Alef Logo
ضفـاف
              

أنا وصديقي والجنون

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-06-21

بروح الفضول تجاه الجنون، تجاه لغة غير مكرورة، برغبة من يريد أن يرى "الأنا الأعلى" جثة هامدة أمام باب سجن "ال هو" المفتوح على مصراعيه، كنت أزور بشغف صديقي الطبيب النفسي والشاعر أيضاً في المشفى الذي يعمل فيه، المشفى موجود في مكان ناء بشدة عن مدينة دمشق، مكان غريب ومغترب عن ابن سينا، وهل غريب ألا يحتل "العقل" السلطوي مركز المدينة؟!



كنت أزور أصدقائي المجانين حاملة في رأسي بضع أفكار من هنا وهناك، يراودني جنون "نيتشه" تارة، ثم أفكار "ميشيل فوكو" في (تاريخ الجنون) تارة أخرى، تعلو داخلي أصوات تحثني على احترام الجنون، فالمجانين حطموا طواطم السياسة والجنس والدين..الثقافة، الموروث الغباء، القذارة.. حطموا ما لم يتجرأ أيّ من العقلاء على تحطيمه، كنت أهيم في شطحات المتصوفة فأقول لصديقي الطبيب: "فصاميّوك" ليسوا بمرضى، هم أشخاص يتكلمون بلغتهم الداخلية، يقطعون مع الزمن الأفقي لصالح زمنهم العامودي في أقصى توتره، يجيدون تفعيل النصف الأيمن من دماغهم، نصف الأحلام والرؤى والخيالات الخصبة، نصف لطالما همّشه الناس دوماً لصالح النصف الأيسر، نصف المنطق، منطق.. منطق..


بلى: الفصاميون مرضى، يجيبني، فأقول: المتصوفة فصاميون، فهل المتصوفة مرضى؟ ألم يؤسس "الفصام" الصوفي للغة جديدة، فكر جديد، رؤيا جديدة، حب، فن، عشق، فناء.. صمت.......؟! كل هذا وأكثر كنت أقوله لصديقي ويسخر مني شديد السخرية، والحق أنه لم يطل الزمن كثيراً حتى اكتشفت مدى سذاجتي، مدى الطفلنة في إصراري على أجنحتي ونسيان قدمي.



الجنون "مقولة" وليس في الواقع جنون، إنما مرض، بل أمراض، أولئك الذين شغفت بهم "مرضى" متعبون، متألمون، هم بحاجة لأي شيء إلا أوهامي، بدأت أفكر فيما لم أفكر فيه، أفهم قيمة عمل صديقي كطبيب للأعصاب والنفوس، قيمة أن نكون واقعيين في بعض الأحيان، قيمة التخلي عن الفرح الماكر عند رؤية مجنون يزيدنا غروراً وعنفواناً كوننا "عقلاء"، وهل كان للعقل مركزاً لولا هامشية الجنون؟ هل سيشعر عقلاء دمشق بمركزيتهم دون إقصاء مجانينها إلى الأطراف النائية؟ وقد يكون الجنون بعينه أن يكون مدير مشفى الجنون هذا طبيباً نفسياً، فالعقل المركزي يقول مؤكداً، آمراً أن يكون المدير طبيب "أسنان" بامتياز.


كنت كثيرة التوهان وصديقي الشاعر، الطبيب النفسي في حارات دمشق القديمة، أثرثر أنا، ويسرّ هو لي عن تفانيه في عمله، عن لملمته المستمرة لأوراق مرميّة في سلال الزبالة خربش عليها المجانين، عن قلبه الذي يعتصر كل يوم جراء مآس لم ولن تنتهي، عن..عن.. ثم يطلق تنهيدة فيقول: لم أكن مريداً للطب بكل أشكاله، لم أرد يوماً إلا الشعر، وكنت لا أكف عن ثرثراتي في أنه لا فرق بين الطب النفسي والشعر طالما أن كليهما علاج للنفس، للروح المضطربة، البائسة، والفارق هو أن الشعر لايُبقي على الروح في الأرض، إنه يخلق للروح جناحين. بعد صمته، هدوئه الذي كنت ولازلت توّاقة لإتقانه، يقول لي: بالنسبة لبنت مثلك، نعم، الطب النفسي والشعر كلاهما علاج، ولكن هل تعتقدين أن كل الناس يعنيهم هذا الكلام؟ هل تعتقدين أن العلاقة بين الطبيب النفسي ومريضه هي دوماً علاقة سوي بلاسوي؟ ذات بموضوع؟ خارج بداخل؟ لا أبداً يا صديقتي، لطالما مررت بأوقات انقلبت فيها الأدوار فغدوتُ اللاسوي، الموضوع، الداخل، تحولتُ إلى ضحيّة بين يدي مريضي، لو تدركين ما الذي يعنيه تحول الضحية إلى جلاد! لو تدركين ما الذي يعنيه الابتزاز، لو تدركين كيف تنتعش الآليات التي مورست على الضحية حينما تمارسها الضحية، فقط تابعي ما يدور في العالم وستدركين ما أعنيه.


الناس لا يؤمنون بي، يتآمرون على "كلامي"، لا يقنعون أن للكلام جدوى، فيعادونني إذا ما أخبرتهم بحقيقتهم، يستكثرون فيّ أجري إذا "تكلمت" ويعطونني إياه عن طيب خاطر إذا أعطيتهم علبة دواء كيميائي، وهل للناس إلا الظاهر؟ لم يحدث على مر التاريخ أن احتملت العامة التجريد، ولن تحتمل، لا يليق بالعامة إلا المحسوس، كم مرة نعتني المرضى وذووهم بالجهل، كم مرة جادلوني بما لا يعرفون. ليس علم النفس هنا إلا امتداداً للشعوذة وفنجان القهوة، فلا داعي إذن كي يصرف الناس أموالهم عند طبيب يبيعهم "كلاماً" غير مفهوم، لِمَ التعب إذا كان الشيخ يريحهم بالحجابات والقراءات؟! ثم أن الطبيب ليس ببراعة قارئة الفنجان، أيعقل يا صديقتي أن تمنحي للجنون خاصيّة ميتافيزيقية بعد الآن؟ العقل، العقل، نحتاج لعقل خال من شوائب السّلط والمرضى، باغتّه طالبة منه أن يهديني أغنية عبد الحليم "قارئة الفنجان"، ففعل، وسرنا مقهقهين ضحكاً..


صديقي لا يحب الملكيّة والامتلاك، لا يملك بيتاً..لا يملك سيارة، يملك قلباً يعتصر حباً، إنسانية، هو شاعر، لديه عيادة "متواضعة"، ترى هل تحتاج العيادة إلى الشعر؟ هنا! في دمشق! بالطبع لا. ولكن صديقي ليست لديه مواهب التجار والعسكر! هل ثمة فسحة لعلم النفس والشعر إذن؟! نعم، هناك فسحة، أقصد، يجب أن يكون فسحة، فما أجمل الزهرة إذا ما أزهرت في صخرة، رجعت الطفلنة! لست أدري ما الحل معها!!




19/6/2010


×××××××××


نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجوممن ينقلون عنا ذكرالمصدر.


ألف





























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow