Alef Logo
ضفـاف
              

المرأة، إذ تفكّر.. هي الخصوبة والتجدّد..اللذّة والمتعة

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-08-11


ليس بالضرورة أن تكون المرأة المفكّرة تلك التي ترتدي لباساً رجاليّاً لا يليق بأنوثتها، ولا تلك المناضِلة، "المسترجِلة"، المتجاهِلة لكونها امرأة يمكن أن تَعشق وتُعشق، لا ولا تلك العضوة في اتحاد نسائيّ يرفع شعار العبوس والتجهّم ومناهضة الرّجال، ..

ما يثير السّخط حقّاً، هو اعتياد الناس على نزع الأنوثة عن المرأة إذا ما دخلت عالم الفكر، على اعتبار أنّ الأنوثة تنتمي إلى عالم الطبيعة ولا بدّ لها من البقاء في هذا العالم، أمّا الانشقاق عن الطبيعة عبر الفكر فهو ميزة خاصّة بالرّجال وحدهم، وهذا ما كرّسته ثقافة بناها الذّكور على مرّ التاريخ طوبة، طوبة!!

لذلك سأحاول هنا أن أبرهن على أنّ الأنوثة لا تغدو أنوثة فعليّة، حقيقيّة، " إنسانيّة فاعلة" لا طبيعيّة مُنْفَعِلة، إلا عندما تدخل المرأة عالم الفكر والتفكير، حينها فقط تستحق المرأة أنوثتها عن جدارة، وحينها فقط يليق بالمرأة أن تكون أنثى حاملة للسِّمات الأنثويّة شكلاً ومضموناً، ذلك أنه ليست كلّ النساء جديرات بالأنوثة، كما أنه ليس كلّ الرجال جديرين بالذّكورة!!
فأن يكون جنس المرأة أنثى، ليس بالأمر الذي يستحق التقدير والإعجاب والتفاخر، لكن أن "تختار" المرأة أن تكون أنثى، بحيث تدرك هذه الأنوثة التي تنتمي إليها وتفصفصها كي تمارسها بدراية ومعرفة لأمر يستحق الاحترام بالفعل، لأنّه حينها فقط تكون هذه المرأة أو تلك جديرة بكونها أنثى، وما هو أكيد أنّ المرأة لا يمكن لها أن تختار أنوثتها إلا عبر الفكر والتفكير.

ويبدو أنّه من الضروري في محاولة البرهنة هذه، ولوج تفاصيل الذكورة والأنوثة الدّاخلة في تكوين دماغ الإنسان ذي النّصفين، إذ يُوصَف رمزيّاً النصف الأيسر منه بأنه ذكوريّ كونه نصف يحمل قيم الذّكورة ومكنوناتها ويحرِّض تالياً على سلوكيّاتها، فهو نصف خاص بالاقتحام، الفعل، الفهم، المنطق، النور، الوضوح...إلخ، ومن شأن هذه الصفات أن تعزِّز أشياء كثيرة منها التَّنافس، نزعة التملّك، السَّفر والتنقّل الذي قد يتولّد عنه الغزو، الحرب، الاحتلال...إلخ. وبالمقابل فإنّ النّصف الأيمن من الدّماغ يُوصَف بالأنثويّة، كونه نصف الحلم، الحدس، الإبداع، الخيال، الاستشراف، انبثاق الأفكار، العتمة، الغموض...إلخ، وصفات كهذه من شأنها أن تلعب دوراً هاماً في نسج التفاعل والتعاون، السلام، الشيوع، الحضارة والتمدّن ومن ثم ترك البريّة والتوحّش، ألم تكن المرأة بالنسبة للإنسان الأول سبباً في استقراره في الأرض، وتوديع حياة التنقّل والصّيد وإنشاء المستقرّات الزراعيّة، وهي الخطوة الأولى نحو الحضارة؟! ألم تقم كاهنة الحب في معبد عشتار بقيادة "أنكيدو"، وهو الرّجل الوحش، الإنسان البدائيّ، إلى مدينة أوروك في ملحمة جلجامش؟!
لا يمكن للذّكورة إلا أن تكون صناديق متفرِّقة، كلّ صندوق يستقلّ بمحتوياته، ولا تستطيع هذه المحتويات الانفلات من جدران صندوقها أو رفع الغطاء عنها كي تمتزج بمحتويات صندوق آخر، فيما الأنوثة شبكة، كلّ نقطة فيها تتّصل بأخرى وفق نسيج متواصل بدون انقطاع، ألم تهرع "إيزيس" للبحث عن زوجها "أوزيرس" جامعة أشلاء جسده بعد تشظّيها، وفق إحدى أساطير التكوين لدى المصريين القدماء؟!

وحيث أنّ الذكورة تمثّل خطاً مستقيماً، فإنّ الأنوثة تمثّل الدائرة، الخط المستقيم يبتلع خلال مسيرته الخطيّة كلّ ما مِنْ شأنه أن يعيق هذه الاستقامة ليصل في المحصِّلة إلى نقطة محدّدة بعد انطلاقه من نقطة محدّدة، فيما الدائرة تحتضن في ذاتها كلّ ما مِنْ شأنه أنْ يجعلها تتّسع وتتمدّد دون أن تضيق ذرعاً بما تحتويه، تاركة المجال لكلّ محتوى من محتوياتها أنْ يصول ويجول، فاعلاً ما يحلو له، فترقى بذلك إلى مستوى الكونيّة الخصبة المتنوّعة، وبين هذا وذاك ثمّة حلزونيّة، لا حذف فيها كحالة المستقيم ولا تكرار كحالة الدائرة، هي حالة من الإبداع المستمر عبر لولبيّة الجريان التقدّميّ اللانهائيّ، وهذه بالضبط حال الذّكورة والأنوثة مجتمعتان متكاملتان!!
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حديثنا هنا يتناول الذّكورة والأنوثة ضمن إطار "رمزيّ"، لا بيولوجيّ، إذ قد تغلب على امرأة ما صفات الذّكورة مع أنّها امرأة، وخصوصاً في الثقافة الذكوريّة التي طبعت الذهنيّة العامّة (الرّجال والنّساء) بطابع ذكوريّ، فالأمّ التي تربّي ابنها على قيم الفحولة والتسلّط و..و..هي ذكر يلبس جسد امرأة، وبالمقابل قد تغلب على رجل ما صفات أنثويّة مع أنّه رجل، والمهمّ هنا ألا يشعر الرّجل بالدونيّة كون عنصر الأنوثة يدخل في تكوينه الطبيعيّ، فكثيراً ما نلمس تنكّراً للعنصر الأنثويّ بحيث يجهد الرّجل في تهميشه بحجّة أنه ينتقص من رجولته. إنّ التأمّل في تفاصيل الأنوثة والذّكورة هذه يدفعني لسؤال كالتالي:

ترى من هو الأبعد عن الطبيعة، الأقرب إلى الإنسانيّة، الرّجل أم المرأة؟

لا شكّ إنّ محاولة الإجابة عن هكذا سؤال تتطلّب قدرة على الانعتاق من النَّمطيّة أو النَّمْذَجَة في التفكير، والرَّغبة في قراءة جديدة للمفاهيم لطالما اعتادت الناس تداولها ضمن قالب واحد، فسادت المُغالطات وتوارت التأمّلات، وعلى هذا، سأحاول هنا أن أفكّك إحدى المسلّمات التي تقول: (إنَّ المرأة أنثى والأنوثة هي الطبيعة، والطبيعة لا تفكّر، لا تعمل، لا تقصد، لا تبتغي.. وبالتالي هي متلقية، متلقية وفقط).
ولكنّ التنافس والصّراع والاقتحام والتملّك...إلخ هي صفات ذكوريّة كما أشرنا، ولا شكّ إنّ صفات كهذه تنتمي إلى عالم الطبيعة..الحيوان..الغريزة، وبالمقابل فإنّ الخيال والحلم والاستشراف.. ...إلخ، كصفات أنثويّة كما أشرنا أيضاً، كانت دوماً وراء الفن والعلم والفلسفة وكلّ إبداع من شأنه أن يرتقي بالإنسان وإنسانيّته بحيث يحلّ الحب والسّلام والتفكير، وبالتالي الارتقاء بالنّصف الغريزيّ، الحيوانيّ. هكذا: ينبغي إعادة النّظر في "نمط" التفكير الذي اعتادته الناس حين جعلت الأنثى تنتمي إلى عالم الطبيعة، فثمّة تعسّف كبير في ذلك، وعلى هذا، فالأنثى هي الأقرب إلى الإنسانيّة فيما الذّكر هو الأقرب إلى الطبيعة!

ولأنّ الإنسان ذو طبيعتين: طبيعة طبيعيّة، تنتمي إلى نفسها ولا تستطيع تجاوز نفسها وهذه هي الطبيعة الغريزيّة، وأخرى تستطيع باستمرار أن تنفصل عن نفسها لتخلق ذاتها من جديد، فإنّه من هذه الطبيعة الثانية بالضبط يتولّد الإنسان ككائن مفكّر.. حالِم.. متخيِّل..وبالتالي متجدِّد لا يشبه نفسه، بل يكون فائق المرونة بحيث يتحرّك مع الزمان والمكان بحلزونيّة مستمرّة لا تنضب كما أشرنا آنفاً، وكلّ هذا بفضل العقل طبعاً، ميزة الإنسان العليا، إذاً: حينما تفكّر المرأة وتجيد التفكير تغدو أنوثتها إنسانيّة فاعلة أكثر منها طبيعيّة مُنْفَعِلة.

واستناداً إلى ما سبق أعود للتأكيد على أنّ الذَّكَر يميل إلى الانتماء إلى الطبيعة "كغريزة" أكثر من الأنثى، وبالتالي فإنّ التفكير كسمة "إنسانيّة" هو سمة أنثويّة (بمعنى من المعاني)، لأنّ الإنسان حينما يفكّر يفترض أنّه يتسامى على عالم الغرائز والنّزوع إلى الصّراع والقتل والوحشيّة والضّراوة والشّراسة، فيصير مُحِبّاً، مُسالِماً، متفاعِلاً، فنّاناً، متفلسفاً، مفكّراً، وهذه سمات "أنثوية" وفق "المنطق الرمزي" الذي نتحدّث من خلاله، ولا بدّ لسمات كهذه أنْ تنتمي إلى عالم الإنسان والإنسانيّة بلا أدنى شك.

هكذا، أجزم أنّ المرأة حينما توغل في التفكير تزداد ينابيعها غزارة، فلا يعود الجسد فقط هو مصدر المياه..الحياة..الخلق..الخصوبة والتجدّد..اللذّة والمتعة، بل يتولّد مصدر جديد لخلق آخر، مختلف، ألا وهو التفكير، وهذا التفكير يؤنْسِن أنوثة المرأة فتبتعد هذه الأنوثة عن كونها مجرّد غريزة طبيعيّة، عمياء، مُنْفَعِلة، لتصبح مقرونة بالإرادة والاختيار والحريّة، وتليق تالياً بالمرأة..بالإنسان.

وقد يعترض مٌعترِضٌ بالقول: إنّ تفكير المرأة يعرقل حريّة جسدها (وخصوصاً في الجنس) وعفويّة أنوثتها الطبيعيّة طالما أنّه يتدخّل في هذه الأنوثة! ربما يكون الردّ الأمثل على مثل هذا الاعتراض نابعاً من "تفكيك" تلك النَّظرة إلى الرّوح والجسد التي تقولبهما في ثنائيّة يتبع أحد طرفيها الآخر، كنظرة "أفلاطون" حين جعل الجسد تابعاً للرّوح، أو نظرة "أرسطو" المعاكِسة لنظرة أفلاطون، حين جعل الرّوح تابعة للجسد، ذلك أنّه وكما أعتقد لا فصل بين الرّوح والجسد وخصوصاً ذلك الفصل التعسّفيّ الذي كرّسته الأديان السماويّة مفضِّلة الرّوح على الجسد.

أزعم أنّ الرّوح والجسد وحدة مطلقة لا تبعيّة فيها ولا فَصْل، واستناداً إلى وحدة الرّوح والجسد تلك يمكن القول: إنّ جسد المرأة لا يغدو حراً إلا حينما تفكّر(على اعتبار أنّ الفكر هو روح بشكل أو بآخر، فالفكر روح الإنسان، هو ماهيّته وكنهه الذي يميِّزه عن بقيّة الكائنات)، وطالما أنّ الفكر الحرّ منتج لجسد حرّ، فإن الجسد الحرّ منتج لفكر حرّ أيضاً، ضمن علاقة جدليّة متكامِلة كلّ التكامل.
فالمرأة إذ تفكّر، تغدو أكثر جدارة وفاعليّة وعطاء، أكثر طيبة، رحابة، خصوبة، حبّاً، حناناً، عشقاً..تغدو أكثر إيغالاً في الأنوثة، الأنوثة التي تجعل من المرأة "ذاتاً" تنقذها من براثن "الموضوع" الذي زُجَّت فيه عنوة.

×××××××××××

نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر ــ ألف

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow