Alef Logo
نص الأمس
              

أبو النواس وحانات بغداد الخليفة الأمين يبحث عن نديمه ِ شهرا ً ليشرب معه / إعداد

أحمد بغدادي

2010-03-26


يروي أبو النواس عن ذهابه ِ إلى بغداد في عصر هارون الرشيد قائلا ً :
كانت بغداد تموج بالدسائس والفتن السياسية ؛ وقد كان فيها حزبان : حزب العرب ويتزعمه الفضل بن الربيع وتسنده داخل القصر زبيدة زوجة هارون الرشيد .. أما الحزب الآخر فهو حزب البرامكة وكانوا حاكمين بأمرهم .. كانوا يحكمون الرعية ويحكمون الخليفة , كانوا أقوياء , رأسهم الكبير شيخ ٌ حنَّـكـته التجارب والعلوم وهو يحيى بن البرمكي وولداه جعفر وخالد تقاسما الهيل والهيلمان والقوة والسطوة وكانوا يعاملون هارون الرشيد كما لو كان طفلا ً ..! وفي الحق أنه كان طفلا ً له شارب ولحية وسيف وعمامة .. كانوا هم وحزب العرب بزعامة ابن الربيع وزبيدة يتقاذفونه بالأقدام وقد كان بين حزب العرب وحزب الفرس مثال اللعبة !. كان جلَّ همومه أن يشرب ويلهو ويجمع الندماء والشعراء من حوله ِ ويجمع الفقهاء والعلماء ليدخلوه الجنة !!.
يضيف قائلا ً :
لما وصلت إلى بغداد كانت الفتنة قائمة على قدم ٍ وساق , وكنت أريد أن أصل إلى الخليفة , أريد جوائزه وعطاياه .. أريد ذهبه لأنفقه على لذتي ومتعتي .. وكان أمامي طريقان .. طريق الفضل بن الربيع وهو طريق ٌ شائك , وطريق البرامكة وهو طريق مكتظ ٌ بالرائحين والغادين والمنتظرين والواقفين !!. وهدتني الفطنة إلى أن أبتعد عن البيئة السياسة إلى أن أتبين الأمور جيدا ً , فاتجهت ُ إلى أسواقها طلبا ً لحاناتها فاجتمعت مع أصدقائي من الشعراء والمُجان والشباب وكنت عرفت ُ بعضهم في البصرة وعرفت ُ بعضهم الآخر في الكوفة , وكانت جواري الخليفة يهربن من قصره ويختلطن بصديقاتهن من جواري السراة والأشراف والأمراء , وقد استطعت ُ منذ الليلة الأولى أن أندمج في هذا الجو العابق بأنفاس اللذة والمجون والشراب .
ولليل ِ جلبابٌ علينا وحولنا فما إن نرى إنساً لديه أو جنَّـا

ويستطرد بعدها عن طرفة ٍ جرت معه وأصدقائه ِفي إحدى حانات بغداد ذات عشية فيقول :
ذهبنا إلى الحانة وكان الليلُ دامسا ً والبردُ شديدا ً والطريقُ موحشة ً إلى أن نزلنا بحانة امرأة رومية عجوز تدعى ( حنون ) والكل ُ يعرفُ مُسبقا ً أن الجميع ليس لديه ديناراً واحدا ً ؟!! .. وعند وصولنا لباب منزلها الذي جعلت قسما ً منه حانة طرقتُ البابَ
ففتحت بعد هجعة ٍ من الطرق فأخبرناها بغيتنا ومطلبنا ولم نخبرها أننا لا نمتلك المال فالبعض منّـا عليه علاماتُ الثراء من حسن لباسه ووجه الوضاء ؛ خصتنا صاحبة الحانة بمكان ٍ جميل وهادئ , كانت تقع على شاطئ دجلة وفي مكان ٍ ناء ٍ عن الناس والجلبة ومما زاد المكان ألفة وجمالا ً دفء المكان وذاك القصب المنسق والذي يحيط جدران الحانة ويغطي سقفها ... أخذنا نشرب ونلهو ونسمر ونرتجل الشعر .. شربنا حتى الثمالة ..
حتى انعقدت ألسنتُنا وأخذنا نتفاهم بالإشارة والإيماء حين نطلب المزيد من الشراب !!

فكل كف ٍ رآها ظنّـها قدحــا ً وكل شخص رآه ظنَّـه الســاقي

وكنت أنا أكثر من شرب بينهم ... لم أشرب بالكوز كنت أطلب الدنَّ وأتركه فارغا ً مثل جسدٍ بلا روح :
مازلت ُ أستلُ روحَ الدنِّ في لطف ٍ وأستقي دمَه من جوف ِ مجروح ِ
حتى انثنيت ُ ولي روحان في جسد ٍ والدنُّ منطرح ٌ جسما ً بلا روح ِ

وهمَّ البعض ليغادر الحانة, وقتها طلبت الشمطاء ثمن ما شربناه بعدما ارتابت في أمرنا فكاشفناها بحالنا وشح المال لدينا ..فثارت كالأتن وأقسمت أن تستبقي أحدا ً منا رهينة لحين ما نسدد ثمن الخمرة ! طبعا ً كان ذاك اقتراحي وليتني ما اقترحتُ . فأشارت إليَّ وهذا ما كان يساورني عندما اقترحتُ ذاك الاقتراح الأرعن !! . تلك الرومية العجوز أبقتني في دارها رهينة ً لمدة ثلاث ليال حتى سددت ُ الثمن وأي ثمن ٍ هذا لم يكن مالا ً بل أعصابي !
لم يأت ِ أحدٌ من رفقة السوء هذي بقيت هذه المدة ووجهها بوجهي حتى أطلقت سراحي بعدها أقسمتُ ألاَّ أطرق بابَ حانة حتى يكون لدي من المال ما يكفي لشرائها و حتى لا تتكرر مأساة الشمطاء حنون .
أنشدَ أبو النواس شعرا ً بتلك الحادثة حيث خرج عن نطاق الحقيقة بعض الشيء عندما ذكر لها تعارفه على أصحابه عند باب الحانة وللشاعر ما يرومه بشعره ِ لأسباب عديدة .

يعود بقوله ِ إلى بداية الحادثة عندما طرق باب الحانة فردت عليه صاحبة الحانة :
من الطارق ؟
فقال لها :

إنَّـا شبـابٌ تعــارفــنـا ببـابــك
فقالت لنـا : أهـلا وسهلا ومرحبـا
فقلت ُ لهـا : ما الاسم ؟ ما السعرُ ؟ بيِّــني
لنـا سعرها كيما نـزورك ِ ما عشنـا !
فقالت لنا : " حنون " اسمـي .. وسعـرهـا
ثلاث بتسـع ... هكذا غيركم بعنـا !
فقلت ُ لهـا : جئنــا وفي المــال ِ قلـة ٌ
فهل لك ِ في أن تقبلي بعضنـا رهـنـا ؟
فقالت لـنـا : أنت َ الرهينــة ُ عندنـا
متى لم تفوا المـال خلدتــك السـجنا !


حانة جابر وسابا شمرا وغضب الخليفة الأمين على أبو النواس

يسأل بعض المرتادين أبو النواس من أنت َ ؟

فيجيبه :
إني نحـوت الخمـرَ أطلبــها
قال الدراهم .. هل للمهر ِ إبطـاء ُ

يذكر لنا أبو النواس حالته في الحانات وكيف تتشابه بين حانات البصرة والكوفة وبغداد التي قال عنها مدينة السلام ؛ كما يذكر اتصاله بالشعراء والمغنين الذين كانوا يرتادون الحانات ينشدون الكسب الفاحش ! وقد كانوا من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين فبعض الحانات صاحبها مجوسي رقيق , وبعضها صاحبها كريم المحيَّا ظاهر الشرك ِ كافر له دين قسيس وتدبير كاتب وإطراق جبار وألفاظ شاعر ؟!!.
يقول :
مازلت ُ أذكر إلى الآن حانة ً أحن إليها إلى الآن وكان صاحبها مجوسيا ً واسمه
" سابا شمرا " وكان أحور العينين جميلا ً .

فلما قرعنا بابه هب خائفــــا ً وبادر َ نحوَ الباب ِ ممتلئـا ً ذعــرا
وقال : من الطارق ليـلاً فناءنــا فقلتُ له : افتح .. فتية طلبوا خمـرا
فأطلق عن أبوابه ِ غيــر هائـب ٍ وأطلع من أزراره ِ قمـرا بــدرا
فقلت ُ له: ما اسمك ..حييت ؟ قال : دعاني أبي " سابا " ولقبني " شمـرا "
فكدنا جميعــا ً من حلاوة ِ لفظـه نجن ُ , ولم نسـتطع لمنطقـه صبرا

ويستطرد أبو النواس بحديثه ِ عن الحانات قائلا ً :
ذهبنا إلى حانة ٍ وقد حسبنا صاحبها نصرانيا ً فقد كان يشد إلى خصره ِ حزاما ً مثل عادة النصارى, فلما كاشفناه بظننا غضب منَّـا كثيرا ً وقال كيف تظنون بي ذلك ؟
فقلنا له : إذن مسلم ؟
فقال : لا ...!
فقلت ُ له : على دين المسيح ابن مريم ؟
فأعرض .. وقال لنا هجرا ..!
فقد كان يهوديا ً واسمه السموءل بعد ضجر منّـا أخبرنا , وكان غضبه ليس لدينه إنما لسمعته ِ , فقد كان اليهود أبرع الخمارين على الإطلاق .. كانت خمرته روحا ً صافية !


وجـاء بهـا زيتيـة ً ذهبـيـة فلم نستطع دون السجود ِ لها صبـرا
أتيـنـا على أن المُـقـام َ ثلاثة فطابت لـنـا حتى أقمـنا بهـا شهرا



ويضيف أن الخمارين المسلمين فاشلون في صنع الخمرة إلا واحدا ً واسمه جابر
وقد كان الخليفة الأمين لا يطيقه كما لا يطيق بُعدي عنه , كان ينهاني عن الشراب إلا معه وقد هددني بقطع عنقي إذا أنا ذهبت إلى الحانات , ولكني برغم تهديده ِ ظللت ُ أعاقر الخمرَ سرَّا ً . وقد حدث أن رحلت ُ من بغداد إلى الكوفة , وذهبت ُ إلى حانة ِ جابر وهي تقع في الحيرة , وكان جابر لطيفَ الخلقة نظيفَ الثياب يهتم بأدوات الشراب وقد التقيت عنده بصديقي ابن الصلصال وكان يعرف شدة شغفي بالخمر , والاستماع إلى الغناء , فقدَّم لي الشراب وجمع المغنين وضاربي الطنبور , فامتنعت ُ عن الشراب وقلت ُ له ( ألم تعلم بما حدث لي ؟ لقد نهاني أمير المؤمنين عن الشراب وتوعدني عليه ) واكتفيت بسماع الأغاني وشمِّ رائحة الخمر ِ وقلت ُ قصيدتي :

أيهـا الرائحـان باللـوم ِ لومــا لا أذوق المـــدام َ إلا شمـيمــا


ولكني لم أطق صبرا ً على ذلك , فما هي ساعة ٌ إلا وجدتني أشرب الخمر وكنت أصيح من فرط النشوة ِ والغيظ (( هاتها .. هاتها .. )) ولعنت ُ الأمين .. وأم الأمين ! . ولما عدتُ إلى بغداد وقابلت الأمين , سألني أين كنت ؟ فأخبرته بأني كنت عند صديقي ابن الصلصال ورويت له ما حدث من امتناعي عن الشراب أول الأمر .. فقال لي ماذا صنعت في آخر الأمر ؟ .. فقلت ُ له " شربت ُ والله يا أمير المؤمنين " فغضب مني وطلب مني أن أشخص إلى صديقي وآتي به ِ إلى أمير المؤمنين , وقد أدناه منه وأحب فيه قدرته على الشراب وظل معه إلى لقي أمير المؤمنين مصرعه !!.


كان أمير المؤمنين يشربها ويقيم الحد على من يشربها .. هذا هو العجب العجاب !!.
أحب أبو النواس الخليفة الأمين وكان ينشط أمير المؤمنين لشرب الخمرة مع أبو النواس
وكان من في القصر من ندماء الأمين يحسدون أبو النواس على مكانته من الخليفة وكان يحاولون التفريق بينهما ببعض الدسائس والكلام السيئ عنه وكان ينتهزون فرصة غياب أبو النواس عن الأمين لرمي ما يصبون إليه . مرة ً غضب الأمين غضبا ً شديدا ً على أبو النواس لغيابه ِ عنه مدة طويلة وعند عودته أسرع أحد ندماء الأمير إلى الأمين وقال له عندما دخل أبو النواس مجلس الأمين : يا أمير المؤمنين هذا شخص فاجر ينادم السفلة والسوقة , ويغشى الحانات ويرتكب الفواحش وإن منادمتك له تجريحا ً لأمير المؤمنين !
فأسكته الأمين وقاله له : ألغ ِ هذا الكلام .. فو الله ما ينبغي أن يكون نديم َ خليفة إلا مثله في أدبه ِ , وظرفه ِ , وعلمه ِ , وكمال خصاله ِ , وما غضبت ُ عليه ِ إلا تأسفا ً على ما يفوتني منه !!.








مقتطفات من أشعار أبو النواس

* طيب الحياة *
يقول :
تمتع بالخمـور ِ وباللّـواط ِ ولا تخشَ المرور َ على الصِّراط ِ
وخذها قهوة ً من كف ِ ظبي رخيم ِ الدلِّ , ممشوق ِ الشَّطاط ِ
يعاطيك َ المُـدامَ بلا مِـزاج ٍ بأطيب ِ ما يكونَ من التعاطـي
وكن في اللّهو ِ مهتوكا ً خليّا ً سليم َ الحُلْم ِ , محلـول ِالرباط ِ
فذا طِيْبُ الحياة ِ وأيُّ عُـمْر ٍ لذي لهـو ٍ , يطيبُ بلا لـواط ِ ؟

* اترك التقصير *
اتركِ التقصيرَ في الشُّرب ِ وخذها بنشــاط ِ
من كُميت ٍ كسناء ِ البرْقِ ضاءتْ في البواطي
وارتبطْ كـلَّ هضيم ِالكَشْح ِ في لين ِ القباطي
لطفُ عفو ِ اللّه ِ موقوفٌ , غداً , عندَ الصّراط ِ
خُلِقَ الغفرانُ إلاّ لامرئ ٍ في النـاس خاطـي ؟

* هذا اللهو *
تأهّبْ يومَ فطرِكَ للمعاصي وخذْ شوّالَ , ويحكَ بالقصاص ِ
وصِلْ أيامَهُ بالليل ِ حتّـى ترى الستّينَ ليس بذي انتقاص ِ
ورأسُ الأمرِ في إحرازِ ظبي ٍ تقلّبه ُ وتدفع ُ في المعـاصـي
فهذا اللهوُ لا لهـوٌ بيـوم ٍ عبوسٍ , فيه يُؤخذُ بالنـواصي

* محرمة الشراب *
يقول :
نِِكْ مَنْ لقيتَ من الظـبا واشربْ محرّمـة َ الشّـراب ِ
فالمشـركـون وقايـة ٌ للمسـلمـيـنَ من العذاب ِ
* لا تعفُ *
نِكْ بني الدنيا ولا تعْفُ أخاكا لا , ولا ضيفـا ً كريمـا ً إنْ أتاكا
واعفج ِ الجارَ ولا تنسَ أباكا وابنَّ عمِّ السّـوء ِ أيضا ,ً فكذاكا

* إن مات ذو طرب *
ولا تبكينَّ على ناسـك ِ وإن ماتَ ذو طرب ٍ فابكـه ِ
ونكْ مَنْ لقيت من العالمينَ فـإنَّ الحزامــة َ في نيـكه ِ
ولا تدعنْ نيـكه ُ جاهدا ً فإن الندامـةَ في تــركـه ِ

* صغارا ً وكبارا *

منع َ الصّومُ العُقـارا وهوى اللّـهـوُ , فغـارا
وبقـينا في سـجون ِ الصّوم ِ للـهـمِّ أسـارى
غيـر أنّـا سنُداري فيه ِ مَـنْ ليـس يُـدارى
نشرب ُ اللّـيـل إلى الصّـبْـح ِ صغارا ً وكبارا
نـتغـنّى ما اشتهيناهُ , من الشِّـعْر ِ سِـــرارا
اسقني حـتى تـراني أحسب الديـكَ حمــارا


يتبع ...

إعداد : أحمد بغدادي

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الضحك على الله

16-أيلول-2017

سحبان السواح

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

على غير العادة

16-أيلول-2017

إن لم تأت

02-أيلول-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

قول في الفيلسوف

02-أيلول-2017

نصف مليون مريض نفسي فقط في سورية

26-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow