Alef Logo
يوميات
              

تأمّلات في الشّجر والعشب

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-07-02

يا عبدُ الحروف كلّها مرضى إلا الألف
أما ترى كل حرف مائل/ أما ترى الألف
قائماً غير مائل/ إنما المرض الميل للسقام
فلا تمل.
"النفّري"

ترى هل يستقيم القول: يا عبد النباتات كلّها مرضى إلا الأشجار..؟! هل تستقيم مقارنة الشجرة بالألف؟! يبدو أنه ليس من استقامة لا في هذا القول، ولا في المقارنة، ربما لأن وقفة الألف وقفة حرّة، لا تتبع ل "جذور" تمنع عنها البداوة والتّرحال! وليس هذا حال الشجرة.

الأشجار جميلة وربما ضرورية ولاغنى عنها في الحياة، ولكن ثمّة وجه آخر لها، وجه يدفع للتفكّر حول ماهيّة العلاقة بيننا وبينها، معلناً عن حالة التعب التي تشوب هذه العلاقة، و ربما هذا ما دفع كلا من "جيل دولوز" و"فيليكس جواتاري" لإطلاق صيحة ملولة "تعبنا من الأشجار"، صيحةعبّرا من خلالها عن رفضهما لصيغة (الكتاب-الشجرة) الجذر، الكلاسيكي الكامل، المكتفي بكتابه وموضوعه، أحاديّ الاتجاه والإيقاع، ثنائيّ المنطق. إلا أنهما قدّما صيغة بديلة هي (الكتاب – الريزوم*)، كتاب - ضد، يرفض النسبة إلى كاتب أو موضوع، لا يوجد إلا بفعل من خارجه، ليست له بداية/ نهاية، يتدفق من أية نقطة مغيّراً طبيعته باستمرار، كتاب متعدّد الإيقاعات، الاتجاهات.

قد لا تكون مشكلتنا كبشر في أننا سنموت، ولا في أننا لم نستطع للآن فكّ شيفرة وجودنا في هذا الكون وقد لا نستطيع، ولا في أننا نلهث وراء أجوبة لأسئلة ستبقى أسئلة، لن تتخلّى عن حالتها النهريّة من أجل الاستحالة إلى سقوف (أجوبة) فهذي من حقائق الحياة وضروراتها، ولكن يبدو أنّ تشبّثنا بالأشجار هو مشكلتنا في معنى من المعاني!!

ما الشجرة إلا جذر وجذع وأغصان، حيث الاتجاه الواحد والتّمَسْمُر في المكان، بداية/نهاية، وذاكرة مكتظّة حدّ الإرهاق، إذ لا مجال للنّسيان مع الشجرة، كلّ ما فيها يذكّر ببعضه البعض، كلّ ما فيها يرتدّ للجذر، ما الشجرة إلا تاريخ.. تأريخ مستمر!

"الجذور" تتأصّل باطن الأرض، تنخر في التربة، تؤسّس لكلّ ما يعلو فوقها. ما فوق السطح يمتشق ظانّاً نفسه حرّاً، يتطاول "الجذع" صوب حريّة وهميّة، لا يدرك أن ثمة جذور تمنحه وجوده وتتحكّم فيه، وتتحكّم بمصيره أيضاً. جذورلا يستطيع مغادرتها إنْ رغب في ذلك يوماً، ثم تأتي "الأغصان" لتزيد على الوهم وهماً، كلّ غصن يذهب في اتجاه ظانّاً نفسه كذلك حرّاً ومتفرّداً، ولكن.. زيف هذه الفرادة سيظهر بجلاء إذا ما انفصل الغصن عن شجرته! ليس من تفرّد وفرادة مع الشجرة، الغصن لم يكن ليوجد لولا الجذع، لولا الجذر. الجذع لم يكن ليوجد لولا الجذر. وباختصار شديد، ستموت الشجرة إنْ مات الجذر ولا مجال للعيش خارج الشجرة!

رغم زعمنا المستمر بأننا كائنات حرّة، إلا أننا نتشبّثُ بالأشجار! ورغم إصرارنا على التعالي على الطبيعة والتّباهي كوننا غير منقادين لقوانينها، أو على الأقل نستطيع التملّص منها والتحايل عليها إنْ أردنا، إلا أنّ فكرنا بات شجرة! لا نرغب ولا نريد وربما لا نستطيع الانعتاق من الطبيعة.. طبيعتنا، لا نقدر على الانعتاق من الأشجار.. أشجارنا.

تغرينا البداية /النهاية وهي حالة الشجرة بالتأكيد، تغرينا المسيرة الخطّيّة للشجرة، فتغدو الحياة بكلّ ما فيها من تفاصيل "شجرة"، شجرة للعائلة، وأخرى للمعرفة..ها هي حياتنا إذاً تأطّرت بالشجرة ولم يبق شيء خارج الحالة الشجريّة، لن يكون لوجودنا تفرّداً لأننا غصن في شجرة لا يمكن الانفكاك عنها، وخارج "شجرة العائلة" نحن لا شيء. وبالمقابل، لن يكون لوجودنا ككائنات عاقلة، مفكّرة تفرّداً يُذكر طالما أنّ للمعرفة شجرة تحصرها في ثنائيّات لا مخرج منها بداية/نهاية.. سبب /نتيجة.. أصل /غاية، هكذا: فإنّ كلّ معرفة خارج"شجرة المعرفة" تغدو لا شيئاً. قد ندخل غابة متنوّعة الأشجار فنظنّ أننا في عالم الاختلاف والتنوّع، عالم قبول الآخر والانفتاح عليه، ولكن..سيسقط هذا الوهم لو فكّرنا في تبعيّة كلّ شجرة لجذرها!!

وما دام شغفنا بالأشجار وصل إلى هذا الحد، فإنّ ابتداعنا لعيد للشجرة لا ينطوي على ضرورة الحفاظ على البيئة فحسب، بل على تكريس لمفهوم الشجرة والحفاظ عليه أيضاً، مفهوم التأصّل، التجذّر، الخطّيّة والاتجاه العمودي الواحد في فكرنا.

ولكن..ماذا عن العشب؟

التّرحال، الامتداد الأفقي، ملء الفراغات، التّدفّق، حيث اللاتجذير، اللاتأسيس، اللاتأصيل..ترى ألا تستحق هذه التفاصيل و(هي تفاصيل العشب على أية حال) أن نقيم لأجلها احتفالات خاصة بالعشب، احتفالات تكرّس مفهوم العشب في فكرنا؟!

عاش البشر حالة العشب في حقبة من الزمن، حالة العيش المشترك والتقاسم المتساوي للحلو،المرّ، العمل، الإنتاج...عاشوا حالة الحب، حب الطبيعة وعدم التفكير في السيطرة عليها، ولكن يبدو أنهم تخلّوا فيما بعد عن تلك الحالة العشبيّة (الأفقيّة) فنزعوا إلى الحالة الشّجريّة (الطبقيّة، الهرميّة، العموديّة)، مركزوا أشياء وهمّشوا أخرى، مركزوا الأشجار وهمّشوا العشب، العشب الممتد، المنبثق في كلّ مكان، المخلص لكلّ بقعة من بقاع الأرض. غابت الحالة العشبيّة لتظهر حالة الأشجار، الطبقات الاجتماعية، الأعراف، الحضارات، الثقافات، الديانات..تعدّدت الجذور وازدادت مع الزمن إيغالا وتأصّلا في أرضها، ازدادت تشبّثاً بالمكان وذاكرته وتاريخه، كلّ حضارة.. كل ثقافة.. كل ديانة.. باتت شجرة، تعيش وهم المركزيّة وترغب في تمحور الأشجار حولها.

لطيف أنّ العشب ينمو بين الأشجار، في الجبال ، في الوديان..وحتى بين الصخور، لطيف أنّ العشب يسير باتجاه مغاير لاتجاه الأشجار، هكذا، ينبغي إعادة النظر في إقدامنا على اقتلاع الأعشاب من بين الأشجار بحجة أنها ضارّة، هكذا، تبرز أهمية تناغمنا والعشب كونه أفقيّاً، راحلاً، مسافراً، يأبى التوطّن.. التّمَسْمر.. التّمركز في المكان، ليس له غاية يتجه إليها، ولا نقطة ينطلق منها، بإمكانه أن يتجه في أيّ اتجاه وينطلق من أية نقطة. للعشب ساق أفقية تخرج الجذور من عقدها، لذلك لن تموت الجذور إنْ قُطِعَتْ لأنها ستنمو من جديد، فما أجمله من إصرار على الحياة!! ليس للعشب مشكلة مع الحياة وتفاصيلها لأنه يجيد النسيان، النسيان الضروري للمضيّ قدماً دون أن تعرقل المسير ذاكرة مترهّلة، مثقلة بالأحمال، فما العشب إلا جغرافيا. جغرافيا تشيح بوجهها عن التاريخ والتأريخ بكلّ أشكاله.

لا شكّ أن العشب لا يفعل فينا ما تفعله الأشجار، لا يمنحنا إحساساً جامداً بالسّكون والاستقرار، بالرّاحة الوهميّة، الزّائفة، يحرّضنا بامتداده الأفقي على مكابدة الحياة، العيش، المشي، القلق اللازم للمعرفة الحرّة، التّرحال الضروري للتواصل بين الناس، الحب والانفتاح..ولوج التنوّع وقبوله، فليس للعشب جذوراً "متأصّلة" تشدّنا إليها وتمنعنا من الالتقاء بالآخر!!

لا يقينا العشب أشعة الشمس، لأن الشمس محور الحياة، واهبتها، على العشب نستلقي فنستقبل الحياة واتساعها باتساع مقابل في الصّدر، إلا أنّ فيء الأشجار يقينا أشعة الشمس، يقينا الحياة!

مع الأشجار قد تضيق آفاقنا، عقولنا، صدورنا، فالأشجار لا تسير، لا تنبثق من أضيق الأمكنة، فيما العشب بتدفّقه من كلّ نقطة، من أكثر الأمكنة ضيقاً، يتّسع بفضاءات العقل والقلب.

العشب معلّم طبيعيّ للأخلاق، الحب، الحريّة، التنوّع........الكونيّة.



هامش:
الريزومRhizome : ساق أفقية تنمو تحت سطح التربة تخرج الجذور والأوراق من عقدها/درناتها، لا تموت الجذر إذا قطعت، بل تنمو من جديد، أمثلتها(العشب) وردت هذه المفردة مجازياً في مقدمة جيل دولوزGilles Deleuze وفيليكس جوااتاريFelix Gwattari لكتاب "ألف هضبة" دار مينوي، باريس، 1980

××××××××××

نقلالموادمنالموقعدونالإشارةإلىالمصدريعتبرسرقة. نرجوممنينقلونعناذكرالمصدر.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

وُريقتان

02-كانون الأول-2014

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow