Alef Logo
دراسات
              

عن"فوق/تحت" كمفهومين من نحت العقل/ج2

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-07-23

انتهت رحلة العقل ومفهوميه (فوق/تحت) في الجزء الأول من هذه المقالة، عند أرسطو، هل فعلاً انتهت؟!

يبدو أنّ رحلة العقل لم..لن تنتهي....

سيمضي التاريخ قدُماً، فتستلم زمام الأمور أديان انتسبت إلى (الفوق)، إلى السماء بامتياز، تخطّت عالم المُثل الأفلاطونيّة لتتبنّى مفهوماً أشدّ إطلاقاً عن (الفوق)، بات (الفوق) المطلق معها إلهاً راغباً في العلوّ، حتى أنّ رغبة العلوّ اشتدّت فلم تعد مقصورة على السماء(فوق)/الأرض(تحت)، بل فتّتت ثنائيّة ال (فوق/ تحت) السماء الواحدة لتصير سبعاً، والله ساكن أعلاها.
وحيث أنّ إله الفلاسفة مترفّع عن عالم المادة الوضيع، لذلك فهو لا يتدخّل بالتفاصيل الموجودة في الحياة، وهو فقط له علاقة بما هو كونيّ لاجزئيّ، فإنّ إله الأديان السماويّة تتوازى رغبته في العلوّ ورغبته في النزول والتدخّل في العالم.. في كلّ صغيرة وكبيرة، في الكليّات والجزئيّات كونه خالق العالم من العدم، فاليهودية والمسيحية والإسلام جميعها أديان عمليّة أساساً، مكرّسة لضمان أنّ إرادة الله نافذة على الأرض كما هي في السماء، فهو ينطق (كلمة) تصبح البؤرة الرئيسة في الولاء والتي يجب أن تتجسّد بشكل مؤلم في شروط الحياة المأساويّة والناقصة على الأرض، في المسيحية مثلا تتّسم العلاقة مع الله بالمحبة، لكن الغاية من هذه المحبة هي تدمير الأنا!!

إنّ تدخّل إله الأديان السماويّة في عالم الجزئيات سيكرّس حدّة ال (فوق/تحت)، لتبدأ الأديان بتنازع الله، كلّ يريده لنفسه، منسجماً والعقيدة التي يتبنّاها، فتغرق الأديان في لوثة ال(فوق/تحت)، كلّ دين يدّعي لنفسه (الفوق) مقابل (تحتيّة) الدين الآخر، فيبدأ صراع ال (فوق/تحت) حتى أنّ هذا الصراع سيتغلغل في نسيج الدين الواحد لتخرج منه طوائف ومذاهب ترث النّزعة (الفوقية) هذه، كلّ طائفة تدعي لنفسها (الفوق) في مقابل (تحتيّة) الأخرى، فيصير عالم الجزئيات برمّته مجرّد أيديولوجيا (فوق/تحت).

وبما أنّ الله خلق على الأرض الجمادات أولا ثم النباتات ثم الحيوانات وأخيراً الإنسان، سيبتهج الإنسان بمراتبيّة خلقه العليا، وخصوصاً بعد اشتداد وطأة علوّ الله عليه، فيعيث تصنيفاً لما (تحته) بين الفوق والتحت..بين الطهارة والنجاسة، وكأننا هنا أمام سلسلة من الإسقاطات القهرية من (الفوق) إلى (التحت).

لقد ولّد اغتراب العقل عن الأرض وعن صاحبه الإنسان حالة "الإنسان المغترب" وقد اغترب أول ما اغترب عن جسده، ومن شدّة توقه وولعه ب (الفوق) بات غير قادر على معايشة (التحت)، فصار كائناً مجرّداً هاجسه التشبّه بالكائن المعنوي الكامل المطلق "الله"
هكذا، سيصير الجسد وفق اللّغة الدينية رجاسة ونجاسة (تحتاً)، والروح طهارة وقداسة (فوقاً)، فالروح هي الجوهر..روح الشيء "كنهه وماهيّته" من هنا اعتقاد بعض الأديان السماويّة كالهندوسيّة، أو بعض الطوائف الدينيّة في الإسلام، كالدّروز بالتقمّص، أي خلود الروح وفناء الجسد. ولفظة "جسد" في القرآن ترِدُ بمعنى الصورة أو الجسم الذي لا حياة فيه، وتأتي بهذا المعنى إما بدلا عن عجل، "فأخرج لهم عجلاً له خوار" (88:20) أو صفة من صفات الخلق الميت، "وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين" (8:21)، أما الروح فقد تأتي بمعنى الرّحمة، "لاتيأسوا من روح الله" (87:12) أي من رحمته، أو بمعنى الوحي والإلهام، "فينزل الملائكة بالروح من أمره، على من يشاء من عباده" (2:16) أي بوحي من أمره، وقد تأتي بمعنى الملائكة، كما ترِد في سورة مريم رقم 17، "فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشراً سويّاً"

وإذا كانت الروح (فوقاً) والجسد (تحتاً)، فإنّ أعضاء الجسد العلويّة أهم من السفليّة، هكذا، تحوّل الجسد مع التصنيفات المعقّدة التي مورِسَت عليه إلى كتلة أيديولوجيا، احتُرِمَ الرأس وأهينَت القدمين، فالرأس (فوق) حاضن للعقل الذي يميّز الإنسان عن الكائنات الأخرى المترفّع عليها، فيما القدمين (تحت)، والتحت وضيع تاريخيّاً..دينيّاً..فكريّاً..ثقافيّاً! وتمّت عقلنة الحواس وزُجّ بها في معمعة ال (فوق/تحت)، حتى أنّ ثنائيّة الجسد والروح تتداخلتا، فتارة تتجسّد الروح، وأخرى يتروحن الجسد، فيتناوب كلّ من الجسد والروح ال (فوق/تحت)، وعلى هذا، تروحنت حاسّة النظر، ورُبطت بالبعيد..بالتأمّل، والتأمّل رُبط بالمستقبل، والمستقبل (فوق)، هو طموح ليس بآنيّ محسوس، ليس ب (تحت)، صار العالم "رؤية" "وجهة نظر" فتمّ الإعلاء من شأن حاسّة النظر وتهميش حاسّة اللّمس، فالّلمس مجرّد لحظة مباشرة مارقة لا اعتبار لها، وبالتالي سينجم عن عدم الاعتبار هذا تهميش الميزة المدهشة التي تحققها حاسّة اللّمس ألا وهي إمكانيّة "التواصل" بين البشر مع بعضهم البعض وبين البشر والطبيعة! هكذا، يغدو الجنس كلحظة حيويّة نابضة تعتمر فيها الحواس الخمس دفعة واحدة (تحتاً)، ويُفضّل عليه الحبّ كمفهوم مجرّد ليصبح (فوقاً).

وقد بات جسد الإنسان مع الإسلام عورة يجب حجبها عن الآخرين، فالحشمة والحفاظ على الفرج قيم مفروضة على النساء والرجال معاً "قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون" (30:24) من هنا، لا يصوّر الفن الإسلامي الجسد ولا يرسمه ويركّز على هندسة الحرف والزخرفة! أما الجسد في المسيحية "هيكل الروح القدس" فهو طاهر لكونه امتداداً لوجود الله على الأرض، من هنا، يصوّر الفن المسيحي الجسد من منظور أيقونيّ، هكذا نرى أنّ الجسد في حالتيه الموضوع فيهما (النّجاسة والطّهارة) يُقوَّل بلغة ليست له ولاتشبهه، تحنّطه في حزمة أيديولوجيّات، فتارة ترتفع مكانته وأخرى تتضّع! إنّ الجسد في منظومة (فوق/تحت) هذه مجرّد موضوع للتجريب!

ولا شكّ إنّ تقسيم الجسد إلى مراتب، منها الرفيع ومنها الوضيع، ليس إلا انعكاساً مجازياً لتراتبيّة المجتمع وانخراطه ثقافيّاً..دينيّاً..اقتصاديّاً..سياسيّاً في ذهنيّة ال (فوق/ تحت)، فبيوت أهل السلطة والوجاهة أكثر ارتفاعاً من بيوت العامّة، حتى أنّ مبدأ (الفوق) يُلاحَظ في المجالس العامّة، حيث تجلس الخاصّة في المقاعد العليا والعامّة في المقاعد الدنيا، ويُعَرّف أهل المنزلة العليا في المجتمع بالرّؤساء من (رأس) (فوق) أو الأعيان من (عين)..تأمل، مستقبل (فوق).

ويشتدّ فعل ال(فوق/تحت) ليطال واقع المجتمع برمّته، فالحاكم (فوق) والمحكوم (تحت)..الغني (فوق) والفقير (تحت)..المعلم (فوق) والطالب (تحت)..الأهل (فوق) والأولاد (تحت)..الأكبر سنّاً (فوق) والأصغر (تحت)..العمل الفكريّ (فوق) والعضليّ (تحت)..ربّ العمل (فوق) والعامل (تحت).. المتمسّك بقيم الجماعة (فوق) والخارج عليها (تحت)....إلخ.

إنّ قيمة ك "التواضع" مثلا ما هي إلا امتداد لتلك الذهنيّة التي تصنّف الناس بين أعلى وأدنى، إذ ما التواضع إلا نفاق يوهم الآخر أنه (تحت) يتمّ النّزول إليه ككرم فائض في الأخلاق! إنّ الشخص الذي ينصّب نفسه كمتواضع سيشعر بالكآبة إذا ما باتت كلّ الناس (فوقاً) فلمن سينزل بهذه الحالة؟! لقد كان يستمد وجوده (فوقه) ممن (تحته)، أما الآن؟؟؟ وعلى هذا يحرص أصحاب السّلط دوماً على وجود (التحت) وتكريسه!

وإذا كانت تراتبيّة الجسد انعكاساً مجازيّاً لتراتبيّة المجتمع، فإنّ تراتبيّة المجتمع انعكاس مجازيّ أيضاً لتراتبيّة العلاقة بين الرجل والمرأة، تلك العلاقة المفعمة بروائح البطريركيّة، المختلّة منذ زمن سحيق.. سحيق، معلنة تفوّق الرّجل على المرأة في الصّميم، ولوعدنا إلى أسطورة التكوين السومريّ التي أتينا على ذكرها في الجزء الأول من هذه المقالة، سنرى أنّ فَصْل السماء عن الأرض، وذلك ما قام به الإله إنليل حيث أبْعَدَ السماء المذكّرة فرفعها عالياً فوق الأرض المؤنثة، ما هو إلا رغبة ذكوريّة عارمة في السيطرة على الأنثى، فتصبح المرأة (تحتاً) والرجل (فوقاً)! لقد تأصّلت سلطة الرجل كونها استُمِدّت من الله كذكر أعلن ذكوريّته تاريخيّاً من خلال انعتاقه المطلق من أيّة شائبة أنثويّة، ف "الله" (فوق) يزداد فوقيّة من خلال تأنيث كلّ ما هو (تحت). وما الوضعيّة التقليديّة في الجنس بين الرجل والمرأة إلا مثال على سيادة (الفوق) على (التحت)، فالمرأة يجب أن تكون (تحتاً) تتلقى كلّ فعل، فيما الرجل (فوق) يرسي أفعاله على ما تحته. وتنخر البطريركيّة ليس فقط بين الرجل والمرأة، بل بين المرأة والمرأة أيضاً، فالمرأة التي تزوّجت وأنجبت هي بلا شك (فوق) فيما التي لم تتزوج وبالتالي لم تنجب (تحت)، لأنّ المرأة الأم هي "حواء" المطيعة لآدم، أليست من ضلعه؟! أما المرأة الأنثى فهي "ليليت"(1) المتمرّدة على آدم..الشهوانيّة..التّائقة لتحقيق ذاتها!

ويبدو أنه كلّما راق للعقل نحت مفهوم، يرتفع هذا المفهوم فوقه مستعبداً إيّاه، هكذا، يتناوب الإنسان الألوهة والعبوديّة في آنٍ معاً، فتارة يسود بمفاهيمه وأخرى يُستعبَد بها!! وقد يكون المثل الحي الأبرز على ذلك هو"التقنيّة ومفهوم التقنيّة". لقد كانت المخيّلة دوماً وراء الدين والفن والعلم والتكنولوجيا، فالإنسان كائن حالم، حلم بعالم افتراضيّ فخلقه متحدّياً بذلك عجزه عن خلق عالم طبيعيّ، وقد تجسّد جزء من عالم الإنسان الافتراضيّ هذا على الأرض على هيئة "تقنيّة"، تطوّرت هذه التقنيّة متنقّلة بين الأزمنة والأمكنة، مارّة بمختلف الأشكال والأحجام والمهام والوظائف والاعتبارات و.. و..إلخ، وقد قطعت في تطوّرها شوطاً هائلا في العصر الحالي بعد تجسّدها بالكمبيوتر والإنترنت لتثبت أنّ الإنسان محور العالم. غير أنّه من الغريب والمثير للتساؤل! أنْ تغدو التقنيّة أو الآلة أو التكنولوجيا إلهاً (فوقاً) فيما يصير الإنسان عبداً (تحتاً) لتكنولوجيا خلقها بنفسه!!


يبدو هنا، أنّ الإنسان لم يحتمل فكرة أنْ يكون إلهاً خالقاً لعالم افتراضيّ، يضاهي الإله السّماوي في خلقه للعالم الطبيعي "مجازاً"!!

هكذا، سيُستعبد الإنسان مرّات عدة، مرّة على يد الله...ومرّة على يد الطبيعة بكوارثها وبراكينها وزلازلها...ومرّة على يد أخيه الإنسان بأشكال مباشرة، أو غير مباشرة وهي لا تُعدّ ولا تُحصى في انتهاكها لحقوق الإنسان واستعبادها له...ومرّة على يد التكنولوجيا، وفي هذه المرّة بالذات سيظهر تناقض الإنسان واضحاً، جليّاً، فهو تارة يعلن نفسه سيّداً على الطبيعة وعلى كلّ المخلوقات كونه (فوقاً) صانعاً للعالم الافتراضيّ، وتارة أخرى ينقلب (تحتاً) عبداً وضيعاً لما خلقه بنفسه، "للتقنيّة"! ويتجلّى ذلك أكثر ما يتجلّى حينما تستحيل التقنيّة أداة قتل وتدميرللإنسان، أو حينما يؤنسن الإنسان التقنيّة مسقطاً عليها صفاته، كأن يصفها بالعبقريّة مثلا ناسياً أنّه هو العبقري، صانعها، وناسياً أنّ التقنيّة تجيب ولا تسأل، وأنّه هو السائل الوحيد في هذا العالم!!

أخيراً..إنّ شغف الإنسان القديم..الجديد، البعيد..القريب ب (الفوق ) دفعه لاكتشاف الفضاء باحثاً عن مكان جديد تتوفر فيه شروط الحياة..مأخوذاً بالعالم الثاني..تائقاً إلى مخلوقات فضائيّة مختلفة قد تحمل عنه وِزْرَ حلّ لغز هذا الكون المقلق المرهق، إلا أنّه لم يتجرّأ يوماً على خوض مغامرة يكتنه فيها عمق الأرض، لم يستثمر الظلمة كما استثمر النور دوماً، أليس العلم أن نبحث في الظلام؟! يبدو أنّ العمق فائق في صعوبته، مرعب في غموضه!

ربما بات مهمّاً أن يقوم الإنسان بمغامرة جديدة يكتنه فيها العمق، عمق العقل..يحفر وينقَّب ليصل إلى جذر المفاهيم التي قولبت العالم، فثمة جانب مظلم من العقل لم يتم اقتحامه بعد كي يبدأ رحلة جديدة لا تحنّط المكان والزمان بال (فوق/تحت) وتكون أكثر تصالحاً والحياة، فهل سيكون ذلك ممكناً؟!!



هوامش:

3-ليليت في اللغة العبريّة تعني "العتمة"، ووفق (سفر التكوين) خلق الله "ليليت" الزوجة الأولى لآدم بالطريقة نفسها التي خلق بها آدم،أي من نفس المادة(التراب)، لكن ليليت رفضت الخضوع لآدم، ورفضت أن يُلقي بجسده فوقها أثناء ممارسة الجنس فقد أرادت أن تكون مشاركة في الفعل الجنسي وأن تنام فوق آدم وأن تكون مساوية له، كما أنها رفضت الأمومة، وقد أغضب تمرّدها آدم فهربت من الجنة، وعندما اشتكى آدم لربه بعد هروب ليليت من الجنة بأنه قد ملّ البقاء وحيداً، خلق الله له "حواء" ولكن هذه المرة لم يخلقها من التراب مثل ليليت، إنما خلقها من أحد أضلاعه، وعلى هذا ستكون خاضعة وليست مساوية لآدم، ومنذ ذلك الحين سيغدو آدم (فوقاً) وحواء (تحتاً)، وليليت، الجانب المظلم من الأنوثة المقموعة (تحتاً) وحواء، الجانب المضيء، أي المعلن والمسموح به (فوقاً).

×××××××××××××××××××

نقل المواد من الموقع دون الإشارةإلى المصدريعتبرسرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدرــ ألف


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow