Alef Logo
دراسات
              

عن "فوق/تحت" كمفهومين من نحت العقل/ج1

علا شيب الدين

2010-07-14

خاص ألف
تبدأ رحلة الإنسان مع المفاهيم من كونه ظاهرة لغويّة، تستقطب المحيط ككَثرة، لتزجّ به في قالب اللغة..في المفاهيم كموضوعات للّغة، وقد يكون مبرّر نهم الإنسان للّغويّة، شعوره بقصر حياته وقصورها عن الإحاطة بالكثرة إحاطة مطلقة. ينحت العقل مفاهيمه رافعاً الأشياء إليه، مؤنسناً لها، فيكون الواقع غير المؤنسن بعد (تحتاً)، ويصبح الواقع المؤنسن بواسطة أحكام العقل ومفاهيمه (فوقاً). وال (فوق/تحت) إحدى المفاهيم التي نحتها العقل، مطوّعاً الأشياء..كلّ الأشياء لتتفق ومنظوره إليها.

هكذا، ليس غريباً ولا مصادفة أن يكون عالم الموت والموتى عالماً سفليّاً في الميثولوجيّات! إذ كلّ ما لم يعد منه فائدة ترتجى يتم إقصاؤه إلى الدّرْك الأسفل. الموت كان ومازال لغزاً غامضاً يحيّر العقل، ويبدو أنه كلّما استعصى عليه حلّ هذا اللّغز، كلّما ازداد انتقاماً منه بزجّه في الأسفل (تحت)، تحت التراب.. في عمق الأرض.. في أقاصي العتمة. وقد يكون نوعاً من ردّ الفعل على الغموض الذي يكتنف الموت أنْ يتمّ الإعلاء من شأن الوضوح، الحياة، النور، فترفع هذه إلى (فوق)، هكذا، يُفضَّل (الفوق) على (التحت)، ويُعاقَب الموت كونه لغزاً غامضاً لا يكشف عن سرّ مباغتته للحياة، بجعل الشيطان (ملك الشرّ) سلطاناً عليه، ويقيم العقل لهذا الشيطان إلهاً يجرّمه، فيظهر في مقابل الشيطان ك (تحت)، الله ك (فوق) سيّداً على هذا الشيطان اللّعين. وهكذا أيضاً، فُصِلت السماء عن الأرض لتبدأ رحلة العقل الطويلة.. الطويلة مع (الفوق) و(التحت)، فصارت السماء ك (فوق) مرتعاً للآلهة والملائكة، وباطن الأرض ك (تحت) مرتعاً للشياطين والأموات، أما الإنسان فهو ذلك الحائر بين ال (فوق/تحت)، ال (سماء/أرض). من الملائم هنا استحضار إحدى أساطير التكوين السّومريّ، فنقرأ:

بعد أن أُبعِدَت السماءُ عن الأرض
وفُصِلَت الأرضُ عن السماء
وتمّ خلقُ الإنسان
وأخذ "آن*" السماء
وانفرد "إنليل*" بالأرض
أخذ الإله "كور*" الآلهة "أريشكيجال*" غنيمة.(1)


كما أنّه من الملائم أيضاً التّعريج على (الرّابية) لمَا لها من أهميّة خاصّة في التصوّر الأسطوريّ، فالرّابية تمثّل نقطة البدء وهي التي تتحوّل إلى السماء وإلى الهيكل المقدّس الذي يشرف منه الإله على مخلوقاته من عليّ. فها هو "مردوخ*" يخاطب مخلوقاته قبل أن ينازل "تعامة*" التي حاولت أن تعصي الآلهة في معركة كونيّة صارمة ودائمة، قائلاّ: "إذا كان لي حقّاً أن أكون المنتقم لكم، قاهراً لتعامة، وحافظاً لحياتكم، فإنّي أطلب أن تجتمعوا وتعلنوا علوّي وسموّ قدْري" وبما أنّ "مردوخاً" خالق المكان وصانع الأرض فقد دعاه الأب "إنليل" بسيّد الأرضين حيث يقول له: أنتَ سيّد الأرضين يا مردوخ. وفي الديانات السماويّة سيّد الدّارين.

العلوّ إذاً: ينطوي على بعديّ الزمان والمكان، فالزمان: بدئيّ..أزليّ، والمكان: سامٍ..رفيعٍ..عالٍ، فإذا ما استعدنا تصوّر الرّابية الأولى في أذهاننا سنصل إلى أنّ المكان مثله مثل الزمان
(أزلي- أبدي).

ال (فوق) إذاً ومنذ القدم ارتبط في ذهن الإنسان بالأفضليّة والرقيّ، لكنّ ال (تحت) ارتبط بالأقل شأواً ومكانة. لا شكّ أنّ أمراً كهذا يدعو للتفكّر في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، في تقييمه للأشياء، وأنسنته للمحيط..للطبيعة..للمكان والزمان! ذلك أنه لا المكان، ولا الزمان بمدرِكيْن لماهيّة الأحكام التي يسقطها عليهما الإنسان كي يرفعهما ويصبّهما أخيراً في العقل، إذ ما الذي يعنيه أن تكون الرّابية كعلوّ، أهم من السّهل كانخفاض؟! ليس لهذا اعتباراً في الطبيعة المستقلّة عن الإنسان طالما أنه ليس للطبيعة الطبيعيّة غايات وأهداف، ولا يصبح المكان والزمان مهمّيْن أو غير مهمّيْن إلا بقولبتهما وفق مفاهيم الإنسان عنهما.

ويبدو أنّ أفضليّة ال (فوق) على ال (تحت) ستستمر حتى بعد أن يتجاوز الإنسان تفكيره الأسطوريّ ليتّجه صوب التفكير المنطقيّ الفلسفيّ، فقد باتت المرحلة التي رشحت فيها الفلسفة الطبيعيّة في اليونان، الفلسفة التي تفسّر الطبيعة بالطبيعة، ولا تفسّر الوجود بمبدأ خارج الوجود، والتي كانت خاتمتها الحركة "السفسطائيّة"، باتت هذه المرحلة بكلّ أفكارها وسياقاتها وتجلّياتها (تحتاً) بعد مجيء "سقراط" مشكّلاً منعطفاً في تاريخ الفلسفة، جاعلا من الفلسفة الطبيعيّة وتحديداً من السوفسطائيين (تحتاً) على اعتبار أنهم حركة تمرّدت على كلّ ما هو (فوق) من آلهة وأعراف وسلط وقوانين...رادّة الاعتبار إلى الذاتيّة، الحس، الإنسان الفرد ككائن حرّ، يفكّر ويعقل ويشعر..ساخرة من العفّة والقناعة ومن القوانين التي اعتبرتها من عمل الضعفاء لأنهم أعداء كلّ تفوّق، فكلّ قانون إنسانيّ لا يفرض تقديسه إلا من يستفيد منه. مع مجيء سقراط صار العقل هو الأعلى شأواً، وأصبحت المعاني والقوانين والمباديء العقليّة والمعرفة وبالتالي الأخلاق (فوقاً) هكذا: سيغدو كلّ ما هو عقلي (فوقاً) ومن ثمّ حقيقة، وكلّ ما هو حسّي (تحتاً) ومن ثمّ ظنّاً. العقل كقانون..وحدة.. ثبات، هو حقيقة (فوق)، أما الحواس ككثرة.. تغيّر.. ذاتيّة متجسّدة في آنٍ، ف "الإنسان مقياس كلّ شيء" وفق الفيلسوف السوفسطائي "بروتاغوراس"، كلّ هذه هي ظنّ بظن (تحت).

والحقّ أنّ نبْذ السفسطائيين، بل كلّ ما ينتمي إلى عالم الحس، الواقع، على اعتبار أنه (تحت) سيُدرِكُ قمّته على يد تلميذ سقراط "أفلاطون"، حتى أنّ لفظة سفسطة، ومنذ أفلاطون، ستصير سبّة وستبقى كذلك حتى عصرنا الحاضر. لقد تطرّف أفلاطون شديد التطرّف لصالح العقل ولم يقنع بأن يكون (فوقاً) فحسب بل فوق الفوق، فأسكن المفاهيم العقليّة أو الكليّات أو التصوّرات المجرّدة بعد أن أسماها(مُثلاً) في عالم مستقلّ، قائم بحدّ ذاته. عالم مثاليّ..علويّ..سماويّ..إلهيّ، لا بل لم يكتف أفلاطون بفوق الفوق هذا، فقام بنَحْتِ مثال للمُثل، هو المثل الأعلى معتبراً إيّاه الخير الأعلى، الصّانع (Demiurge) لكلّ ما (تحته)، وعلى هذا، فإنه كلّما تمّ العلوّ والصّعود أكثر، كلّما باتت المعرفة أكثر دقة، وازداد الخير أكثر فأكثر، والعكس صحيح تماماً. يزداد ال (تحت) ارتباطاً بالوضاعة تبعاً لازدياد تحتيّته و(الفوق) يزداد ارتباطاً بالرّفعة والأفضليّة تبعاً لازدياد فوقيّته، وما الواقع الماديّ المحسوس (ال تحت) عند أفلاطون إلا نسخة من ( الفوق)، المثال. وهكذا، سيصبح للمثال في ذهن البشريّة قيمة كبرى لا تضاهيها قيمة، وسيكون المثال دوماً في الأعلى (فوق)، وبالتالي فإنّ جلّ ما تطمح إليه البشريّة سيغترب ويبتعد عن الأسفل (تحت)..الواقع.. الأرض، سيرتبط الأفضل بالميتافيزيقا..ميتافيزيقا محلّقة في فضاءات الغيب، شادّة فكر وتفكّر الإنسان صوب ال (فوق) كطموح أرقى وأهم من ال (تحت)، وقد صار من البداهة أن يكون القصد من وراء السؤال
(ما هو طموحك؟) هو الأعلى، فالطموح ارتبط في ذهننا بالمستقبل (فوق) لا بالحاضر(تحت)، وكلّ الأمجاد والانتصارات والتفوّقات، وكلّ القيم الجماليّة والأخلاقيّة ارتبطت بالمكانة العليا،ب (الفوق).

ورغم تخفيفه من حدّة (الفوق) لدى أستاذه، بإنزاله التصوّرات أو المفاهيم من عالم أفلاطون البعيد، الشديد العلوّ، ليجعلها تستقرّ في العقل كصورة(فوق) لمادة..هيولى (تحت)، إلا أنه ظلّ
(للفوق) أهميّة كبيرة في فلسفة "أرسطو" من خلال إصراره على ألاّ علم إلا بالكليّات (فوق)، وقد تجلّت أهميّة (الفوق) لديه في الصّورة المطلقة أوالمحرّك الذي لا يتحرّك، ليبقى (الفوق) مع الصّورة المطلقة هذه أهم من (التحت)، طالما أنّ (الفوق) يحرّك (التحت) فيما العكس لا مجال لحدوثه على الإطلاق.




الهوامش:
1-فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، منشورات دار علاء الدين، دمشق، ص34

*آن: إله السماء المذكر ورئيس مجمع الآلهة عند السومريين، نفس المرجع السابق ص378

*إنليل: إله الهواء والعاصفة عند السومريين، نفسه ص378

*كور: إله العالم الأسفل، عالم الموتى الذي تمضي إليه الأرواح في الميثولوجيا السومريّة نفسه ص35

*أريشكيجال: إلهة العالم الأسفل في بلاد الرافدين، كانت فتاة عذبة ةإلهة سماويّة، ولكن الإله كور، وحش العالم الأسفل اختطفها غنيمة لتعيش معه هناك، نفسه ص376

*مردوخ: الإله الثاني بعد "آنو" إله السماء لدى البابليين، ولكنه السيد الفعلي لمجمع الآلهة والأعلى بينهم جميعاً، نفسه ص384

*تعامة: المياه الأولى والمحيط البدئي، تنين العماء والهيولى الأصلية لدى البابليين، نفس ص382

×××××××××

نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبرسرقة. نرجوممن ينقلون عنا ذكرالمصدر ــ ألف


تعليق



Margarita

2015-12-19

The abtiily to think like that is always a joy to behold

رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

وُريقتان

02-كانون الأول-2014

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow