Alef Logo
يوميات
              

في وهم الوصول.. وأهمية الطريق

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-06-26

ما يميز "القيمة" اتخاذها من الأفق بيتاً، وهل للقيمة إلا أن تتبدد ما أن تلامس الأكف؟! الطريق رحلة اندهاش لا يتوقف، تتبرعم معه ورود معرفة جديدة تكشف باستمرار فقر النهاية أمام غنى الطريق بتعثرها وتعرّجها، طولها وقصرها، صعودها ونزولها، انسيابها ووعورتها..


ها هم السواد الأعظم من البشر يغارون من كمال "الله" فيعيشون تحت وطأة الضعف والهوان والاستكانة. ولكن (وكم هي ضرورية كلمة لكن لكل من يهوى النقد) ألا يليق بنا كبشر "الطريق" إلى الكمال أكثر من "الكمال"؟! قد لا تتوفر حكمة متبصّرة أكثر من تلك التي لا تتخطى أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، فيبقى التشوّق للاسم المائة مبرراً لاستمرار الحياة بكل تفاصيلها، فالمجهول محرّض عظيم للبشرية يقيها رذائل وهن التفكير.. وهن العمل. وما الذي يعنيه بلوغ الكمال؟! أليس النقص مبرّر وجود الإنسان واستمرارية السؤال؟! النقص مشروع كمالات لا متناهية...لأنه :


سيأسلنا الله يوماً فماذا نقول؟

نعم قد مُنِحنا الذرى والسواقي ومجد

التلول

ولكننا لم نصنها ولم ندفع الريح والموت

عنها

فباتت كزنبق في هدير السيول


بهذا الشعر الجميل تجيد "نازك الملائكة" التقاط سر اللعبة، اللعبة الأكثر جدارة بالحياة وبالإنسان، ف "الله" سيسألنا يوماً عما فعلناه تجاه الحياة، عن حركتنا لا عن ثباتنا، عن سيرنا لا عن وقوفنا، عن حياتنا لا عن موتنا، عن سعينا لكمالنا لا عن كمالنا!


فلنترك الخير والشر الساكنين، المطلقين للملائكة والشياطين، لنكون بشراً وسط الحياة يلتقي فينا الخير والشر "المتحركان" العصيّان على الثبات والسكون، فلنحب الحياة ونكابدها، سيحبنا الله (إذا كان ديمقراطياً) سواء تشابهنا معه أو اختلفنا. إن سعينا الدائم وراء الحقيقة من خلال الحذر، بل الرعب من السقوط في مزالق الأخطاء، به ما به من "الوهم المعرفي" ذلك أن الحقيقة لم تكن يوماً إلا نتاجاً للخطأ فهو يسبقها زمنيّاً ويؤسس لها. هكذا يبدو "المحافظون" المنطقيون حد الثمالة، شديدو الحرص على النظام.. النسق.. الترتيب.. التجانس، حيث اللاعيوب.. لا أخطاء.. لاحركة.. لا نبض، يبدون كدخلاء على الحياة ومنذرين بالموت وفق "نيتشه" المتكلم بلسان زرادشت: على المرء أن يزداد ارتقاء في خيره وشره أيضاً، هذا هو تعليمي أنا...فإن أعظم شر إنما هو أعظم خير للإنسان المتفوق. إن الدعوة إلى احتمال العذاب وحمل خطايا العالم كانت تليق ببشير الطبقة الحقيرة بين البشر، أما أنا فإنني أسرّ بالخطيئة العظمى كأعظم تعزية (1). وهل للأخلاق جدواها إن لم تكن أخلاق سادة؟! وما الذي عرقل ويعرقل البشرية عن الاعتلاء إلا أخلاق مغرقة في العبودية؟! بهذا أكون قد ضممت صوتي إلى صوت نيتشه.


ترى لو لم يكن العلم والجمال والحرية والمعرفة..كل هذه وأكثر، لو لم تكن خلاصة الأخطاء، اللوثات الكبرى، اللوثة تلوالأخرى.. هل كان سيوجد مبرر يجعل من "باشلار" فيلسوفاً للخطأ بامتياز؟! باشلار الذي سعى من خلال أبحاثه الإبستمولوجيّة* إلى نقد المفهوم الميتافيزيقي للحقيقة وإكساب الخطأ مكانة هامة (ماضي العلم هو دائماً عبارة عن أخطاء العلم). الكيمياء (مثلا) خرجت ببطء من مختبر السيميائيين كما بيّن فيلسوف الخطأ بلا منازع، فعلى مدى أكثر من خمسة كتب عالج فيها الخيال والخيال العلمي، رأى أن السيمياء بما شكلته من "محاولة" قبل علميّة للتعرف على خصائص المواد، قد باتت مادة أساسية من عناصر "النمط العريق". وقد بدأ باشلار دراسته للسيمياء انطلاقاً من كتابه (تكوين العقل العلمي) فيرى باشلار: أن ثقافة السيميائي تتكشف كأنها فكر مكتمل بوضوح، يتلقى على امتداد مساره الاختباري توكيدات نفسية كاشفة تماماً لعمق رموزه وصلابتها، ذلك أن أوفى أنواع الحب هو حب الوهم. عندما تكذب التجربة النظرية، نرى أن السيميائي لا يعتبرها سوى تجربة فاشلة، حيث يعتبر السيميائي أنه إذا لم تنجح تجربة سيميائية فمعنى ذلك أن البذور اللازمة، أو حتى أن أزمنة الإنتاج، لم يحن أوانها بعد(2).


ما الخطأ الباشلاري إذن إلا سابق وأولي ومؤسس للحقيقة، وما الحقيقة في العلم إلا خطأ مصحّح أو معدّل. ويجب أن تحدث في كل فترة من فترات التاريخ "قطيعة إبستمولوجيّة**" مع الوجود السابق، تجاوز مستمر للماضي وإتيان بما لم يكن من قبل.


وعلى هذا، لا جدوى من التمركز في قمم الجبال حين بلوغها، لأن عظمة الانحدار لا تقلّ عن عظمة الصعود، والالتفات الدائم إلى الوراء يمنح السير إلى الأمام ثقة أكبر بإمكان معرفة جديدة ودحض معرفة سابقة وثوقية "دوغمائية" إذ ما الالتفات إلى الوراء إلا مراجعة دائمة للأخطاء من أجل تجاوزها وتفكيك مسلّمات قديمة لصالح معارف جديدة ستصبح قديمة ما أن تُلتقط لتنهض على أنقاضها معرفة جديدة وهكذا إلى ما لا نهاية..



لعل صاحب (تكوين العقل العربي) و(نقد العقل العربي) "محمد عابد الجابري" هو الفيلسوف الأخطر في توظيف مفهوم القطيعة الإبستمولوجيّة في الثقافة العربية من خلال إلغاء استمراريّة السائد والمعتاد عليه لصالح ما لم يُفكّر فيه وما لم يتم تخيّله بعد، فنسبق إدراكنا، وكم تحتاج مجتمعاتنا العربية إلى القطع الإبستمولوجي مع التقليدي والسائد! مجتمعاتنا الجاهدة من أجل إعادة إنتاج الموروث بآليّات وسياسات أكثر تعقيداً وإكراهاً يقمع ثقافة "المحاولة والخطأ" فتغدو كل غلطة "بكفرة" ألم نرضع وصايا وتعاليم تحرّم علينا الأخطاء وتثير فينا الرعب من ارتكابها؟


أدوار الخطباء والآباء والمدرّسين والشيوخ، هذي فقط نجيدها ونبرع فيها، فنغدو ضليعين في تقديم التحذيرات لرعايانا وأبنائنا وتلامذتنا ومريدينا كي لا يقعوا في فخاخ الأخطاء، و(لكن) هل نرقى ما دمنا متمسّكين بأدوار السُّلط؟ لن نرقى. لن نرقى ما لم نصبح "طلاباً" للخطأ، مشاة على الطرقات، فنمتلك الحقائق بجدارة وبإرادة حرّة مخترقين "الخوف" في حدوده القصوى.


لطالما أغواني الخطأ الذي تنبثق عنه المعرفة بارتكابه دوماً، أحبّ الخطّائين "الجديرين بالخطأ" فأعلنهم أصدقاء.



هوامش:


1-فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت ص315


2-غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي،ص39-45


*الإبستمولوجيا: اختلف الباحثون في المعنى الدقيق، إن وجد، لكلمة إبستمولوجيا، فإذا رجعنا إلى الأصل الاشتقاقي لهذا اللفظ وجدنا أنه مركب من (إبستمه) EPISTMEومعناه (العلم)، ومن (لوجيا)LOGIEوهي تدل على (المقال) (1)، أو علم، نقد، نظرية، دراسة(2) وفي هذا المستوى اللغوي رأى المعجم العام للعلوم الاجتماعية، أنها تعني (علم العلم). ويرى الدكتور "عادل العوا" أن من الموائم ترجمة هذا اللفظ الأعجمي بعبارة "نقد العلوم" باعتبار النقد إيضاح تقويم يصدر حكماً في أمر بما له وما عليه معاً. لأن الإبستمولوجيا رؤية فلسفية وليست نظرية فحسب للعلم.


1-من مقدمة الدكتور عادل العوا لترجمته غير المنشورة لكتاب روبرت بلانشيه: ما الإبستمولوجيا؟

2-محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، الجزء الأول، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1982ص12


** مفهوم القطيعة الإبستمولوجية التي أتى بها باشلار زمنها عامودي، تعني التفكير فيما ليس مفكّراً فيه، انبثاق الفكرة في الزمن الزمن العامودي من خلال القطع مع استمرارية الفكرة في الزمن الأفقي، لها ثلاثة أنواع: قطع كامل – تغليف وتطوير واحتواء – جمع للمتناقضات وتعايشها.


××××××××××






نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.

ألف



BOOK MARK PAGE PRINT SEND TO FRIEND TOP

















































تعليق



Maricel

2015-12-19

No quseiton this is the place to get this info, thanks y'all.

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow