Alef Logo
يوميات
              

اتصال.. انفصال البرقع والعري

علا شيب الدين

خاص ألف

2010-06-16



ليس الوضوح معياراً للحقيقة دوماً، فمنطق إما كل شيء أو لا شيء (0-1) منطق يغفِل الأوساط بالمطلق، لكن الأوساط في أحيان كثيرة تخفي حقائق قد تكون مجهولة في الحدود الواضحة، لا بل إن التجربة تدلنا أن الوسط منتج للحدود، فالوسط حاضر مستمر، وعلى هذا تتهاوى الفكرة الشائعة التي تقول: إن اختلاط الأبيض بالأسود ينتج الرمادي، ولن تبقى هذه الفكرة على تماسكها إذا أدركنا أن توتّر الرّمادي (الوسط) واشتداد استطالته ينبثق عنه الأبيض من جهة والأسود من جهة أخرى كحدّين لهذا الوسط، هكذا ندرك أن الوسط متضمّن للحقائق الواضحة بين طيّات غموضه.


الغموض صعب ومربك للعقول التي اعتادت الوضوح، لذلك يستسهل البعض الظاهر ويحكمون بأن الوضوح هو معيار الحقيقة، غير أن الرؤية الأنثوية للعالم تلتفت إلى ما يُسمى

"المنطق الغائم" الذي يُعنى بالأوساط على عكس المنطق الواضح في استناده إلى ثنائية (0-1) وهي لغة الآلة على كلّ حال، لغة تتعاطى مع الحياة على أساس إما كل شيء أو لا شيء، غافلة تماماً عن الأوساط.


في إطار المنطق الواضح والمنطق الغائم يمكن تناول مسألة (البرقع والعري) كثنائية تمثل حدّين واضحين (0-1) إما كل شيء أو لاشيء، إما ستر مطلق أو انكشاف مطلق.


فإذا افترضنا جدلاً أن البرقع= الأسود وافترضنا بالمقابل أن العري= الأبيض، وأدركنا أن كلا من البرقع والعري هما حدّان وليسا بوسط، فإن هذا يغرينا بمغامرة تكون بمثابة قفزة في المجهول نتعرف من خلالها كيف يتصارع الحدّان ويتآمران على الوسط باستمرار من خلال خوضهما المستمر لجدل الاتصال.. الانفصال عديم الإنتاج، فلنبدأ المغامرة إذن :


يشتدّ الرمادي (الوسط) القابع فيه كل من الأبيض والأسود كإمكانيّة صرفة، فيستطيل، ويستطيل... إلى أن يضيق ذرعاً بذاته فينبثق عنه من جهة الأسود (حد) ومن جهة أخرى مقابلة الأبيض (حد).


هكذا يصنع الوسط الغائم حدوده الواضحة، وتبدأ الحدود لعبة الفرح والبهجة بالحديّة، فيفرح الأسود باسوداده والأبيض بابيضاضه، وشيئاً فشيئاً ينقلب الفرح تعصّباً ويزداد الحدّ حدّة ورغبة في تأكيد ذاته، لكن كيف ستتأكّد هذه الذات؟!..


والجواب : لن تتأكد ذاتيّة الحد إلا من خلال ازدياد وضوحها الذي يميزها عن الحدّ الآخر أكثر فأكثر، فتبدأ بالتالي الرغبة في إلغاء الحدّ الآخر الذي ينافسها في الوضوح من أجل الانفراد بالحديّة الواضحة، ويشبّ الصراع، كلّ حدّ يجمح نحو الوضوح والكمال على طريقته، فيزداد البرقع (الأسود) تبرقعاً ويزداد بالمقابل العري (الأبيض) تعريّاً، هكذا يتنافس حدّان متطرفان جامحان نحو الكمال، يحاول الوسط النافث لهذين الحدّين المتطرفين، المتنازعين للكمال أن يوفق بين حدوده الخارجة عن إرادته باستقطابه الطرفين، لكن محاولة الوسط هذه تبوء بالفشل، ذلك أنّ كلّ حدّ اعتنق حدّيته ولن يتخلّى عنها، ويرفض العودة إلى الوسط لأن وجوده لم يكن واضحاً حينما كان فيه، وعندما انبثق من الوسط وأصبح حدّاً منحه ذلك أنانيّة بارزة مطلقة، وهذه الأنانيّة هي ما ستؤكد وجوده في مقابل أنانيّة الحد الآخر.


هكذا يستمرّ الصراع بين الحدود، بين البرقع (الأسود) والعري (الأبيض) وكلما ازداد الصراع ازداد قرب الحدّين من بعضيهما، فكل حدّ يرغب في ابتلاع الآخر، ويستمرّ هذا التقارب اللامُحِب مرتجّاً إلى أن يتصل الحدّان فيختفي الوسط ويذوب في اتصال الحدّين، واللافت أن صراع المتناقضين هنا لا يشبه صراع المتناقضين على طريقة "هيغل"، إذ أن صراع المتناقضات عند هيغل منتج لمركبّات جديدة، أما صراع المتناقضين هنا فعقيم، هو صراع يُميتُ الوسط (الواقع المتنوّع) من خلال اتصال بغيض يشبه أي شيء إلا اتصال عاشقين.


ولأن التطرّف لا يعيش إلا في الطرف، ولا يشعر بأهميته وعظمة أناه إلا من خلال مغايرة مطلقة، يتيقظ الحدّان المتصلان ليدركا أن الاتصال لا يحقق لهما وضوحهما الضروري لتعزيز الأنا المبتغاة، فيبدأ صراع آخر من نوع جديد ينفصل فيه الحدّان عن بعضيهما، ويتراجع كلّ حدّ إلى حيث كان قبل أن يحدث الاتصال، ومن خلال التراجع يعود الوسط الذي اختفى في اتصال الحدين للظهور، من هنا جاء الوهم بأن الحدود تولّد الوسط، (الأبيض والأسود يولّدان الرمادي)، وقد سقط هذا الوهم من النهاية إلى البداية، أي من الاستنتاج العقلي إلى التجربة، ولو تمّت متابعة الأحداث خطوة بخطوة من البداية إلى النهاية، من التجربة إلى الاستنتاج العقلي، لاكتشِف أن الرّمادي (الوسط) أساس كل من الأبيض والأسود (الحدود).


وبعد الانفصال يتمترس من جديد كل حدّ في مكانه، يصارع الحدّ المقابل إلى أن يتصل به ثم ينفصل عنه ثم يتصل ثم ينفصل.... دون أن يكون لجدل الصراع هذا إنتاجاً يُذكر.


هذي إذن لعبة صراع الحدود المتطرّفة، الجامحة لكمال وهمي، يختفي الوسط حينما تتصل الحدود ثم يظهر من جديد حينما تنفصل ثم يختفي ثم يظهر.. وهكذا يستمر جدل حضور وغياب الوسط بلا توقف.


ويبقى الوسط حركة خالقة لنفسها باستمرار، ترغب في احتواء صراع حدودها المنبثقة عنها، وامتصاص جموح أنانيّتها وخبثها وتمرّدها المستمرّ على أصلها ( الوسط).


بتطبيق القراءة النظرية لثنائية البرقع والعري كوجهين لعملة واحدة، على الواقع في عالمنا العربي والإسلامي، ندرك أننا كلما ازددنا تبرقعاً ازددنا تعريّاً يكشف هشاشتنا أمام الآخر، وتبرز تالياً رغبة الآخر في استغلالنا من خلال نقاط ضعفنا البارزة خلف شفافيّة برقعنا لطالما توهمنا أنه يسترنا بحيث يصعب اختراقنا، وكلما ازداد استغلال الآخر لنا ازددنا عنفاً وإرهاباً.. وهكذا في دائرة مغلقة، في جدل غير منتج بيننا وبيننا، وبيننا وبين الآخر يجعل العالم كتلة صراعات وحروب تهدّد الإنسان وإنسانيّته أينما وُجد.




ألف

16/6/2010

××××××××


نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.

ألف





































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow