Alef Logo
يوميات
              

مونولوج مواطنة يؤرِّقها اختلافها

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-08-29

مثل شجرة يتيمة في امتداد صحراوي، وقفَت في غرفة فارغة إلا من جدران مكتظّة بالصّور وطاولة تضجّ بالطّوابع والأختام، ورفوف ملأى بأضابير تُفصِح هيئتها عن ضجرها المطلق من المكان، كانت تحمل أوراقها الثّبوتيّة الرّسميّة الغريبة عن ألوانها، عازمة على التقدّم لمسابقة التَّدريس.


راحَت ترقبُ نفسها وسط زحمة التوّاقين للحصول على فرصة عمل، وسط هذه الزَّحمة بدأتْ الأصوات والوجوه من حولها تبْهت شيئاً فشيئاً، تخيّلت أنها قُبِِلَت وأصبحت مدرِّسة فعلاً، وبدأت تعيش مونولوجاً طافحاً بالأسئلة، ترى هل سأبقى زهرة بريّة؟ هل ستبقى ألواني، ألواني؟ هل ستظلّ تربتي مصدر غذائي؟


وبدأت المخيّلة تزداد اشتعالاً.. دخلَت المدرسة فإذ بالمراهقين النّابضين بالحياة. تسلّم عليهم كمراهِقة، وما أن تتماهى في مراهقتها معهم حتى تباغتها عيون الموجّهين التربويّين المسلّحين بالعُصيّ لتعلن لها ضرورة أن تكون أستاذة، فارتبكَت وتيقّظت لتعيَ سلوكها المُستغرَب، وبدأت بالحيرة، هل سأستطيع التخلّي عن مراهقتي؟ هل سأجيد دور المعلِّمة، أنا الكائنة التي تعتبر نفسها مازالت في طور التعلّم في هذه الحياة القصيرة؟ هل اكتشفتُ سرّ الحياة كي أبوح به للتلاميذ؟ سرعان ما لاحظ المراهقون ارتباكها فسادَ جوّ من الرَّيبة بعد برهة من جوّ المرح والدهشة الذي كان.


دخلَت غرفة المدير وانطلقت كبنتٍ ساذجة تُفصِح له عن حبّها للفلسفة وتوْقها الشّديد لعيشها والتلاميذ، وعن رغبتها في أن تجعل من ملعب المدرسة "أغورا" وعن..وعن.. فقاطعها المدير بأن أعطاها قائمة بما يجب عليها عمله، وجملة أوراقٍ وتعهّداتٍ يجب أن توقّع عليها، وبضعة كتب محشوّة بمنهاج ممنوع عليها الخروج عنه.... خرجَت من الغرفة مثقلة بالمسلّمات.


فاتجهت إلى غرفة المدرّسين تردّد في نفسها: ربما يكون هؤلاء مَنْ يمكنني التعاطي معهم، فإذ بهم كائنات اعتادت التَّدْجين، وحينما شعروا بطزاجتها، تعاطفوا معها ناطقين بعبارات المواساة: لا عليكِ، هي أيام قليلة وتعتادين على كلّ شيء. وعادَت تحاور نفسها مجدّداً، هل سأتحوّل إلى كائن معلّب؟ هل سيكون ما في الكتب من أفكار لأفلاطون وأرسطو...لابن سينا وابن خلدون...(لفلان وعلان)هو فقط ما أقدر على تقديمه؟ هل ثمّة مناخ يسمح للتلاميذ بتكوين رأي مستقلّ خارج السّلط الفكريّة والاجتماعيّة والدينيّة....؟ هل سأستطيع إعادة الاعتبار للفلسفة في مجتمع توارث احترام رجل الدين ونبْذ الفيلسوف؟ في مجتمع غارق في النوم منذ قرون، لا يحترم الفكر ولا يفهم الفلسفة إلا على أنها تنظير لا طائل منه ( علاك مصدّي أو كفر!!)؟ ولكن كلّ هذا لم يكن بالنسبة إليها أشدّ وطأة من كونها امرأة ستدرِّس مادة تخصّ الفكر في مجتمع لم ينظر للمرأة يوماً إلا على أنّها ناقصة في العقل والدين، فكيف لها أن تفهم في الفلسفة؟!! فأن تكون المرأة مدرِّسة في هكذا مجتمع يعني، وببساطة شديدة، امتهانها لمهنة ليست إلا امتداداً لوظيفتها البيتيّة ك "حاضنة"، حيث لا اعتبار لأيّ تفصيل آخر يمكن أن تبرع فيه المرأة في علاقتها التفاعليّة وطلابها.


ومن فرط حساسيّتها تجاه ما يدور حولها وما يعتلجها، تذكّرت قصة (الرجل المُعَلّب)، كانت قد قرأتها منذ فترة، هي المغرمة بكتابات "أنطون تشيخوف"، وفي لحظة، وجدَت نفسها مرتدية ذلك المعطف الذي كان يرتديه مدرّس اللّغة اليونانيّة القديمة ( بطل القصة) إذ كان حتى في الجوّ الحار لا يخرج إلا بعد أن يُعَلّبَ نفسه بمعطف ثقيل ببطانة من القطن وكانت شمسيّته في كيس، وساعته في كيس، حتى المبراة حينما كان يستخرجها ليبري قلماً كان يستخرجها من كيس، ووجهه بدا وكأنه أيضاً في كيس، فقد كان يخفيه دائماً خلف الياقة المرفوعة، وكان يضع نظّارة سوداء، ويسدّ أذنيه بالقطن، كان لديه ميل جارف إلى وضع نفسه فيما يشبه العُلبة، وظلّ على هذا الوضع إلى أن فارق الحياة.


زاد تذكّرها للقصة الطّين بلّة، فداهمها سؤالها المقلِق ثانية، هل ستسقط أوراقي وتغيب ألواني؟


وبعد لحظات قليلة شعرت بضيق دفعها للخروج من غرفة المدرّسين بعد أن ضاقت أذناها ذرعاً بما سمعته من كلام لطالما مزَّقها قهراً وعانت منه شديد العناء مذ كانت طالبة في المدرسة، كلام من قبيل هذا الطالب ابن فلان علينا أن نتحاشاه، وذاك ابن فلان فلنغضّ الطرف عنه، وهذا غبي وذاك أفضل من زملائه و..و..و..وما أن فتحت الباب فجأة حتى فوجئت بالمستخدَم واقفاً وراء الباب يتنصّت على مايتداوله المدرِّسون فيما بينهم!!


وقفَت في المَمَرّ وشرَدَت في نافذة تطلّ على ملعبٍ خالٍ إلا من أربعة حجارة حدّدتْ مكان الهدف لكرة التلاميذ، قطعتْ شرودها كلمتا ( صباح الخير) فالتفتَت وراءها لتجدَ امرأة تقول له إنها المرشدة النفسيّة في المدرسة وترغب في عقد اتفاق معها كونها مدرّسة فلسفة وتتقاطع وإياها في فهم التكوين النّفسي للتلاميذ، وبدأتْ تحدّثها عن ضرورة الاستماع إلى أسرارهم ومشاكلهم كي يسلكوا الطريق الصّحيح ويتجنَّبوا طريق الخطأ والهلاك! وضربت مثالاً: يجب أن نحذّرهم من التورّط في علاقات عشقٍ مشاغِبة، أو التّكتُّل فيما بينهم، ثم همستْ لها (أظنّ أنكِ تدركين خطورة التّكتّل!).


بدأ كلام المرشدة النفسيّة يستحيل ضباباً مع بدْئها في تذكّر ما حدث معها في السنة الماضية حينما كانت مدرِّسة مؤقّتة في إحدى المدارس، إذ احتفلت بالحب مع تلاميذ (الباكالوريا) في الرابع عشر من شباط ، أي في عيد الحب. كان من المفترض يومها أن تعطيهم درساً حول "الفارابي" لكنّ التلاميذ باغتوها بأن زيّنوا الصف ووضعوا الحلويّات والهدايا على الطاولة وقالوا لها: لا نريد الفارابي اليوم، نحن نحبّكِ ونريد أن نحتفل بعيد الحبّ معكِ.


عند رغبة الحبّ هذه، كانت مستعدّة لا للتخلّي عن درس الفارابي فحسب، بل عن تاريخ الفلسفة كلّه!

وعلى إثر تلك الحادثة وغيرها الكثير مما أثار حفيظة الإدارة والكادر التدريسيّ المؤدلج المدجَّن، تمَّ إرغامها على ترك المدرسة، فغادرتها حاملة في قلبها حبّاً في نيّتها تقديمه لتلاميذ آخرين يوماً، لم تدرك ما الذي تركته داخل أولئك التلاميذ بالضّبط! كانت لديها رغبة أن يكون "الحب".

حبّ المعرفة...حبّ الحياة...حبّ الإنسان...حبّ الطبيعة...الحبّ فقط، هو ما رغبت أن تكون قد تركه في رؤوسهم وقلوبهم.

وحينما استعادت هذه الذكرى بكلّ تفاصيلها فكّرَت بأنها في السنة الماضية كانت مدِّرسة مؤقّتة، لديها قدْر من الشجاعة كي تقوم بهكذا فعل دون أن تحسب حساباً لخسارة وظيفتها طالما أنّها مدرِّسة مؤقّتة، لكنّها الآن مدرّسة دائمة، محاطة بكلّ القيود! فانطلقت في حوار جديد مع نفسها: ترى هل ستكون لديّ الشّجاعة كي أحتفلَ بالحبّ مجدّداً في مدرسة يبدو أنها أشدّ توغّلاً في الحكوميّة؟

ثم تابعت: في السنة الماضية كنتُ قادرة على أن أقول للتلاميذ حينما رافقتُهم في الرحلة المدرسيّة إلى "الجندي المجهول" : إنّ البحث عن المجهول يستلزم جرعة كبيرة من الحريّة، وقدرة فائقة على الانعتاق من القيود، لا تبحثوا عن المجهول هنا، في الخارج، فلنبحث عن المجهول داخلنا، ترى هل سأكون- وأنا مدرّسة دائمة الآن- بنفس التوهّج إذا ما رافقتُ التلاميذ الجُدد لنفس المكان؟


على صوت أحدهم يقول: ( الله أعلم وين بكرا بدن يرمونا، بالرقة...بإدلب...بدير الزور..! ما منعرف) وصوت آخر يجيبه : ( وين ما كان، المهم إنو نتعيّن ويصير في عنّا راتب) استيقظَت من مونولوج مرهِق، ورغم شبحيّة إرهاقه المرعِبة لم تستطِع أن ترحل من الغرفة بدون تقديم أوراقها للموظّف.


غادرَت الزَّحمة مثقلة بهواجس الانتصارات والهزائم!!!



×××××××××××××

نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر ــ ألف































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow