Alef Logo
مقالات ألف
              

هناك...في دين العشق ج1

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-10-01

ما حقيقة العشق؟
أو- إنْ منَحنا السؤال اتساع العشق - ما الحقيقة؟
يبدو أنّه لا حقائق!!...نتحدّث عن الحقيقة دوماً ولكنّنا لا ندرك وجودها أبداً، كلّنا نريدها ونسعى إليها، وهذا سرّ جمالها، أن نبحث عنها ولا نطالها، مغرية جداً هي لأنها لا تفصح عن نفسها. السرّ جزء أساس من الحقيقة، ومن جمالنا نحن البشر ألا نكون رهن الحقيقة..حقيقة واحدة، ومن جمال الحياة أنها تمنحنا تلك المساحة فيها..هكذا هو الجمال يأتي كانسكاب المطر، بلا موعد سابق، وهكذا هي حقيقة العشق حين تداهم غيمة الجمال فتمطر أرواحاً طينيّة تُعَبّأ بالأجساد، فتنبثق قصيدة تناجي الجسد:
يا أيها الجسد المعبّأ
بالقنوتْ..
أنتَ الذي وزّعتَ
كلّكَ..
في البيوتْ..
فتناثرتْ..
منكَ القصيدة..
كالشَّظايا..
لا تُميتُ..
ولا تموتْ..! (1)
من أين يأتي بريق لغة العشق، تلك المتوهّجة السرّ والمعنى..والمبنى أيضاً؟ من أين تأتي شفافيّة الحلم والتأمّل في تلك اللّغة؟
لغة من قبيل..
ساقطف لكَ زهرة..ماذا تريد لونها؟ كان هذا سؤال نبيّة عاشقة لنبيّها الذي حلم بزهرة لها لون الأنوثة..أنوثة نبيّته، وكان يعلم صعوبة أمر كهذا، بل مُحاله؛ لأنّ حبيبته ماء، لا لون له، لاطعم، لا رائحة، لكنها الحياة بكلّ الألوان والطّعوم والرّوائح، الماء سرّ عجيب..حبيبته سرّ عجيب..العشق سرّ عجيب!!
سألها مرّة، أتعرفين مَنْ أنتِ؟
أنتِ...حين أراد الله للفتنة والجمال والرّقة أن تكون، جمعها في طينة واحدة، فقال لها: كوني، فكنتِ.
حبيبته كانت.. ولكن على مضض، هذا ما أسرّت به له، لأنّها لم تكن تريد لأحد أن يقول لها كوني، حتى الله، قالت له أنتَ فقط يا حبيبي تقول لي: كوني، فأكون.
فأجابها: ليست إلا القصيدة إذن، قادرة على خلق أنثى عاشقة مثلكِ، لذلك سأشكّلك من أزهار القصيدة يا حبيبة روحي، سأقول لكِ:
أنا قلبي برج حمام
هجّ الحمام منّو..
يا إلّي..
عينيكِ كلام
ليه الضلوع غنّو..
أنا قلبي كان شِبّاك
بس الهوى شَبَّاك
يا بكرى بستنّاك
ليك العيون حنّو..
يا حبيبتي قلبي فانوس
بس الغُنى محبوس
بكرى إلّي جاي شموس
وعينيكِ يتحنّو.. (2)
وحين قالت له: أنتَ رجل يعرف كيف يجعل منّي أنثى مغرورة، قال لها: اغترّي، لأنّه يليق بكِ، أحبّه فيكِ..أنتِ الأنثى التي تعرف كيف تستثير رجولتي.
أحبكَ..
أحبكِ..
ترى ما الذي يمنح مثل هذه الكلمة توهّجاً كما وهج (المشاهدة)؟ أتراها الدّهشة؟ ربّما الدّهشة...فكلّ عشق لا يُحاك بالدّهشة المستمرّة في النبض لا يملك جدارة العشق، وربّما لهذا كانت تردّد نبيّة العشق لنبيّها باستمرار: حين ترحل الدّهشة عنّي تجاهكَ، سأترككَ.
ولأنّ الدّهشة تعتمر كيان نبيّ العشق روحاً وجسداً، كلاًّ وبعضاً، سيكرّر القول لها: كلّكِ بي مذ أمطرتكِ سماء الله بقلبي ندى، أراكِ في ملامح الجميع ولكن لا أحد يشبهكِ.
حريّ بالعشق أن ينزع كلّ ضيق من صدور أنبيائه، فقد كانت نبيّة العشق تفرح لوجود نبيّها كلّما اعتراها الحزن والضّيق، فينمحي كربها، وقد قال لها مراراً: كلّما مرّ بكِ ضيق، ضعي يدكِ على صدركِ وانظري نحوي، فتهدئين، هكذا أفعل أنا يا حبيبتي، أحبّ حتى همّي لأنه يجعلكِ سبباً لإنهائه. يا بهجتي..يا رقّتي في كلماتي..
ما بين أنبياء العشق ليست حالة، هي كينونة واحدة من اثنين، كانا ثم أصبحا، كلّ واحد محمّل بالآخر..كلّ يوم يُكتشف الآخر بالآخر.. كلّ لحظة تبزغ رغبة عارمة في اكتناه الآخر، يغدو الآخر كتاباً توّاقاً لأنْ يُقرَأ، تتعطّش الذّات للذّات من أجل الذّات والذّات، ليس في العشق ابتلاع، ولامهادنة، ولا مساومة، ولا امتلاك..
للعشق سمة الماء، حيث الرّغبة في الفيض، ولكن الفيض يعني انسكاباً من الأعلى على الأدنى، فليكن الفيض إذن، بوحاً، حيث يتساوى نبيّا العشق في عشقهما فلا أعلى ولا أدنى.
ليس هناك ما يبرّر اقتحام الخوف لضياع العشق وقت الغياب، لأنّ الغيب مخصوص، هو خارج إرادة العبد إلى المعبود..لأنّ العشق لا يؤمن بالمتى..والكيف..ولا بالمسافة..ولا بالزمن. هذه ليست أوهاماً عن العشق، هي إيمان بأوهام نصدّقها بشكل كبير، فالوهم أساس الحقيقة، يكفينا أن نشعر بالجمال، وإن كان من نعشقه بعيداً، لأننا سنسعى إليه لنكون فعلاً..هكذا يتوه كلّ سؤال منطقي في غابات العشق.. سهوله ووديانه.
كلّ عشق يؤسّس لنبض جديد، دين جديد..دين يكون أتباعه من الكثرة بمكان، فهل ثمّة هاجس أضنى البشرية أكثر من هاجس العشق؟!
لدين العشق لغة جديدة، تتفتّح مع كلّ نبض، مع كلّ توهّج روحين، مع كلّ عناق جسدين.
في دين العشق، يدوّن الأنبياء قصائد عشق لتبدأ طقوس التّعميد، فيتمّ التأكيد بنبض المحبّة المحمَّلة بضوء الخليقة الأولى أنّه (بالعشق وحده يحيا الإنسان)، يحمل أنبياء العشق تعاليم دينهم الجديد، المتجدّد مع كلّ نبض..تعاليم تهدي البشريّة ولا تنثني عن الهداية..تعاليم دين ينثر عطر أزهاره في الأرواح الطينيّة فيحتوي العالم كلّه، حتى أنه لا يتّسع العالم لكلّ هذا الجمال، فتكون الحاجة إلى الفضاء أعمق وأكبر، لأنّ العشق طاقة سماويّة في البشريّة.
تذوب الجهات كلّها في جهة واحدة..جهة العشق، والكلّ للكلِّ يعشق. تُمْنَحُ النّوارس سعة في بياضها وفضاء لتحليقها، (يصير القلب قابلاً كلّ صورة) يلتصق أنبياء العشق بالوجود،لأنّ الوجود كائن بهم، لا بل هم أكبر من الوجود لأنّ لديهم خاصيّة الاحتواء، وللوجود خاصيّة الثّبوت.
الوجود بعض أنبياء العشق، هكذا يستحيل الجزء كلاً بقدرة الاكتشاف، فهل نحسب أنبياء العشق (جرماً صغيراً وفيهم انطوى العالم الأكبر)؟ أنبياء العشق يحيطون ولا يُحاطون.
في دين العشق لا يستريح المحاربون، لأنهم الضوء وقد اقتحم ضمير العتمة، السرّ..والأسرار مفاتيح أنبياء العشق إلى بعضهم، مع الأسرار ينتمي دين العشق إلى ديانات الأسرار ليعيد ترتيبها من جديد، يصير السرّ علناً كونيّاً.. يصير أنبياء العشق سرّ الأشياء ووضوحاً في التّبيين، تحمل النّوارس رسالات دين العشق إلى سماوات مكلّلة بالعطر، والنّوارس نقاوة الطيور، تتماهى ودين كُتِبَ بنبض الرّوح، وكلّ ما يُكْتَبُ بالنبض مؤكّد الانسكاب.
في دين العشق سوف لن يكون للغرباء مكان، فالغرباء دائماً على رحيل، والرّاحلون لا يحفظون الأسرار، لا يعرفون جهتهم. وحده (الواقف)، قريب، يعرف جهته ولا يضيع في لجّة الميلان، إنه لَيعرفها حقاً، وإن كان متيقّناً من غايته سوف لن يتعب، لأنّه يقترب مما يريد.
وتُتلى في صلوات العشق آيات تشكر الرّب الجميل لأنّه جمع في دين العشق نبيّين عاشقين، يسري نور التوحّد بينهما فيولدان لتوّهما..


ملاحظة:
(1)الشعر الوارد في المقالة، هو للشاعر العراقي "علي عطوان الكعبي".
(2) "أنا قلبي برج حمام"، هي أغنية للمطرب المصري "محمد منير"، كلمات، حسن رياض، ألحان، مدحت الخولي.




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

وُريقتان

02-كانون الأول-2014

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow