان أبو أحمد قلقا و مهموما ، و ليست لديه شهية للتحرك. ثم بدأ يخبرني كيف أن عمه في الأيام الماضية كان مهموما بالنظافة.
اهتم بالنافورة في الباحة و بتخزين السجادة بعد أول علامة على الصيف. و كانت طريقة عمي في غاية الحصافة كلما مر من بركة مياه ، سوف تعتقد أنه يسير على أشياء حساسة. كان يتصرف مثل طائر متشائم لا يغامر باحتكاك مع أي شيء.
قال أبو أحمد : " عمك شديد الإيمان ، و كان دائما يتأكد أن بستانه يخلو من الأوراق الميتة ، و كان يغطي أرضه بالحصى و الأحجار حتى لا يثور الغبار ، و كان يصرف ساعات من وقته لانتقاء اللحوم المناسبة ". و برأيي لم يكن ذلك هوسا بالنظافة ، و لكنه تحسس مبالغ به تجاه البيئة ، نوع من العلاقة
بين الشخص و حياته.
و في النهاية غادر أبو أحمد ، و لكن بعد أن تمهل طويلا عند عتبة الباب ، ليفكر بجميع عواقب القرار الذي أوشك على اتخاذه : سوف ينظم اجتماعا للجيران ليطلب من الحكومة إجراءات نظافة ناجعة في ميادين المدينة العامة. و وافقت على ذلك. لقد قرفت من منظر المدينة كلها ، بالأكياس القبيحة ذات الرائحة
و هي تتراكم فوق الشوارع بشكل أكوام من القنابل القديمة و الفاسدة و المنتهية و كأن مثيري الشغب تركوها وراءهم.. إنها نفس الصورة التي تنجم عن الهزيمة العامة.
كانت أم كلثوم تغني و تقول : " يا حبيب الأمس ، يا حبيب اليوم ، يا حبيب الغد ..." ، و تنشر فوق عار المدينة وشاحا مخمليا.
كنا و لعدة أيام ، أنا و أبو أحمد و الصبي ، نتجول من بيت لبيت ، لنطلب من الناس الدعم و المؤازرة. و كنا نتصرف بهدوء و لا نجبر أحدا و لا نلح على أحد... و يبدو أن الناس كانوا معتادين على الرائحة حتى أنهم لم يكونوا منتبهين لها ، أو أنهم تصنعوا ذلك. و كان الشباب هم الأسوا : كانوا يفتحون الحديث
حول الحرب أو الجينز الذي سيشترونه ، و لا زال بوسعي رؤية وجه طالب المدرسة الطويل ، و القاسي جدا ، و هو يقول : " هيا !. نحن من تنبعث منا الرائحة ، نحن جثث هامدة تسير. و المدينة كلها عبارة عن أنفاس مخنوقة". و كان رأي أبو أحمد أنه يبالغ ، و الأمور ليست بائسة إلى هذا الحد... و هو لا يفهم
كيف بمقدور أحد أن يقبل بالحياة في وسط هذه القاذورات ، و كيف يمكن لشخص في مقتبل العمر أن يكون مريرا إلى هذه الدرجة. و تدبرنا أمرنا بحوالي خمسة عشر شخصا ثم انضم لنا الشاب بسخريته المعهودة. و كانت الحجة التي لمت شملهم هي أقرب ما تكون إلى قلب أبو أحمد : نقص النظافة خطأ مؤلم
يؤرق روح النبي.؟ و العدوى و الأوبئة لا تدق جرس الخطر بصوت مرتفع لأنها تتطور بسرعة البرق ، و هي مثل حادث فوق طبيعي يأتي بقرار من الله. و بدأت مسيرتنا و نحن نهتف ( الله أكبر ). ثم وصلنا في النهاية إلى باب الوزارة التي يحرسها أحمد. و هكذا تطورت الأزمة ، و انتشرت الأنباء مثل النار ، ب
ين الطبقات المتوسطة ، في الأسواق و على أبواب المدينة و حتى في ميدان الهجّّانة. كانوا جميعا يتناقلون الخبر ، كما علمت لاحقا ، و يطلقون على الموضوع اسم " الثورة المضادة " الدامية.
طلب أبو أحمد مقابلة ابنه. كان متأكدا أن لبذة ابنه قوى كامنة . كان أحمد بالفعل من أعضاء المفرزة الأمنية في الوزارة ، و هو يمضي طوال اليوم بترهل و كسل. و قد أصابه الحنق و الانزعاج حينما شاهد والده يقود هذه الجماعة من المواطنين المتذمرين. وقف هناك. و كأنه لا يعرف هذا الرجل العجوز ،
و كأنه يقابل مصدرا للخطر و يجب إزالته من مرمى البصر.
لم تفارق الابتسامة الزاهية أبو أحمد. و اقترب ليجر أحمد إليه و ليهمس بأذنه شيئا. ثم رأينا كيف توقف فجأة و جعل يتفحص يديه ، بعد أن لمس ازرار البذة ، و كأنهما جمدتا و احترقتا.
سأل عدد من العساكر عما يحصل . رأينا كيف يشقون طريقهم ضاحكين من فكرة النفايات. و صاحوا بصوت واحد : " نحن العمود الفقري للبلد ، و لدينا مشاغل خطيرة. هيا انصرفوا من هنا !".
توسل لهم أبو أحمد بقوله : " لهذا جئنا. لطفا نادوا على القائد ، هذا طلب. المدنيون لا ينفعون لشيء. و لكن الجيش شيء آخر . بمقدوره أن يتصرف بسرعة و لديه كل الصلاحيات ".
و أسقط بيد أحمد لأن والده سطحي و تافه. و حاول أن يعيده إلى رشده ، و يقول له : " اسمع ، الثورة سوف تلبي كل طلباتنا ، و لكن امنحنا بعض الوقت !".
غير أن الرجل العجوز فقد أعصابه ، و قال : " ما هذه الثورة التي تصدر منها رائحة نتنة !. نعم أقسم بالله إنها ذات رائحة غير طيبة !".
أصاب الذعر أحمد . و فيما كان يحاول العودة إلى موقعه كان العساكر يتقاطرون من كل زاوية ، و ينتشرون على السلالم و في الشارع. و كان أبو أحمد يقف وحيدا وسط هذه الفوضى ، يتأسف على السنوات المنصرمة ، أيام الإضراب المعروف ضد الاحتلال الفرنسي ، الذي شل دمشق لشهرين تقريبا ،
و أيام حصار العثمانيين و جرهم لموقف مضطرب و ضعيف.
ظهر أحمد مجددا و على طرفيه إثنان من الشرطة العسكرية. و كانت عيناه تلمعان مثل الأشرطة التي فوق رتبته. و كان يصيح قائلا : " انصرف ، انصرف ، وضع حدا لهذا الجنون. لدي أوامر بمنع هذا التمرد . سوف أطلق النار ". و أثبت أنه سينفذ أقواله.
انسحبنا جميعا. و كان أبو أحمد يتوسل له. رجاء من فضلك..... و أعتقد أنه كان يفكر لو يحضن ابنه بذراعيه و يقنعه و يلزمه بتلبية نداء الواجب. و لكن أحمد أطلق النار على الحشود ، و سرعان ما تهاوى أبو أحمد على عتبات المبنى.
ميتا. لم يقترب منه أحد غير صبي البقال. ثم عاد نحوي و بروح الطفولة الملتزمة سألني : " كيف يمكن لأبو أحمد أن يبكي بعد موته ؟. شرحت له أنه في بعض الأحيان تتراكم الدموع في المآقي حتى بعد لحظة الموت.
على الأقل حصل أبو أحمد على كفن نظيف ليدفن به و الناس الذين ذهبوا معه إلى المقبرة هم نفس الجماعة التي رافقته إلى الوزارة.
و قاد أحمد الدفن. و لن أعلم هل إن التكشيرة التي انتشرت على وجهه بسبب مشاعر الأسف العميق أم بسبب مشاعر الكبرياء التي تأتي من أداء الواجب... و في النهاية كانت لديه مشاعر الارتباط المتوفرة في الجيش و التي تنعكس بالعادة تجاه أفراد العائلة.
ثم قفلنا عائدين إلى شققنا المظلمة ، فنحن لم ننظف أرواحنا أو شوارعنا.
و كانت أم كلثوم تصدح بالغناء و تقول : " يا كل العالم ، يا كل الحب ". سوف نصيخ السمع مرارا ، و سوف نغرق في أمواج صوتها ، و سنتلاشى فيه . ثم ، نعم ، سوف تموت و سنشعر بالعزلة و الوحدة الموحشة.
إيتيل عدنان : كاتبة أمريكية من أصل لبناني. تكتب الشعر و القصة و الرواية. من أهم أعمالها ( الست ماري روز ) و هي رواية تتناول أزمة الحرب الأهلية في لبنان.
المصدر :
Amal Hayati, story by : Etel Adnan. In : Master Of The Eclipse. Interlink World Fiction. USA. 2009 . p.p. 147 – 155 .




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow