Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

مسرحية / السيد – المُسمِّم / لماكسل بودنهايم و بين هيتش ـ ترجمة:

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2010-02-23


مسرحية من فصل واحد

غرفة المُسمِّم، ستائر مخملية بنفسجية اللون مطرزة بأزهار الخزامى و الزنبق برتقالية وكبيرة الحجم معلقة على الجدار الخلفي للمسرح، وتغطيه كلياً. وسادة ضخمة قرمزية ارتفاعها أربعة أقدام و عرضها خمسة أقدام تقف عند منتصف الجدار الخلفي قبالة الستائر. أما الجدار الأيمن و الأيسر فلكل منهما نافذة ضيقة أعلاها يتسرب من خلالها ضوء خفيف معتم يشكلان مثلث عند نقطة التقائها بالأرض. يوجد مدخل ضيق و عال مغطى بستارة برتقالية عند منتصف الجدار الأيمن و الأيسر. الأرضية سوداء و مكشوفة. شمعة سوداء كبيرة بعرض ثلاثة إنشات و ارتفاع خمسة أقدام تخرج من جرة سوداء تقع عند منتصف الخشبة تشطر المثلث المكون من الشعاعين الباهتين. وسادات سوداء و قرمزية مبعثرة على الخشبة و على اثنان منها يجلس كلاً من سوب (المُسمٍّم) و مالدور (مساعد سوب) على يمين و يسار الشمعة ينظران إلى بعض بابتسامة سوداوية رقيقة. سوب طويل القامة و له لحية سوداء ووجه كالنسر الأمريكي، يرتدي ثوباً برتقالياً و خفاً أسود اللون بينما مالدور قصير القامة وله ذقن ناعمة ووجه فتاة ناعسة، يرتدي مالدور ثوباً أبيضاً و خفاً.)



مالدور: (حائراً وتواقا ً، يتحدث بنعومة إلى المُسمِّم) إفراز من أمعاء الجرذ الكبير الذي وُجد في نهر هونغ هو، منثوراً بغبار الطلع لأزهار الياسمين، يُنتج أروع سم، أوه سيدي، عندما تقطره في عيني فتاة عذراء يجعلها تنكمش في رعشات متصاعدة.

سوب: (بكسل) عينا العذراء باتت جوفاء لبهجة مُسمِّم

مالدور: (يتكلم بحماس وتوكيد مشجعاً) العذراء، أوه سيدي، تضيف فقط مقداراً ضئيلاً للعملية، البهجة تكمن في تركيب السم الأبهة

سوب: التركيب ليس إلا مرﺁة محطمة

مالدور: (لا يزال مشجعاً) من الثلمات القزحية لقنديل البحراستخلصت سائلاً زعفراني اللون، أه سيدي، إن خلطه بيرقات اليعسوب يعطي سماً لا بأس به، و تقديمه بجرعات صغيرة جداً يخلق شرائطاً من اللهب في الدم، مما يجعل الضحية الفاتنة تزفر ألواناً فسفورية مشعة و غريبة

سوب: سئمت من السموم الدمثة المرعبة

مالدور: (بتوق) أي كياسة غريبة تجعلك قاس الليلة، أوه سيدي؟

سوب: (لنفسه) سموم مملة، مهرج يهتاج... ثم دائماً الرتابة المتأنقة .. الموت

مالدور: (يتكلم بسرعة) و لكن بالتأكيد عملنا لا يزال يثيرك، أوه سيدي، لمَ تستميل وحشية الموت الفارغة!

سوب: (بلباقة) أه مالدور، سمومنا تعطي نجاحاتها الضئيلة للحياة فقط، أريد أن أسمم الموت

مالدور: (بحزن) لكن سيدي، الالتواءات المتذللة و الألام القاسية و البهلوانيات الممتعة التي تنتج عن أثار السموم، أي ارضاءٍ أروع من ذلك؟

سوب: (بكسل) ليست إلا فواصل تتركني ضعيفاً حاسداً الموت.. سيدي

مالدور: (بنقمة) ليس لديك سيد، ﺁخر سُم لك من دم العثة أنتج تأثيراً شديداً و غريباً لدرجة روّع الموت نفسه، صحيح ... إن عظام المرأة العجوز بدأت تتفكك عن جسدها، تاركةً تكشيرة كبيرة

سوب: ضقت ذرعاً بكل هذه التكشيرات العقيمة

مالدور: (ببطء) بعض القصائد الجديدة و الهالكة بدأت تتنهد إلى قلبك

سوب: (بنعومة) ليس من سموم متبقية، اتصلنا بالموت بعدة إشارات وتزودنا بأكفان غليظة كافية

مالدور: إنك عصبي المزاج، حلمك حول قلبك إلى حقيبة بائسة

سوب: سأخبرك مالدور بما فعلت

مالدور: طبعاً فأنت لم تجد سبباً للحياة

سوب: بل وجدت أعظم سبب للحياة

مالدور: شيء صغير مرعب

سوب: لا، بل جميل

مالدور: (يصمت لبرهة) حذاري يا سيدي، الجمال هو انتقام الحياة من الموت

سوب: لا تفقه سوى القليل، الجمال هو انتهاء الموت

مالدور: (يتكلم ببطء) أي سُمٍ هذا؟

سوب: (بلطافة) قطرة لا أكثر تدخل الدم، تصبح البشرة كلون بركة الحليب حيث أشباح النبيذ تسبح برقة، العيون تنبض في النهار مثل صدور العصافير البنفسجية، و الفم يزهر بروعة. أه مالدور.. قطرة واحدة تحرر الجمال من سجونه الكثيرة و الضحية تقف مغسولة بضوء كثيف قبل أن تموت المخيلة

مالدور: (بخبث) أي إنسانية هذه؟ هل سوب المُسمِّم يحلم بالأبدية؟

سوب: (برقة) سوب المُسمِّم صنع قطرة من السُم تخلق الجمال و الموت، وفي روح الضحية يرقد وحشان يتواجهان و يتصارعان، يبقى كل من الجمال الخالد و الموت متشبثان بمعانقة خانقة. لمّا يعمل السم في جسد ضحيته يعطيها إشعاعاً وجمالاً في كل لحظة، و في كل لحظة يُشُّل قلبها

مالدور: بعدها؟

سوب: يُحرم من الحياة، و لكن أي جمالٍ سيصارع الموت؟ الهالك يبقى ملكي، و هكذا بسُمي أصبح ملك الموت.. و من يجب أن يموت لا يموت.. و الموت يشعل لهباً لا يخنق

مالدور: احذر

سوب: (بتوكيد شديد) الموت عبدي، إني أستدعيه، أفتح بوابة نفيسة لا يستطيع عبورها

مالدور: (بنعومة) هذا السم لا يعجبني

سوب: (يبتسم) أنت ناضج للموت مالدور

مالدور: (بنعومة) هذا السم لا يعجبني

سوب: سأخبرك بصفة أخري للسم قد تقزم مخاوفك

مالدور: وما هذه الصفة؟

سوب: السموم الأخرى التي صنعتها قدمت لنا استهلالة صغيرة للموت ، ضحايانا أمتعونا على نحو ما بتنهدات لاواعية قليلة، كانوا دمى متحركة مطيعة في عذابات السموم، أما الأن مالدور فموضوعنا مستلهماً من جسدها الجميل الخالد.. بلهبها المتأجج و المتصاعد .. يقاوم بعذاب هذه التشنجات الغريزية ومراراتها المحسوسة الغامضة، أما رغبتها الغامرة في إطالة مدة جمالها سيجعل من صراعها مع الموت بشعاً وخلاباً

مالدور: لكن بما أنك تقول أنه ليس باستطاعتها الموت فإلى أين يؤدي هذا الصراع

سوب: لا أعرف، أعرف فقط عندما يتغذى جمال امرأة على ظلال الموت عليه أن يبهجنا بمعجزة ما

مالدور: (برقة) إن سمة هذا السم لا تروقني. المعجزة التي وعدت بها محاطة بشكوك دقيقة. الموت ، الخائن، قد يطوف بتهور، لنستعيد سمومنا المحددة المثيرة للشفقة، لنمرح بالرذاذ الرغوي الأخير عند نهاية متع الحياة، أوه.. الشعر المرذوذ لليسروع الأبيض ارتفع على ضوء القمر لدرجة جعلت من العينين تخرجان من محاجرها و اللسان يندفع خارجاً من مكانه

سوب: (بلباقة) أين فانا؟

مالدور: فانا!

سوب: استدع لي فانا

مالدور: سيدي، لا تستدع فانا

سوب: يجب أن أجعل فانا جميلة

(تسحب فانا الستائر جانباً من جهة اليسار، فانا طويلة، قبيحة بفخامة، تلبس فساناً بني اللون، ووجهها ملفوف بوشاح بني باهت معقود في مؤخرة عنقها ويسقط حتى أسفل قدميها، تقف بلا حراك، يلتفت كلا الرجلين و ينظران إليها)

سوب: (بنعومة) عليّ أن أجلب السم

(يقف ويغادر من المدخل الأيمن، يقف مالدور محدقاً بفانا)

فانا: (برقة) سمعت كلمة الجمال

مالدور: ماذا سمعت أيضاً؟

فانا: سمعت كلمة الجمال فقط

مالدور: السيد شريرٌ اليوم

فانا: شريرٌ أكثر من أي وقتٍ مضى؟

مالدور: أكثر

فانا: ماذا يفعل؟

مالدور: يرعبني بسخريته من الموت

فانا: ماذا قال عن الجمال

مالدور: فانا غادري قبل أن يأتي

(يمشي مالدور مسرعاً نحو المدخل الأيمن، يسحب الستائر و ينظر بحذر نحو الخارج ثم يعود مسرعاً إلى فانا)

مالدور: لديه سُمٌ يجعلك جميلة

فانا: أه!

مالدور: اذهبي

فانا: هل هو مرهقٌ من بشاعتي

مالدور: لا يفكر بك، بل يتوق لاستعباد سيده .. الموت

فانا: لكني سمعته يتحدث عن الجمال

مالدور: (يائساً) يريد ان يجعل منك قبراً مزهراً للجمال، لن أخبرك بالمزيد، اذهبي

فانا:لم تخبرني بكل هذا؟ رأيتك تبتسم على أشياء أقل رقة من القبور

مالدور: أنا أحبك

فانا: لمن السهل أن تحب شيئاً مغطى بخمار، لكن ربما تحبني لأن وجهي مسموماً بدماثة

مالدور: لا أعرف القبح، إن المزاج هو الذي هجرني، أناشدك بأن تغادري

(يسمع مالدور خطوات سوب فيجلس جامداً على وسادته)

فانا: (برقة) سأبقى

(يدخل سوب و ينحني لفانا)

سوب: أوه فانا ، يجب أن أجعل إقامتك ممتعة

فانا: حسناً سيدي

(تجلس خلف الشمعة بين سوب و مالدور)

سوب: (برقة) أنت قبيحة جداً فانا، تلبسين الخمار لأنك بشعة

فانا: سمعتك تتحث عن الجمال

سوب: جسدك كغيمة ممزقة، ووجهك كأنية فخارية تتكسر في الضوء، لست جميلة فانا

فانا: (بنعومة) لم تخبرني بكل هذا الحذر؟

سوب: لأجعلك تحلمين

فانا: الأحلام كالمرايا و لست مهتمة بالنظر إليها

سوب: لدي سمٌ يفتح قلبك للأحلام

فانا: الحلم الذي يجلبه السم يحتاج مدة طويلة

سوب: هذا السم يجلب حلمين، أولهما الجمال و الأخر الموت، هل تودين الاستماع لهما؟

فانا: الاستماع للأحلام يجنب الانسان وحشة النوم

سوب: (بلطافة) أنت قبيحة جداً يا فانا، و لدي سم يجعلك جميلة

فانا: لأن يكمن الجمال في الموت لهي ميزة رومانسية، ولكنها ضعيفة الصدى

سوب: حجتك ضعيفة جداً، لا أعدك بالحياة، ربما متعتك الوحيدة تتجلى في أن تُحيي طيفاً عاشقاً

فانا: وماذا أيضاً؟

سوب: من الممكن أن تصبحي جميلة لدرجة لا تقدرين على الموت، ومن المحتمل أن يغذي الموت جمالك، ويرهق نفسه في معانقة لطيفة أخيرة، بعدها ستستمرين بالحياة و الموت سيسحب نفسه من وراءك

فانا: لم تتحدث بكل هذا الحماس؟ اهتمامك بالطبع لا يكمن في تغييري خماراً بخماراً أخر

مالدور: (يقاطعها بلطافة) لا يا فانا، فسيدي يحلم باشياء رقيقة تدريجياً

سوب: مالدور، اجعل كلماتك بسيطة

مالدور: إن سيدي ضجر من التأثيرات العادية، فقد راقب العديد من الصراعات المسعورة و التي لم تعد تثيره، فهو تواق لشيء متقن و يحلم بعذابات سريعة الزوال، السم الذي سيعطيك إياه لا يؤلم و لكن الجمال الذي سيودعه فيك سوف يشحذ رغبتك بالحياة لحد الجنون، وربما يجلس سيدي و ينظر في عينيك مباشرة

سوب: هل انتهيت مالدور؟

مالدور: أجل

سوب: (بلطافة) أطلب مساعدة مختلفة فانا، كما ترين هناك من يساعدني بإخلاص و من يحبني ليس واضحاً تماماً، سأخبرك لم كل هذا الحماس، أتمنى لو أختبر الموت

فانا: ألديك السم؟

سوب: هنا

(يخرج من ردائه زجاجة صغيرة و يعطيها لها)

سوب: أخفيت القطرة في النبيذ

(تقف فانا و ترفع الخمار عن فمها، تشرب مبتسمة لمالدور الجالس والذي يحدق بجمود نحو سوب، يقف سوب ويتحرك لأخر الغرفة مراقباً فانا)

فانا: شربت

سوب: (برقة) اخلعي الخمار

(تخلع فانا الخمار)

سوب: أوه!

(يسحب جانباً أحد أطراف الستارة فتظهر مرﺁة طويلة وضيقة)

سوب: انظري

فانا: أوه!

سوب: (يحدق) أنت جميلة

فانا: (تهمس) أصبح أجمل

سوب: (تزداد دهشته بينما يتحدث) عيناك...

فانا: عيناي مشاعل متأرجحة بجنون

سوب: فمك...

فانا: فمي مثل باب أحمر صغير يؤدي للقصر

سوب: شعرك...

فانا: (لا تزال تحدق في المرﺁة) شعري كموكب ضبابي

سوب: جسدك...

فانا: نبيذ جسدي يبلل ملابسي

سوب: تزدادين جمالاً

فانا: (تصبح أكثر ابتهاجاً) الجمال يحيط بي كدرع مطوق بالورود

سوب: (يهمس) الموت يُجلد على درعك

فانا: (برقة) لا أقدر أن أموت

(تلتف و تنظر إليه)

سوب: (ينكمش للخلف) لا تنظري إلي

(تفتح فانا ذراعيها وتتجه نحوه و تتكلم بصوت غريب)

فانا: أي متعة ترى في عيني؟

سوب: (يلهث) السم ... خذيه بعيداً

فانا: (تغني) جمالي جمالي كسيل جارف ينشد

سوب: (يتحدث و هو يمسك حنجرته لاهثاً) الموت يترنح ... الموت يطوف بتهور

فانا: (تقترب منه وتتحدث بسخرية) أوه أيها المُسمِّم..

سوب: (بكرب) قلبي يتقطع .. (يترنح و يتكلم بصعوبة) أنا سيد الموت

(يخطو خطوة أخرى مترنحاً و يقذف بنفسه على الوسادة القرمزية التي كان يجلس عليها، ينحني مالدور نحوه و يلمس حنجرته بينما تضحك فانا بنعومة)

مالدور: لقد مات

(ينتصب مالدور و ينظر إليه جامداً، لا تزال فانا تحدق في المرﺁة، تلتف و تعبر الغرفة بابتسامة غامضة)


ســــــــــــــتــــار


















































































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

البلوكات التسع

08-تشرين الأول-2015

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow