Alef Logo
يوميات
              

لتلمس أصابعكم الشمس

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2010-08-04

كان يحبو نحو الضوء المتسلل خلسة إلى الكهف محاولاً أن يمسك بأصابعه الصغيرة أولى الشرائط التي تداعب جسده و أهدابه بلذة مفرطة، حاول مراراً و تكراراً أن يرفعها و يخطفها من على جسده دون جدوى، باتت لعبته اليومية المفضلة ترافقها ضحكته الطفولية تصدح رنانة ويتردد صداها بين جدران الكهف. ومذ أن استطاع أن يخطو بقدميه بدأ يتجه نحو أشعة الشمس ماداً يديه ليظفر بها و كلما حاول أن يحتويها كانت تنسل بخفة، إلا أن هذه المرة لم تدفء ضحكته برودة الأرض والكهف و إنما علت صرخاته احتجاجاً وانهمرت دموعه غزيرة حارقة وجنتيه الحمراوين، وتذوق للمرة الأولى ملوحة ألمه و عجزه.
بإدراكه الأول علم أن مصدر هذه الأشعة كرة صفراء حيناً و برتقالية أو حمراء في أحاين أخرى تتنقل بوجل ضمن صفحة السماء، وكلما كبر كان يكبر إدراكه ووعيه ومعرفته بغاباته و جباله و مياهه والكائنات الأخرى من حوله، وتزداد طرداً أسئلته الكثيرة و الألغاز المحيرة والرؤى الغامضة التي تراوده. كان حلمه في أن يلمس الشمس يقض مضجعه ويؤرقه فقرر أن يجد لذلك سبيلاً. خرج نحو العالم الخارجي راكضاً زاحفاً قاطعاً جبالاً وسهولاً وودياناً و أنهاراً، كان يسقط و ينهض و ينجرح وينزف ويتألم و يبكي و يفرح و يتأمل، فرحلة الحلم قد بدأت قدراً يشوبه الآلام و الآمال، رحلة الحلم نحو الشمس، نحو الحقيقة، المعرفة.
هو لم يَلم يوماً آدم على جرأته في قطف تفاحة المعرفة مفضلاً إياها على جنان الخلود و الأبدية، لم يلمه لحظة على قحته في رفض الطاعة و الوصية، ولم يلمه بتاتاً على الخطيئة الأولى بل توجس بدوره وانطلق نحو المغامرة العقلية و الحسية وتذوق بلذة الاستكشاف كل ما هو مرٌ و طيب.
أودع تلك الوديعة في أبنائه و أحفاده و أوصاهم بمتابعة الرحلة و استكمال الحلم ، ورغم أنها لم ترق للبعض إلا أن هناك من أسرته تلك الرغبة و النشوة في أن تلمس أصابعه الشمس. ساندت بعض الآلهة رغبة البشر ورفض بروميثيوس أن تبقى المعرفة للآلهة، فسرق شعلة النار المقدسة من عند زيوس ووهبها للبشر، وحين أضاءت النار المقدسة الكهف المظلم، تفجّر الإبداع عند البشر! عُوقب بروميثيوس - الإله الطيب - بأن عُلِّق على جبل القوقاز عارياً، والنسر الإلهي يأكل كبده. و حتى يدوم عقابه للأبد، أمر زيوس بأن يُخلق له كبدٌ جديد كلما فني القديم.
عبر قرون مديدة و أجيال عديدة ضرب القلق و الخوف من الآلهة و العقاب موضعه في قلب الإنسان، فهناك من سكن وصمت وتكور، وهناك من تحدى الكون و الوجود وتسلح بالكلمة و الحُجة والفضول، وآثر أن يتنقل بلا هدى بين مساحات شاسعة و أقدار غامضة رسولاً للوصية الأولى ؛ لتلمس أصابعكم الشمس.
×××××××××××××××
نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر ــ ألف

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

19-آب-2017

السمكة

15-تموز-2017

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow