Alef Logo
ابداعات
              

فصل من رواية / جو .. راقص فوق الحلبة

نبيل الملحم

2010-06-13

خاص ألف
ما الذي ما لم يفعله هذا الرجل المجنون، والذي يوزع عقولا على الآخرين، هذا الرجل الذي اسمه نبيل الملحم، عمل في كل ما يمكن أن يعمل من ممارسات ثقافية، وهي تشبه كما يبدو ممارسة العادة السرية لديه.
عمل صحافيا ومعدا للبرامج في التلفزيون، وكاتب مسلسلات تلفزيونية، وأشياء أخرى كثيرة كلها تنتمي إلى عالم الثقافة الواسع.
يكتشف فجأة أنه لم يكتب الرواية بعد، وبقرار لم يفكر كثيرا باتخاذه، يترك كل عمل لديه ويعتكف ليكتب هذه الرواية التي ننقل هنا فصلا منها، ونطلب من القراء إسداء النصيحة لنبيل هل يتابع أم يكتفي بإنجازاته التي حققها حتى الآن.
أقول لكم حتى لو قلتم له لا تستمر سيستمر لأنه نبيل الملحم وليس شخصا آخر.
×××××
للنشوة الجنسية عند ميخائيل منافذ عديدة، بوابات لم تفتح أمام سواه من الناس، فحين كان يراقب قزم سمك الضاري وهو يعوم في حوض أسماكه بين أسماك الزينه، كان لهاثه يتصاعد مع كل دائرة يرسمها الضاري حول السمكة الهدف.. الضاري يبدأ بطيئا في الالتفاف كما طيّار حربي يمارس نشوة الاشتباك.. بطيئا بطيئا يرسم دوائره ثم ينقضّ.. يحوم كنورس وينقضّ كنسر، فتنشطر السمكة نصفين.
بدت حلبة الملاكمة وقد ركزت أنوارها على الملاكمين، بدت كما حوض أسماكه ذاك.. كان (جو) يرقص فوق الحلبة كما نحلة (وهذا هو الوصف الذي ناله محمد علي كلاي من المعلقين الرياضيين آنذاك) وكانت المدينة الرياضية في بيروت اشتعلت بالترقب حتى الجولة التاسعة من المباراة.
سجّل الملاكم الخصم نقاطا فوق وجه جو، بات بعدها جو بعيدا عن الانتصار، وكان الوقت يسجل ضرباته فوق قلب قمر، وكانت تتقدم الصف الأول من المشجعين ووراءها الميرغني، ووراءهما كيكا حاملا شمس فوق كتفيه، فيما زرافة كما درجت العادة تحاكي نفسها:
- أنا العنزة الجرباء.
ضاري ميخائيل، ترنّح فوق الحلبة ونهض مرتين، كما علق بالشباك وفلت منها مرات لم يكن بالوسع احتسابها.. عضلات ميخائيل .. تنكمش وتنتفخ على وقع اللكمات، و جو يجاهد الموت فيما كلاويه المنهرسة تحت قبضة الخصم تصرخ .. قبضة كما المطرقة تمسح بضرباتها جسد جو بدءا من الوجه حتى الخاصرتين.
كما حلاوة الروح، انفلت جو من الحبال الآسرة، وسدد بذراع مستقيمة وقبضة يائسة نحو رأس خصمه.. لكمة ولكمة ورشقة من اللكمات.
ما أن وقع الملاكم الخصم فوق الحلبة، حتى كانت يد المحكّم تخبط فوقها: واحد .. اثنان ثلاثة .... مائة، ومن ثم اعلان فوز جو.
كان ميخائيل لحظتها قد تبلل منتشيا، ليسترخي قليلا ثم يصعد الحلبة ضاما جو الى صدره، وهو ما لم يكن يفعله مع الضاري أبدا.
في مقهى شمس الميرغني، كان سكان الوطى يتسلقون الكراسي والطاولات، وينتشرون في محيط المقهى.. نساء يحبلن من قصص الرجولة وخيالاتها، ورجال ينثرون الغبار مع أقدامهم الراقصة فوق التراب احتفالا بفوز جو.. جو، الذين بالكادر سمعوا اسمه، والكثيرون منهم لا يعرفون شيئا عن حياته، حياته وقد ابتدأت باسم (وطفا)، ذاك الاسم الذي طارده طيلة يتمه، والذي كان بالنسبة إليه خليطا من المحرّم والنجس في آن، وهو اسم مازال يطارده حتى اللحظة، يطارده على صورة صبيّة صغيرة .. تجرفه إلى زاوية زقاق معتم، لتشغّل أصابعها في إيقاد ذكورته، فيصحو بعدها على أمّه وقد تقمصت في هذه البنت، وبعدها لا بد وأن يفقأ عينيه بأصابعه.
خيال وطفا، طالما طارده في شخصية زرافة، وهي بنت ولدت في ذات اليوم الذي ماتت فيه وطفا الأم.. وكلما التفت إليها، ثمة لكمة في الرأس ترجعه سنين إلى الوراء، إلى صباح كان فيه في الطريق إلى المدرسة ليختار البوابة الخلفية، عبورا نحو الفصل ، وهناك كانت زرافة، طفلة بجديلتين، تجلس القرفصاء محدقة في الحفرة التي يصنعها حبل بولها فوق التراب.. لم يستطع أن يجفف نظراته المتركزة على الحفرة إياها، فالنتائج التي يحدثها تبوّل البنات، لابد وأن تختلف عن النتائج التي يحدثها تبوّل الصبيان، وكان جو رفع عينه عن زرافة في هذه اللحظة، متجها في نظراته إلى ميخائيل، فيما الرجال ما زالوا يلّوحون بسبحاتهم وهم يرشقون أقدامهم في احتفالات فوز الملاكم الضاري ووجهه ممتلئ بالكدمات.
قفز جو من مكانه خارج المقهى وزرافة والراقصين، راكضا في شوارع وأزقة بيروت المجهولة بالنسبة اليه، ثم جلس أمام مدخل بناء معتم، منتحبا، باصقا بقايا دماء متخثرة علقت فوق شفتيه.
بين المحتفلين الصامتين الذين شاركوا بعيونهم احتفالات الوطى بفوز (جو)، كان سعادة.. وحده تقدّم من قمر ليقول لها:
- أنقل لك تحيات ومباركة الرفيق جورج.
- مين الرفيق جورج ؟
- ما سمعت بهالاسم بس انقلو تحيات الرفيقة قمر (قالت ضاحكة)
ليلتها لم تنم قمر.. كانت تروح وتجئ محاولة استحضار كل جورج تعرفت عليه :
جورج بساتيني، جورج نعمة، جورج السبط، هؤلاء فقط من تعرفهم من الذين يحملون اسم جورج، وفور تيقنها من عجزها عن استدراج المزيد من ذاكرة الاسماء حضنت شمس بين ذراعيها وكادت أن تغفو، مطمئنة على فراش الميرغني المريح في صالة المقهى، عازمة على انجاز زواجها منه بعد يوم أو يومين.
النوم، ملجأ ميخائيل الهارب من حوض الأسماك إلى حلبة الملاكمة، فتح الليلة على آخرها، فالأبواب، كل البوابات تلاطمت في رأسه، بانتظار إيضاح واحد، يضئ ردهات ردات فعل جو، ما بعد الانتصار المدوي وقد حصده الليلة.
كانت صور احتفالات المقهى تمر شريطا في خيالاته المتعبة، شريطا باتت تفاصيله بالغة الأهمية، كان عليه التوقف مع كل لقطة وكل كادر وكل رفة كاميرا.
لا أيدي الرجال المعروقة الملوّحة، ولا حسرات النساء واشتهاءاتهن، ولا أضواء اللوكس المتأرجح تاركا ظلال وجوه مجعّدة، ليس ثمة أي من كل هذه التفاصيل الصغيرة قادرة على ترميم ثغرات السؤال القاتل وقد حمّله جو الى ميخائيل هذه الليلة.. كان على ميخائيل العودة بتدرج الى كدسة الروايات العالمية المخزّنة في مكتبته، كان عليه استرجاع أبطال أجاثا كريستي، كما أبطال دستيوفسكي، كذلك أبطال ألبير كامو، وكان قرأه بالفرنسية مسحورا بذاك الفتى ميرسول، وقد وقف أمام جثة أمه ضاحكا، وكانت المقاربة بعيدة مابين الضاري وبين ميرسول.
على قرعات الباب الخفيفة، نهض ميخائيل متيقنا من أن زائره في هذا الوقت من ليله، هو الضاري:
- أدخل.. قال ميخائيل.
وما أن استلقى جو فوق الكنبة حتى انتحب وانتحب، ثم خرج الى الشرفة فاتحا ذراعيه للهواء وكأنهما شبكة صياد بثقوب واسعة، يمر الهواء منهما دون أن يتكوم فيهما.
- جو .. شو باك .. احكي.
- بحبها.
- مين؟
- زرافة.

كان ميخائيل، ينصت الى خلجات جو، كعشيقة مطلوب منها الشهادة على احتضار عشيقها وهو يلفظ أنفاسه على عشيقته.. عشيقة منسية تتحول إلى مجرد : شاهدة.
بين ندّابات يندبن وطفا، و دايات يخرجن زرافة من ماء أمها، كان يوسف يتنقل فوق كتف نجمة، وكان الكل على ما يشبه اليقين بأن وطفا ماتت هناك وانتقلت روحها إلى هنا.
ما يجمع الندّابات والدايات، خيط رفيع كان عليه التقاطه حالما بات يافعا.. خيط هو الحبل المشدود الذي تمشي كلتاهن فوقه دون أن تقع:
- ندّابة تلقي أوامرها لدموع العين أن تنهمر، وداية تلقي أوامرها لماء رأس المولود أن ينهمر أيضا.
حين كبر يوسف، وباتت كتفاه قادرتان على حمل حقيبة الخرق في الطريق إلى المدرسة، كانت السرّار مازالت تقف على حكايا الميتة الغامضة لوطفا، على التوقيت مابين رحيل زوجها إلى البرازيل، وفترة الحمل التي يمكن أن تختزنها امرأة:
- سبعة أشهر ويولد الطفل سبيعي.. تسعة أشهر ويولد طبيعيا، أما الخيول ففترة حبلها تمتد الى 13شهرا، فيما الارانب 40 يوما.
كانت هذه هي أحاديث التلامذة، بتشجيع صريح من الاستاذ الشوندي، ذاك الشوندي الذي :
"كان يتحرش بالبنات الصغيرات، ويحف نفسه في أكتافهن، وكان دائم تحريك يده في جيب بنطاله المخبخبة"، وكان الكلب ابن الكلب:" يتبول على حائط المدرسة علنا ودون حساب للبنات الصغيرات اللواتي يرتجفن خوفا من حجم عضوه"، وكان ابن الشرموطة :" يأكل عشرين بيضة مسلوقة في عيد البيض الذي يتجدد كل يوم من أيام السنة"، كان:
- والله ياميخائيل، اذا بحط ايديي بخوانيقو تا اعدم روحو.
- وشو علاقة الشوندي بزرافة ؟
- نعم ؟ كانت أطول بنت بالمدرسة.
ولأنها كذلك، كانت تقف على الدوام في آخر طابور الصباح، بين تلاميذ الرابع الابتدائي الذين يرتدون المراييل السوداء، وكان يوسف يقف في آخر طابور الصف السادس وبمريلة سوداء أيضا، وكان الشوندي ينتقل من الصف السادس الى الرابع الى الثالث والصف الاول كونه المعلم الوحيد لكل صفوف المدرسة، والتلاميذ ينتقلون معه إلى كافة صفوفها، بما يجعل تلاميذ السادس الابتدائي يصغون إلى حصص تلاميذ الصفوف الأخرى، وذات درس، وكان للصف الرابع، اتجه الشوندي بسؤال إلى يوسف:
- ولاه.. اذا قلنا أربعين زائد اثنين ناقص ثلاثة شو بيساوي ؟
تردد يوسف في الإجابة، ليجيب عن السؤال بزلة لسان خاطئة.
- زرافة، اربعين زائد اثنين ناقص ثلاثة .. شو بيساوي؟
أجابت زرافة 39، وعندها استدار الشوندي الى يوسف:
- شفت يا بهيم، ثم التفت الى زرافة آمرا:
- قومي اشمطي دينتو .
كانت أصابع زرافة ترتجف وهي تحاول الامساك بأذن يوسف، وكانت يد الشوندي تزحف على مؤخرة زرافة، ليضمها إلى صدره ويقول:
- اقعدي بحضني، أنا عندي سبعين ولد وانت أغلى ولد عندي.
وكان التلاميذ يلتقطون الشارات التي يطلقها بنطاله المنفوخ من مقدمته.
- هاد هوي أخو الفاينة ، عرفت ياميخائيل؟
×××××××××
نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.
- ألف


تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

لقاء مع الأديبة إكرام انطاكي

14-تشرين الأول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

فصل من رواية / جو .. راقص فوق الحلبة

13-حزيران-2010

رفيق فهد .. كيف حال الآخرة

30-أيار-2010

أنا وغازي سلامة والسيدة المذيعة

19-أيار-2010

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow