Alef Logo
دراسات
              

في البدء كان كلمة / أضواء على مقدمة إنجيل يوحنا

فراس الســواح

2010-06-13

تتميّز أقوال يسوع في الأناجيل الإزائية بأنّها تدور حول الآب السماويّ، وقرب حلول ملكوت السماء والمتطلبات الأخلاقية لدخولها. وهذا يعني أنّ تعاليمه لم تكن تتمركز حول ذاته بل حول الآب وغالباً ما كان يصوغ تعاليمه على شكل أمثال أو أقوال قصيرة، وذلك استجابة لأسئلة يوجّهها إليه التلاميذ أو آخرون من الجمع الفضولي الذي كان يلئتم حوله، ونادراً ما كان يلجأ إلى الخُطب الطويلة المُعدَّة بعناية مسبقاً. أمّا خطبة الجبل الواردة في إنجيل متّى : 5، فإنّ الباحثين في العهد الجديد اليوم متّفقون على أنها من ترتيب مؤلف الإنجيل، الذي جمع أقولاً أصلية ليسوع قيلت في مناسبات متفرّقة، ثمّ نسّق بينها في نصّ مطّرد ما زالت علائم الخلل واضحة فيه. فإذا انتقلنا إلى إنجيل يوحنّا وجدنا أنّ تعاليم يسوع تأتي غالباً على شكل خطب طويلة مفكّكة الأجزاء، وتتضمّن أقوالاً ذات طابع رمزيّ ومجازيّ، موضوعها الأساسي يسوع الابن وعلاقته بالآب، ودوره المرسوم في خطة الخلق. وغالباً ما كانت هذه الأقوال على درجة من الصعوبة بحيث أنّ تلاميذه أنفسهم لم يقدروا على فهمها. فعندما قال في إحدى خطبه : "أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه هو جسدي الذي أبذله ليحيا العالم". تذمّر عليه اليهود وقالوا : أليس هذا يسوع ابن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه؟ فكيف يقول الآن إنّي نزلت من السماء؟ أمّا تلاميذه فقال كثير منهم : هذا كلام عسير من يطيق سماعه؟" (يوحنا: 6)
إنّ صورة يسوع في إنجيل يوحنّا هي من التركيب والتعقيد بحيث أنّ الإنجيل كان بحاجة إلى مقدّمة مكثفة ومختصرة إلى أبعد الحدود، من شأنها إعانة القارئ على فكّ شيفرات لا حصر لها مبثوثة في ثناياه. وهذا ما أنجزه المؤلّف في الآيات من 1 إلى 18 من الإصحاح الأوّل، بأسلوب يوناني رفيع ذي طابع فلسفيّ مغرق في التجريد. هذه المقدّمة على اختصارها وإيجازها تحوّلت إلى حجر الأساس الذي قام عليه فيما بعد البناء السامق للّاهوت المسيحيّ.
لقد زوّدنا كلّ من الإنجيليين الأربعة بفاتحة لكتابه. وبينما اختار مرقس أن يبدأ إنجيله بفاتحة تاريخية تتعلق بالظهور الأوّل ليسوع عندما جاء للاعتماد على يد يوحنا المعمدان، فإنّ متّى ولوقا اختارا فاتحة ملحمية تتعلق بالميلاد الإعجازي ليسوع وطفولته المبكّرة. أمّا يوحنّا فإنّه يحلّق بنا في فاتحته إلى السماوات العلا لنواجه "الكلمة" (أو اللوغوس باليونانية) التي كانت عند الله منذ البدء، والتي كانت وسيلته لخلق العالم قبل أن تتّحد في رحم مريم بجسد يسوع المسيح. وهي التي جلبت معها إلى العالم النور والنعمة والحقّ. و"اللوغوس" في اللغة اليونانية تعني "الكلمة" وبالمعنى الفلسفي تعني "العقل" بالمفهوم الكونيّ الكلّيّ. وبما أنّ الكلام عند الإنسان ينقسم إلى نوعين، نوع نفسيّ هو عبارة عن تصوّرات ذهنية لا يجري التعبير عنها في الخارج بأصوات، ونوع خارجيّ يعبّر عنه في الخارج باللفظ والصوت، كذلك الحال فيما يتعلق بكلام الله الذي ينقسم إلى كلام نفسي هو اللوغوس باعتباره صفة من صفات الله، وكلام خارجي هو اللوغوس باعتباره الصورة المعقولة التي هي نموذج للأشياء. وعلى هذا يكون الله وكلامه شيئاً واحداً، وهنالك وحدة في الهوية بين الطرفين على ما يبدو من استقلالهما. وعلى حدّ تعبير يوحنا :

في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.
هذا في البدء كان عند الله.
به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء ممّا كان.
فيه كانت الحياة، والحياة نور الناس.
والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه.
كان إنسان مرسل من لدن الله اسمه يوحنا (المعمدان).
هذا جاء شاهداً ليشهد للنور لكي يؤمن على يده جميع الناس.
لم يكن هو النور بل ليشهد للنور.
النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان كان آتياً إلى العالم.
كان في العالم، وبه كان العالم، ولم يعرفه العالم.
جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته.
أما الذين قبلوه فقد أولاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله.
وهم الذين وُلدوا لا من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله.
والكلمة صار جسداً وحل بيننا، فرأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً
نعمة وحقاً.
يوحنّا شهد له ونادى قائلاً : هذا هو الذي قلت فيه إنّ الذي يأتي بعدي قد تقدّمني لأنّه كان قبلي.
ومن ملئه نلنا بأجمعنا نعمة على نعمة.
لأنّ الشريعة أتتنا على يد موسى، وأمّا النعمة والحقّ فقد بلغا إلينا على يد يسوع المسيح.
الله لم يره أحد قطّ، الابن الوحيد الذي حضن الأب هو الذي أخبر عنه.
هنالك مفهومان يتحكمان بهذه المقدمة الفخمة؛ المفهوم الأوّل هو "اللوغوس" والثاني هو "التجسُّد". فاللوغوس الذي هو كلام الله موجود معه منذ الأزل. وعلى الرغم من أنه صدر عنه، إلا أنّ هذا الصدور ليس زمانياً بمعنى أنه حدث في وقت معيّن، وإنما هو صدور وجودي يتضمن معنى الاختلاف في المرتبة بين الاثنين. فالله هو الآب واللوغوس هو الابن المتولِّد عن الله. الله هو المتكلم واللوغوس هو كلامه، وما الاثنان في المحصلة إلا هوية واحدة : "وكان الكلمة الله". وعند الحدّ الفاصل بين السرمدية والزمن الدنيوي، لما قرّر الله أن يخلق العالم، كان اللوغوس أو الكلمة وسيلته إلى ذلك : "به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان". وفي لحظة معينة من التاريخ الدنيوي هبط اللوغوس من عليائه وتجسَّد في رحم مريم إنساناً من لحم ودم: "والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا". ولكنّ العالم لم يعرفه، و :"جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته" من اليهود. أما الذين قبلوه من الأمم : "فقد أولاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله" من خلال المعمودية التي تهبهم الولادة الثانية. وهذه الولادة ليست: "من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله". " لأن الشريعة أتتنا على يد موسى"، أما يسوع المسيح الذي حرّرنا من الشريعة، فقد جاءنا: "بالنعمة والحقّ" وأخبرنا عن الله الذي : " لم يره أحد قط، ولكن الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه". وهذا الابن هو النور الذي قهر ظلام الجهل، الجهل بالله الحقّ، الذي كان اليهود يعمهون به قبل مجيء يسوع : "والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه".
وفي الحقيقة، فإن مفهوم اللوغوس باعتباره صلة وصل بين الله والعالم والوسيط الذي به جرى خلق هذا العالم، ليست من ابتكار مؤلّف إنجيل يوحنّا، بل له تاريخ شيّق نستطيع متابعته في الفكر التوراتي كما في الفكر الفلسفي اليوناني السابق على المسيحية. ففي كتاب التوراة يتحدّث سفر الأمثال وسفر الحكمة عن "الحكمة" التي خلقها الربّ قبل كلّ شيء لتكون صلة وصل بينه وبين العالم والوسيط الذي أُوكلت إليه مهمة الخلق. نقرأ في سفر الأمثال :
"طوبى للإنسان الذي يجد الحكمة…. لأنّ تجارتها خير من تجارة الفضّة وربحها خير من الذهب الخالص…. هي شجرة الحياة لممسكها، والمتمسّك بها مغبوط. الربّ بالحكمة أسَّسَ الأرض، أثبت السماوات بالفهم. بعلمه انشقّت اللجج وتقطّر السحاب ندى." (الأمثال 3: 13 – 20)
وها هي تتحدّث عن نفسها :
"الربّ حازني أوّل طريقه، من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مُسحتُ، منذ البدء منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غَمْرٌ أُبدئتُ، إذ لم تكن ينابيع غزيرة المياه. من قبل أن تقررت الجبال، قبل التلال أُبدئتُ، إذ لم يكن قد صنع الأرض ولا البراري ولا أول أعفار المسكونة. لما ثبّت السماء كنت هناك أنا، لما رسم دائرة على وجه الغمر، لما أثبت السحاب من فوق، لما تشددت ينابيع الغمر، لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه، لما رسم أسس الأرض، كنتُ عنده صانعاً وكنت كل يوم لذته فَرِحَةً دائماً قدامه، فَرِحةً في مسكونة أرضه، ولذاتي مع بني آدم. (الأمثال 8: 22 – 31)
ونقرأ في سفر الحكمة:
"إن الحكمة أسرع حركة من كل متحرك. وهي لطهارتها تلج وتنفذ في كل شيء. فإنها بخار قوة الله وصدور مجد القدير الخالص. فلذلك لا يشوبها شائبة ولا يشوبها شيء نجس، لأنها ضياء النور الأزلي مرآة عمل الله النقية وصورة جودته. تقدر على كل شيء وهي واحدة، وتجدد كل شيء وهي ثابتة في ذاتها. وفي كل جيل تَحُلُّ في النفوس القديسة فتُنشئ أحباء لله وأنبياء… إنها أبهى من الشمس وأسمى من كل مركز للنجوم. وإذا ما قيست بالنور تقدمت عليه. "(سفر الحكمة 7: 24 – 27).
وهي محبوبة الربّ وتسكن عنده :
"فإنّ في نسبها مجداً لأنها تحيا عند الله، وربُّ الجميع قد أحبها. فهي صاحبة أسرار علم الله والمتخيرة لأعماله." ( سفر الحكمة 8: 3 – 4).
ويتحدث سفر أخنوخ الثاني (أو أسرار أخنوخ), وهو من الأسفار غير القانونية، عن الحكمة كوكيل للخلق :
"وفي اليوم السادس أمرتُ حكمتي أن تخلق الإنسان من سبعة عناصر : فلحمه من تراب الأرض، ودمه من الندى ومن الشمس، وعيناه من العمق السحيق للبحر، وعظامه من الصخور، وفكرهُ من حركة الملائكة ومن الغيوم، وشرايينه وشعره من عشب الأرض، وروحه من روحي ومن الريح" (أخنوخ الثاني 30 : 8)(1)
فإذا جئنا إلى الفلسفة اليونانية التي كان مؤلّف إنجيل يوحنّا على معرفة جيّدة بها، لوجدنا أنها عالجت مفهوم اللوغوس منذ بداياتها المبكرة. فقد قال هيراقليطس صاحب فلسفة الجدل والتغيرات، إنّ اللوغوس هو القانون الكوني الذي تجري على أساسه أنواع التغيرات في الوجود. وقال الرواقيون إنه القوة التي تسود الموجودات جميعاً وتحفظها، والعلّة المشتركة المقومة لجميع الأشياء. وهذه القوة هي التي تربط بين جميع الأجزاء المنفصلة للوجود وتجمع بينها في وحدة مترابطة. وفي العصر الهيلينستي قال فيلون الاسكندري إن اللوغوس هو الأداة التي خلق الله بواسطتها العالم ، وهو الوسيط بين الله والعالم. وقالت الرسائل الهرمزية المعزوّة لهرمز المثلث العظمة (2) إن اللوغوس هو المبدأ الذي يجلب النظام إلى العالم، وهو ابن الله.
وقد كان لفيلون الاسكندري على ما يبدو الأثر الأقوى على فكر مؤلّف إنجيل يوحنا، فهو الأقرب إليه زمنياً، ونظراً لكونه يهودياً إسكندرانياً فقد شاعت أفكاره بين مثقفي اليهود سواء في فلسطين أم في آسيا الصغرى وبقية المغتربات اليهودية في العالم اليوناني. كان فيلون، المتوفّى سنة 50 م، مثقفاً يونانياً أكثر منه مثقفاً عبرانياً، فكان يأخذ معارفه الدينية اليهودية عن التراجم اليونانية للأسفار التوارتية لا عن الأصول العبرية نفسها. ولكنه في الوقت نفسه كان مؤمناً عميق التديّن، كرّس قسماً كبيراً من فلسفته من أجل التوفيق بين ما جاء في التوراة وبين الفلسفة اليونانية، معتمداً على التفسير الرمزي والمجازي للنص المقدّس، فكان بذلك أوّل من أسّس لمنهج التأويل في الفكر الدينيّ، وهو المنهج الذي اتبعه بعد ذلك المفكرون الإسلاميون من علماء كلام وفلاسفة ومتصوفة، إضافة إلى مفكري الطوائف الإسلامية التي يغلب عليها الطابع الفلسفي، والمفكرين الأفذاذ الذين كتبوا رسائل إخوان الصفاء.
ينطلق فكر فيلون من تصوّره لمفهوم الله. فالله هو اللا متناهي, ولذلك فإن عقل المتناهي غير قادر على إدراكه، وكل ما نستطيع القول بشأنه يتخذ طابع السلب لا طابع الإيجاب. فهو ليس كذا وكذا، بل هو ليس بكذا وليس بكذا. ونحن في النهاية لا نستطيع أن نثبت له من صفات إيجابية إلا صفة الوجود. إننا نعرف أن الله موجود ولكننا لا نعرف مطلقاً كيفية هذا الوجود. فهو وجود بلا كيف. ولذلك فإن فيلون لا يُثبت من أسماء الربّ إلا اسماً واحداً وهو الاسم الدال على الوجود : يهوه(3) (راجع سفر الخروج 3: 13 – 15). ولما كان المتناهي لا يتصل بالمتناهي فإن فعل الله في العالم لا يتم إلا من خلال وسيط هو اللوغوس الذي يعبر الهوة الفاصلة بين الله وخلقه. فاللوغوس هو باطن في الكون وهو علّة الموجودات والقوة الحالة فيها والتي بها يتم كل تغير وحركة في الوجود، وهو يجمع إلى نفسه كل القوى الإلهية.
وبما أن غاية الفلسفة عند فيلون هي تحقيق الخلاص للإنسان وذلك بتجاوزه لحالة المتناهي إلى حالة اللا متناهي، فإن الطريق الذي يرسمه لتحقيق الخلاص هو التصوف الذي به تعرف نفسك، وتعرف أن العالم زائل وفان ومتناه، ولا قيمة إطلاقاً لأي شيء موجود فيه. عند ذلك تتجه إلى معرفة الله حدساً وإلهاماً والفناء عن نفسك فيه(4).


هوامش :
1 - من أجل سفر أخنوخ الثاني راجع
Willis Barnston, The Other Bible, Harper, New york,1984,p.6
2 - رسائل وضعها مؤلفون مجهولون ينتمون إلى مدرسة فكرية واحدة في الإسكندرية، ربما في مطلع القرن الأول الميلادي
3 - الباحثون غير متفقين بخصوص الجذر اللغوي للاسم يهوه ومعناه، ويبدو أن فيلون هنا يٌلمح إلى ما ورد في سفر الخروج عندما سأل موسى ربه عن اسمه فقال له: أهيه الذي أهيه (أي أنا الذي أنا). هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه (= أنا) أرسلني إليكم. وقال أيضاً لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل, يهوه إله آبائكم أرسلني إليكم." (سفر الخروج 3: 13- 15)
4-من أجل مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية وفي فكر فيلون راجع:
-الدكتور عبد الرحمن بدوي: خريف الفكر اليوناني، دار القلم بيروت 1979، ص 79-103

عن موقع الأوان



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow