Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

مختارات من أدب عاموس عوز / ج1 ترجمة و تقديم :

صالح الرزوق

خاص ألف

2010-04-10

من هو عاموس عوز ؟
يعتبر عاموس عوز من الأسماء القليلة في الأدب العبري التي تقابل فلسطينيات غسان كنفاني. كانت لعوز اهتمامات نضالية من موقعه كإسرائيلي ، و إنما ضمن أفق مؤنسن ، و ضمن روح تائهة و حزينة ، و في مشهد منكوب يسيطر عليه معنى الفراق و الخديعة. إن الفراق في أدب عوز هو الوجه المقابل لمعنى الشتات لدى فلسطينيي النكبة ، أو أنه مفردة نشاطها من خارج السياق ، بمعنى أنه اتصال مع المكان و لكن في نفس الوقت تبديد لمضمون الزمن و إيديولوجيته ، و جحود بحكمة التاريخ . و كذلك إن الخديعة بالنسبة له هي نوع من الخيانة للصور التي تجدها في الجعبة ، و للمفردات التي يستمدها من العالم ، ثم يعيد إنتاجها في الأعماق : الذهن و النفس. يعاني عاموس عوز من خجل مصيري ، و من شقاق الروح الذي يشطر جوهر القضية " بتعبير أستاذنا غراهام غرين " إلى نصفين : دمار و بناء ، أسطورة و حقائق ، ثم إلى أسود ( نطبق عليه دائرة اللاشعور و النسيان ) و أبيض ( بلا معنى ، و من غير حكمة ، و دون خطط واضحة ) ، كما فعل في روايته الممتازة ( الحروب الصليبية ). و في هذه المختارات : قصة قصيرة و ( الفصل 1 – 2 ) من روايته ( نمر أسود في القبو ) و أخيرا الفصل الأول من رواية ( البحر نفسه ) تجد البرهان. إنها الأزمة الحقيقية التي تحملها الأنتلجنسيا في ( إسرائيل – بين قوسين ) تجاه شعرية الماضي و عقدة الحاضر.
ولد عاموس عوز في القدس بعد اندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية. و تلقى تعليمه في جامعة القدس العبرية. ثم تابع في أكسفورد للحصول على درجة الماجستير في الأدب. و خدم في الجيش الإسرائيلي من 1957 و حتى 1960 . ثم خدم في القوات الاحتياطية خلال حربي 1967 و 1973 . من أهم أعماله : ميخائيلي ( 1968 ) ، سلام مثالي ( 1982 ) ، أين تعوي بنات آوى و قصص أخرى ( 1965 ) ، ألمس الماء و ألمس الرياح ( 1973 ) ، الصندوق الأسود ( 1998 ) ، لا تسميها الليل ( 1996 ). و له مقالات مجموعة في كتاب منها : في أرض إسرائيل ( 1983 ) ، و سوى ذلك.
من منطلق قراءة كيف يفكر عدوك ننشر هذه الترجمات



1- نمر أسود في القبو: فصل من رواية
Panther In The Basement - عن دار نشر هاركورت أند برايس 2007

في عدة مناسبات في حياتي كانوايسمونني " الخائن ". حصل ذلك أول مرة حينما بلغت الثانية عشرة و ثلاثة شهور منالعمر . كنت أعيش في منطقة قريبة من حدود مدينة القدس. و توافق الحادث مع العطلةالصيفية ، قبل قليل من خروج البريطانيين من البلاد ، و كانت دولة إسرائيل تولد وسطالمعمة و الحروب.ففي صباح عابر رأيت هذه الكلمات على جدار بيتنا : بروفي بوغيدشافيل . و كانت منقوشة بحروف سوداء داكنة و كثيفة تحت نافذة المطبخ تماما. ومعناها " بروفي خائن سافل ".كلمة شافيل " سافل " تحولت إلى تساؤل لا يزال يثيراهتماماتي حتى الآن ، حتى هذه اللحظة التي جلست فيها لأدون هذه الحكاية : هل منالممكن للخائن ألا يكون سافلا ؟. إن كانت الإجابة لا ، لماذا تجشم شيتا ريزنيك ( فقد تعرفت على خطه ) مشقة إضافة الكلمة " سافل " ؟. و إن كان هذا صحيح دائما ، فيأية ظروف لا تكون الخيانة عملا سافلا ؟.حصلت على لقب بروفي منذ شبابي و لم أنفصلعنه . و هو اختصار لكلمة بروفيسور ، و التي كانوا ينادونني بها لهوسي بالتدقيق فيالكلمات. ( لا زلت أعشق المفردات : أنا أحب تجميعها ، و ترتيبها ، و العبث بها ، وعكسها ، ثم تنسيقها ، بنفس الدرجة التي يحب بها الناس النقود ، و كما يفعلون بالقطعالمعدنية أو الورقية ، أو لنقل كما يفعل الناس الذين يحبون اللعب بالورق ).شاهدوالدي الكتابة تحت نافذة المطبخ حينما غادر البيت ليحصل على جريدته في السادسة والنصف صباحا. و خلال الإفطار ، و هو يهمّ بدهن مربى التوت على شريحة من الخبزالأسمر ، غرس فجأة السكين في صحن المربى تقريبا حتى طرف مقبضه ، و قال بطريقةمتعمدة :" يا لها من مفاجأة سعيدة .! علام ينوي سيادته الآن ، لنحوز على هذا الشرف؟".قالت والدتي :" لا تشتمه منذ الصباح الباكر . إنه لأمر سيء بما فيه الكفاية أنيشتمه الأولاد الآخرون ".كان الوالد يرتدي الثياب الخاكية ، مثلما يفعل معظمالجيران في هذه الأيام. و كانت له ملامح و صوت رجل يمتلك زمام الحقيقة كلها. و هويحمل كتلة دسمة من مربى التوت من الصحن و يدهن بمقدار متساو كسرتين من الخبز ، قال :" في الحقيقة كل الناس تقريبا في كل مكان يستخدمون في هذه الأيام كلمة " خائن " كيفما اتفق. و لكن من هو الخائن ؟. نعم . إنه رجل بلا شرف. رجل يساعد العدو لينشطضد شعبه في السر و من وراء الظهر ، و في سبيل منافع غير مؤكدة. أو أنه يضر عائلتهو أصدقاءه. إنه أكثر انحطاطا من القاتل المجرم. و الآن التهم ما تبقى من البيضة. قرأت في الجريدة إن الناس يموتون من الجوع في آسيا ".سحبت والدتي الصحن إليها وأكملت البيضة و بقايا خبزتي مع المربى ، ليس لأنها جائعة ، و لكن حفاظا على سلامة وهدوء الجو. و قالت :" لا يمكن لشخص يقع في الحب أن يصبح خائنا ".لم توجه والدتي تلكالكلمات لي أو لوالدي : و من اتجاه نظراتها ، كانت كما يبدو ، تتكلم مع مسمار مغروسفي جدار مطبخنا فوق المجمدة دون أية غاية واضحة.-2-بعد الإفطار أسرع الوالدان إلىالحافلة للالتحاق بالعمل . أصبحت حرا ، أمامي بحر لا نهاية له من الوقت إلى أن يحلالمساء. فهذا هو وقت العطلة الصيفية. في البداية نظفت الطاولة و رتبت كل شيء فيمكانه ، في المجمدة ، في الخزانة ، أو في المغسلة ، كنت أحب أن أكون في البيت وحديطوال اليوم دون هم يشغلني. ثم غسلت الأطباق و تركتها مقلوبة لتجف. و قمت بجولة فيأرجاء الشقة لإغلاق النوافذ و الأباجورات ، و ذلك للأهيء لنفسي مخبأ ظليلا حتىالمساء. كان بمقدور الغبار و الشمس في الصحراء أن تفسد كتب والدي المصفوفة علىالجدران ، و التي يعتبر بعضها من المخطوطات النادرة. و قرأت صحيفة الصباح ، ثمطويتها و رميتها على منضدة المطبخ. و أعدت قلادة والدتي إلى علبتها. فعلت ذلك كلهليس بطريقة خائن سافل ندم على ما فعل و لكن حبا بالترتيب. و حتى الوقت الراهن لديعاة التجوال في البيت كل صباح و مساء لأضع كل شيء في المكان المناسب. من حوالي خمسدقائق مضت ، و أنا أذكر موضوع إغلاق النوافذ و الأباجورات ، توقفت عن الكتابة ،لأنني تذكرت ضرورة النهوض و إغلاق باب الحمام. و مع ذلك ربما من المستحسن أن يكونمفتوحا. كان ، في الواقع ، و أنا أغلقه يصدر ضجة مزعجة.طوال ذلك الصيف كان كل منوالدي و والدتي يغادران في الثامنة صباحا و يعودان إلى البيت في السادسة مساء. وكانت وجبة الغداء تنتظرني في المجمدة ، و أيامي تبدو لي واضحة و صريحة مثل تلكالآفاق البعيدة. على سبيل المثال ، كان بمقدوري أن أبدأ باللعب على السجادة معمجموعة من الدمى ( بعدد خمسة أو عشرة ) لها شكل جنود أو مستكشفين أو رحالة أو عمالتعبيد طرقات أو بناة للحصون. و خطوة فخطوة كنا نروض قوى الطبيعة ، و نهزم الأعداء ،و نحتل مسافات واسعة ، ثم نبني القرى و المدن ، و سريعا ما نشق الطرق بينها. كانوالدي يعمل في تدقيق المخطوطات أو ما يشبه أمينا للتحرير في دار نشر صغيرة. واعتاد ليلا على الجلوس حتى الساعة الثانية أو الثالثة صباحا ، في مكان تحيط بهخيالات تلقيها رفوف كتبه ، و دائما يغوص قوامه في عتمة مطبقة ، و لا ترى منه غيررأسه الأشيب و هو يعوم وسط حلقة من النور تنبعث من مصباح القراءة. إنه يبذل جهدا ومشقة بين جبال من هذه الكتب المكومة على منضدته. و يملأ استمارات و بطاقات هي عبارةعن ملاحظات تمهيدية لمؤلفه الأساسي عن يهود بولندا. لقد كان رجل مبادئ يتسم بالدأبو المثابرة ، و الالتزام الفعلي بمبدأ العدالة.أما والدتي ، من الجهة الأخرى ، كانتدائما ترفع كوبا نصف فارغ من الشاي و تنظر من خلاله إلى شعاع الضوء الأزرق الذي يمرمن النافذة. و أحيانا تضغط به على وجنتها ، و كأنها تستمد الدفء من هذا الاحتكاك. كانت تعمل مدرسة في مؤسسة الأيتام المهاجرين الذين أفلحوا في الاختفاء من النازيينداخل أديرة أو قرى بعيدة ، و هاهم الآن بيننا ، كما تقول والدتي " وصلوا مباشرة منعتمات وادي ظلال الموت ". و أحيانا تعدل العبارة فتقول : " أتوا من مكان يعيش فيهالرجال معا مثل الذئاب. حتى اللاجئين . حتى الأطفال ". في خيالي كنت أربط تلك القرىالنائية بصور مرعبة لرجال مستذئبين مع صور من عتمات وادي ظل الموت. لقد أحببت تلكالكلمات " العتمة " و " الوادي " لأنها مباشرة ترسم صورة واد تلفه الظلمات. و كنائسو أقبية. و بالأخص أحببت ظل الموت لأنني لم أفهم معناه. لو أنني همست باسم " ظلالموت " ، تقريبا أسمع صوتا عميقا و شبحيا يشبه نغمة تأتي من مفتاح بيانو ، صوتايسحب وراءه أثرا لأصداء بليدة ، كأن كارثة وقعت و لم يعد بالإمكان التراجع.عدت إلىالمطبخ. كنت قرأت في الجريدة أننا نعيش في مرحلة مصيرية ، و لذلك يجب أن نستفيد منكل القيم و المبادئ . و سمعت أيضا إن نشاط البريطانيين يلقي ظلا قاتما ، و إن الأمةالعبرية أصبحت على المحك و الواجب يناديها.غادرت المنزل ، و و أنا أتلفت فيما حولي، كما في الأفلام السينمائية ، لأتأكد أن أحدا لا يراقبني : رجل غريب بنظارات شمسية، على سبيل المثال ، ربما هو مختبئ بجريدة ، و يتسكع أمام بوابة أحد المباني فيالطرف المقابل من الطريق. و لكن الشارع كان مشغولا بشؤونه. كان البقال يبني جدارالكارافان فارغة. و الصبي الذي يعمل في بقالية سينوبسكي إخوان يجر عربة يد تصر علىالأرض. و العجوز العاقر باني أوستروفوسكا كانت تكنس الممشى أمام باب دارها. أماالدكتورة غريفيوس فقد كانت تجلس على شرفة منزلها لتملأ استمارات بشكل بطاقات أرشيف: لقد كانت من العوانس ، و الوالد يمد لها يد العون لجمع معلومات حول ماضيها بيناليهود في موطنها الأصلي ، بلدة روزينهايم ، في بافاريا. و كان بائع الكاز يمر ببطءمع عربته ، و الرسن ملقى بإهمال على ركبتيه ، و يقرع ناقوسا صغيرا و ينشد أغنيةبلغة الييديش لحصانه. و هكذا وقفت هناك و تأملت بتمهل الكلمات السوداء " بروفي بوغدشافيل " ، أو " بروفي خائن سافل " ، فقط على أمل أن أرى تفاصيل صغيرة قد تلقي ضوءاعلى معناها. بسبب السرعة أو الخوف كان الحرف الأخير من كلمة " بوغد " ، " خائن " أشبه ما يكون بـ ( ر ) و ليس ( د ) ، و هذا يجعلني بدلا من خائن سافل ، بوغد ،شابا سافلا ، بوغير. في ذلك الصباح كنت بكل امتنان مستعدا للمقايضة بكل ما أملكلأكون من الشباب البالغين.و أيضا هناك شيتا ريزنيك " المتنبئة بالمستقبل ".السيدزيروبابيل جيحون ، الذي يدرسنا الكتاب المقدس و الدين اليهودي ، شرح لنا في الصفقائلا :" أن تكون متنبئا ، يعني أن تتحول اللعنة إلى بركة. على سبيل المثال : حينما قال الوزير البريطاني إرنيست بيفين في البرلمان في لندن إن اليهود عرق عنيد ،كان تنبؤيا ".كانت للسيد جيحون عادة تطعيم دروسه بفكاهات غير مضحكة. و غالبا مايستخدم زوجته قاعدة لنكاته. مثلا ، حينما رغب بشرح مقاطع من كتاب الملوك حول السوطو العقرب ، قال : " العقارب أقسى بمائة مرة من السياط. أنا أعاقبكم بالسوط و زوجتيتعاقبني بالعقارب. ". و " هناك نص يقول " مثل صوت تكسر الأشواك تحت الحوض "- الكتابالمقدس : الخروج السابع. هذا يشبه السيد جيحون و هو يحاول أن يترنم بصوته ".ذات مرةقلت و أنا أتناول العشاء :" أنت تعرف أستاذي جيحون ، لا يمر يوم في الصف دون أنيخون زوجته و يغمز منها علنا ".نظر والدي نحو الوالدة و قال : " لا شك أن ابنك فقدوعيه ". ( كان الوالد يحب تكرار كلمة : لا شك . و كذلك كلمة : هذا لا نقاش حوله ،من الواضح ، نعم ، حقا ").ردت الوالدة تقول :" عوضا عن إهانته ، لم لا تحاول أن ترىماذا يقول ؟. أنت لا تصغي له فعلا. أو حتى لي. أو لأي شخص آخر. كل ما تستمع له هوالأخبار في الإذاعة ".قال الوالد بهدوء ، رافضا التورط في مناقشة كالعادة : " كلشيء في هذا العالم له وجهان على الأقل. هذا معروف لدى الجميع ما عدا أرواح معدودةضالة ".لم أفهم ماذا تعني " الأرواح الضالة " ، و لكن أدركت أن هذه ليست هي اللحظةالمناسبة لأستفسر. و على هذا الأساس تركتهما وجها لوجه و التزمت جانب الصمت تقريبالدقيقة كاملة – أحيانا كانا يلوذان بالصمت الذي يشبه نزالا او صراعا بالأيدي – ثمقلت : " ما عدا الظل ".سلط علي والدي واحدة من نظراته المليئة بالشك ، نظارتاه علىمنتصف أنفه ، رأسه في حركة دائمة إلى أسفل و أعلى ، إنها نظرة تلخص ما تعلمناه فيالكتاب المقدس . " يبدو من هيئته أن الغضب قادم على الطريق. ". و عيناه الزرقاوانتشعان باتجاهي بيأس مطبق ، يأس مني و من الجيل الشاب عموما ، و من فشل النظامالتعليمي الذي أصبح مثل فراشات الحقول و في مرحلة الشرنقة ، و قال : " ماذا تقصدبالظل ؟. دماغك هو الظل ".قالت والدتي : " عوضا عن إسكاته ، لم لا تحاول أن تفهم مايقول ؟. هو يحاول التعبير عن شيء ما ". أضاف الوالد : " حسنا. فعلا. لا بأس. ماذاينوي سيادته أن يقول في هذه الأمسية ؟. أي ظل غامض تحاولين الإفصاح عنه هذه المرة ؟ " يرى ظل الجبال كأنها رجال ".؟. كما لو أن الخادم المطيع يرغب بالظل ؟".ذهبت إلىسريري. لم أكن أدين له بأي تفسير. مع ذلك ، استجابة لنداء الواجب ، قلت : " ما عداالظل ، يا والدي. قلت من دقيقة مضت كل شيء في العالم له وجهان. و أنت مصيب تقريبا. و لكنك نسيت أن الظل ، على سبيل المثال ، له وجه واحد فقط. اذهب و تأكد. إن كنت لاتصدقني. بوسعك أن تقوم بتجربة أو إثنتين. ألم تعلمني بذاتك إن الاستثناء هو الذييثبت القاعدة و على المرء أن لا يعمم ؟. هل نسيت ما قلت لي ".قلت ذلك ، و بحركةواحدة نظفت الطاولة ، ثم انطلقت إلى سريري.
الترجمة إلى الإنكليزية نيكولاس دي لانغ
2 - البحر نفسه - فصل من رواية
The Same Sea - عن دار نشر كيتير 1999

قطة
يعيش السيد ألبيرت دانون وحده في شارع أميريم القريب من البحر . و هو مغرم بالزيتون و الجبنة المقرمشة ، و يعمل محاسبا ، و قد فقد زوجته من فترة ليست بعيدة. توفيت ناديا دانون بسرطان المبيض ، و تركت وراءها بعض الثياب ، و طاولة للزينة ، و بسطا ناعمة مزخرفة بالنقوش. أما ابنهما الوحيد ، إينريكو دافيد ، فهو في التيبت يتسلق المرتفعات.
هنا في بات يام يكون أول الصبح في الصيف حارا و مضغوطا ، و لكن هناك على الجبال فإن الليل يخيم. و الضباب يعصف على مسافة منخفضة بين الشعاب . الرياح الباردة تعوي كما لو أنها أصوات حية ، و الضوء الشاحب يميل ليكون حلما مزعجا.
و عند هذه النقطة يتشعب الطريق : واحد منحدر ، و الآخر يميل بيسر و سهولة. و ليس هناك أية علامة على الخارطة تشير إلى هذه التشعبات. و مع إمعان المساء في التعتيم كانت الرياح ترمي عليه حجارة مثل المطر الغزير. كان على ريكو أن يحدد هل يأخذ الطريق القصير أو الطريق اليسير و هو يهبط إلى أسفل.
على أية حال ، سوف ينهض الآن السيد دونان و يغلق الكومبيوتر. و سوف يقف قرب النافذة ، في الخارج وسط الباحة توجد قطة فوق الجدار. لقد اقتنصت سحلية. و لن تدعها تفلت.
عصفور
قبل وفاة ناديا دانون بفترة بسيطة أيقظها عصفور على غصن شجرة. في الساعة الرابعة صباحا ، قبل أن يشرق الفجر ، صاح العصفور يقول : ناريمي ، ناريمي.
ماذا سوف أصبح لو لقيت حتفي ؟. صوتا أو عطرا أو سوى ذلك. لقد أصبت بالورم ، و ربما أتغلب عليه. و الدكتور بنتو يبدو متفائلا : الحالة مستقرة. الطرف الأيسر أسوأ بقليل. و لكن الأيمن بحالة جيدة. الصور الشعاعية واضحة. انظري بنفسك : لا أثر للمضاعفات هنا.
في الرابعة صباحا ، قبل شروق الفجر ، شرعت ناديا دانون بالتذكر. جبنة حليب إيويس . كوب من النبيذ. عنقود من العنب. عطر المساء البطيء فوق تلال بعينها ، نكهة الماء البارد ، أزيز الصنوبر ، و ظل الجبال و هو ينتشر فوق السهول ، ناريمي ، ناريمي ، هناك كان العصفور يغني. سوف أجلس هنا و أخيط. و سأنتهي عند الصباح.

تفاصيل
كان ريكو دافيد منهمكا بالقراءة باستمرار. اعتقد أن العالم بحالة متدهورة. كانت الرفوف تغطيها أكوام من الكتب ، و الدفاتر ، و الأوراق ، و المنشورات ، التي تتحدث عن موضوعات سالبة و من جميع الأشكال : دراسات في الموت ، دراسات نسوية ، السحاقيات و اللواطيون ، الاعتداء على الأطفال ، العقاقير ، العنصرية ، غابات المطر ، و ثقب طبقة الأوزون ، و لا تنسى القهر الذي هيمن على الشرق الأوسط. دائما يقرأ. يقرأ كل شيء. ذهب إلى تجمع يساري مع صديقته ديتا إنبار. انصرف دون أن يقول كلمة. و نسي أن يرن بالهاتف. و عاد إلى المنزل متأخرا. وثم عزف على غيتاره.
توسلت له والدته ، و كذلك والده. و لكنها لا تشعر بالرغبة في ذلك - و أنت تزيد الأمور سوءا. قال ريكو : حسنا. امنحوني فرصة. و لكن كيف يمكن لامرئ أن يكون متبلد الأحاسيس إلى هذه الدرجة؟. نسي أن يغلقه. و نسي أن يوصده. و نسي أن يعود قبل الثالثة صباحا.
قالت ديتا : يا سيد دانون حاول أن ترى الموضوع من هذه الزاوية. هذا مؤلم له أيضا. أنت الآن تحمله الذنب ، و في النهاية ، مسؤولية موتها لا تقع على كاهله. و هو لديه الحق أن يعيش حياة خاصة. ماذا تتوقع منه أن يفعل ؟. أن يجلس ممسكا بيدها ؟ الحياة لا تتوقف. بهذه الطريقة أو تلك لكل امرئ الحرية باختيار طريقه. و أنا الآن لست متحمسا لرحلة التيبت. و لكن لا يزال لديه الحق بالبحث عن طريقه. و بالأخص بعد أن فقد أمه. سوف يعود يا سيد دانون. و لكن لا تحاول أن تتسكع بانتظاره. انغمس ببعض الأشغال ، قم ببعض التمارين الرياضية ، أي شيء. و سوف أزورك أحيانا.
و منذئذ شرع يهتم بالحديقة في فترات متقطعة. نسق الزهور. و ربط البازلاء الحلوة. و استنشق رائحة البحر البعيد ، ملوحته ، أعشاب الماء ، و الرطوبة الحارة. قد يتصل بها في الغد. و لكن ريكو نسي أن يسجل رقمها ، و هناك دزينة من آل إنبار في دليل الهاتف.
في وقت لاحق في التيبت
ذات صباح في الصيف ، حينما كان شابا ، أخذ هو و والدته الحافلة من بات يام إلى يافا ، ليطمئن على خالته كلارا. و في الليلة لسابقة لم يتمكن من النوم : كان يخشى أن تتوقف الساعة المنبهة عن العمل في الليل ، و أن لا يستيقظ. و ماذا لو أنها أمطرت ، أو لو تأخرا.
بين بات يام و يافا انقلبت عربة يجرها حمار. و البطيخات وقعت على الإسفلت و تكسرت. حمام دموي. ثم إن السائق البدين شرع بالصياح و استفزاز رجل بدين آخر ، دهن شعره بالمطريات. سيدة عجوز تثاءبت أمام والدته. كان فمها مثل مغارة ، فارغا و واسعا. و عند مقعد في موقف سيارات جلس رجل بربطة عنق و قميص أبيض ، و كان يضع سترته فوق ركبتيه. لم يكن ينوي الصعود إلى الحافلة. و أشار لها كي تتابع. ربما كان بانتظار حافلة أخرى. ثم شاهدا قطة مدهوسة ، ضغطت والدته رأسه على بطنها و قالت : لا تنظر ، و إلا سوف تبكي في نومك مجددا. ثم إن فتاة برأس حليق : قمل ؟ كانت ساقاها المتقاطعتان مكشوفتين بمقدار لمحة عابرة. و بناية لم تنته و كثبان من الرمال. مقهى عربي. ورق تنشيف. دخان ، حاد و كثيف. رجلان ينحنيان إلى الأمام ، الرأسان متلامسان تقريبا.
أطلال. كنيسة. جرس. سقف من القرميد. شباك من فولاذ ميت. شجرة ليمون. رائحة سمك مقلي. و بين جدارين قارب و بحر في الأمواج.
ثم بستان ، دير ، أشجار نخيل ، ربما بلح ، و أبنية في حالة فوضى. لو تابعت طوال هذا الطريق جنوبا سوف تصل في النهاية إلى تل أبيب. ثم ياركون. بساتين الحمضيات. القرى. و بعدها المرتفعات. و بعد ذلك كان المساء يخيم. مرتفعات الجليل. سوريا. روسيا. أو السهول. التوندرا. و المروج التي تغطيها الثلوج.
في وقت لاحق في التيبت ، كان يميل إلى النوم أكثر من اليقظة. تذكر والدته. إن لم نستيقظ سوف نقع في ورطة. سوف نتأخر. في الثلج داخل الخيمة و في أكياس النوم تمطى ليضغط رأسه على بطنها.
حسابات
في شارع أميريم ما زال السيد دانون مستيقظا. كانت الساعة الثانية صباحا. على الشاشة أمامه لم تكن الأرقام متسلسلة. شركة أو سواها. خطأ أو تزوير؟ دقق. لم يضبط مخالفة. على بساط مزخرف كانت الساعة المعدنية الرقيقة تدق. ارتدى معطفه و غادر. إنها الساعة السادسة الآن في التيبت. رائحة المطر في شوارع بات يام و لكن بلا أمطار . إنها فارغة. صامتة. مجمعات سكنية. خطأ أم تزوير. سوف نرى في الغد.
بعوضة
نامت ديتا مع صديق مقرب من ريكو. و هو غيغي بين – غال. و أثار أعصابها إلحاحه على جماع شاذ. و قرفت منه بعد ذلك حينما سألها كيف كانت النتيجة لو قدرتها بميزان : من صفر حتى مائة. كان لديه رأي حول جميع الأشياء. و بدأ يتحدث حول رعشة الأنثى : إنها ليست مادية بالضبط ، و لكنها عاطفية. ثم وجد بعوضة بدينة على كتفها. ضربها ، و أزالها ، و قلّب في الجريدة المحلية ، ثم رقد على ظهره و نام. و كان يمد ذراعيه بشكل صليب. لم يترك مسافة كافية لها. و ارتجف عضوه التناسلي ثم هدأ و كانت عليه بعوضة: هذا انتقام دموي.
استحمت في الدوش. و مشطت شعرها. و ارتدت قميصا أسود بلا ياقة تركه ريكو في أحد أدراجها. بصورة تقريبية هو عاطفي. مادي. جنسي. فارغ. حساس . مثير. آراء على مدار الساعة في النهار و الليل. هذا خطأ. هذا صحيح. ما هو المسحوق الذي لا يمكن أن يكون غير مسحوق. يجب أن أرحل و أطمئن على الرجل العجوز.
الترجمة إلى الإنكليزية نيكولاس دي لانغ

الترجمة 2010

نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.
ألف







تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow