Alef Logo
ضفـاف
              

المعلم الأول وصناعة الإنسان

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2010-07-18

يقدم الكاتب القرغيزي الشهير تشينغيز إيتماتوف في روايته "المعلم الأول" انموذجاً يحسد عليه في رسم صورة المعلم الأول، الإنسان البسيط و الطيب، الفتى الكولخوزي الذي لا يتقن من القراءة و الكتابة إلا اليسير، الانسان العنيد و الدؤوب عاشق الكلمة و الحرية "ديوشين" الذي أخذ على عاتقه مهمة تدريس أطفال القرية الفقيرة "كوركوريو" وعمل لوحده على إعادة تأهيل اصطبل قديم ليصبح مكاناً متواضعاً و أول مدرسة في القرية.
لم يُلقِ ديوشين بالاً إلى استهزاء و سخرية أهل القرية منه بل عمل مواظباً على جمع أطفالهم يومياً وأخذهم إلى المدرسة ذهاباً و إياباً و تلقينهم القراءة و الكتابة و فتح أمامهم بوابات إلى عوالم أخرى لم يكن هؤلاء الأطفال قد سمعوا بها من قبل أو رؤوها و تقع خارج حدود قريتهم الصغيرة. بالرغم من تواطؤ الثلج و الريح على الأجساد الغضة في فصل الشتاء، و صقيع النهير الصغير وزمهرير مياهه الذي كان عليهم أن يقطعوه لاذعاً جالداً أقدامهم الصغيرة مبكياً عيونهم القرغيزية ، لم تهن عزيمة الأطفال أو ديوشين بل حملهم على ذراعيه وعبر بهم فوق النهير واحداً تلو الآخر. و أحد الانجازات التي تحسب عليه إنقاذ الفتاة التينا اليتيمة ذات الأربعة عشر ربيعاً وتلميذته المفضلة من براثن عمها وزوجته اللئيمة و محاولتها تزويجها من رجل يكبرها بأعوام عديدة متزوج وله أولاد يكبرون التينا سناً، ضُرب المعلم ديوشين ضرباً مبرحاً و كسرت يده و اصطبغ رأسه ووجهه بالدماء عندما تصدى للعريس المرتقب ورجاله واستطاعوا سرقة التينا إلى الجبال، لحق ديوشين مع رجلان من المليشيا بهم واستعادوا التينا. أرسل المعلم مباشرة الفتاة إلى معهد الماركسية اللينينية في موسكو لتتابع دراستها وتعليمها، فتصبح التينا أكاديمية مشهورة آنذاك تلقي المحاضرات في الجامعات داخل الاتحاد السوفياتي و خارجه .. تزوجت و أنجبت أطفالاً و لم تلتق أبداً بمعلمها الأول لظروف مختلفة و الحرب التي عاشها الاتحاد السوفياتي.
تعود الأكاديمية التينا سليمانوفنا بعد عقود عديدة إلى قريتها بعد تلقيها دعوة لافتتاح مدرسة جديدة ، وبعد الاحتفالات و الرقصات و تكريم أكاديميتهم الشهيرة ، يدعو مدير المدرسة التينا وبعض الحضور إلى بيته، و أثناء ذلك يدخل فتى ليسلم برقيات أعطاه إياها ساعي البريد ديوشين (المعلم الأول سابقاً) والذي كان يهمز بحصانه طوال الطريق ليوصل بسرعة برقيات التهنئة بافتتاح المدرسة ، يرفض ديوشين الدعوى للدخول ليتابع عمله.
بعد فترة وجيزة تُرسل التينا رسالة طويلة تفصح فيها عن حكايتها و حكاية المعلم ديوشين إلى الراوي و في نهايتها تعبر عن ألمها بقولها " شعرت بذنب أيضاً ، لأنني لم أكن الشخص الذي يجب أن يحاط بكل حفاوة ممكنة و يجلس في مكان الشرف أثناء افتتاح المدرسة الجديدة، فإن هذا الحق يملكه معلمنا الأول دون أي شخص آخر. العجوز ديوشين و الذي حدث عكس هذا ، جلسنا نحن وراء موائد الوليمة و كان ذلك الرجل الطيب يُسرع لتوزيع البريد " ثم تتساءل التينا " متى فقدنا المقدرة على احترام الشخص البسيط بصورة حقيقية؟"
ما دفعني بدايةً لكتابة ما سبق هو السؤال الأخير الذي طرحته التينا، وأتساءل .. هل كان المعلم ديوشين حقاً بسيطاً؟ وهل يَقل المعلم البسيط قيمة وفضيلة عن الأكاديمية التينا ؟ ومن أين أتى بكل هذا الدافع اللجوج و الواجب الانساني اللحوح و إيمانه العميق في تقديس العلم و العمل ؟ من أين أتى بكل هذا الحب للمعرفة و الحرية و يقينه الانساني في حرية الانسان و إنسانية الانسان التي تتحقق بالدراسة و العمل المواظب الدؤوب لخلق عالم أفضل و أجمل و أرقى؟ ألا تصنع العقائد و النظريات الإنسان و هو بالمقابل يصنعها؟ ألا يتساوى الجميع في عملهم المُجد و المثابر بغض النظر عن المهنة و الرتبة ؟...
ألم يلتقي كل منا فيما مضى بشخص يكاد يكون أمياً كالأم أو الأب أو الجد أو الجدة، قريباً كان أم غريباً يتملكه هذا الدافع الفطري للعلم و المعرفة و يصرخ بأولاده .. ادرس.. اقرأ ، ويحاول بشتى الوسائل تذليل الصعاب والعوائق ليدخل أبناؤه المدارس والجامعات، ألم تتجذر صورة ما في وعيهم الداخلي تَقر بفضيلة العلم و العمل رغم الفقر والمعرفة الضئيلة فيلحون على أبنائهم و يدفعونهم نحو الهدف الأسمى بلا كلل أو ملل. بالمقابل ألا يتصف العديد من الجامعيين و الدارسين بالتخلف والجهل والرجعية وعدوى الخوف فيمنعون فتياتهم من الدراسة و حضور المدرسة أوالجامعة بحجج خارجة عن كل إطار منطق الفكر و الفهم الانساني العقلاني، ألا يتبجح العديد بشهادات أو رُتًب يملكونها أو لا يملكونها دون أي إنجاز فكري أو ثقافي أو إنساني ولو كان ضئيلاً.
صفحات مُصفَرة عديدة ضاعت مع دقات الأمس و ابتلعتها رياح الأيام، تهاوت حكايتها و بهتت سطورها وضاع جنودها المجهولين في ذاكرة الأشخاص والحياة ، ويبقى اصرار الشعوب الطموحة المُجدة و المثابرة صانعة كل حاضر و تاريخ و تغيير..
يستحق منّا معلمنا الأول كل التبجيل .. ووحده إيتماتوف بجلَّه و كرّمه .. وأيُّ تكريم.
×××××××××××××××××××

نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر ــ ألف


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow