Alef Logo
كشاف الوراقين
              

من هو علي بدر ؟....

صالح الرزوق

خاص ألف

2010-02-12

بدأت رحلة المتاعب مع الرواية لدى العراقي علي بدر عام 2000 ، و هذا يتقاطع مع جملة من الأحداث الهامة التي عصفت بالمنطقة ، و منها حرب الخليج الأولى و الثانية ( 1 ) ، كما أنها كانت في فترة الحضانة المشؤومة لغزو العراق من قبل قوات التحالف .

و لكن هذا وحده لا يكفي كي نربط العمود الفقري لمغامرته الروائية مع جو الإحباط العام و جو العبث ، ثم أخلاق و سلوك الرفض التي يضعها أمامنا، و أكاد أقول التي يتخصص بها ، ثم يحاصر نفسه بدهاليزها ، كبيوت الدعارة و المقاهي الباردة في الشتاء و المحترقة بأتون الشمس في الصيف و الملاهي الليلية التي يرتادها اللصوص و الضباط السابقون و رجال الأمن الصغار و المتشردون ، و هكذا دواليك...

و هناك في جميع رواياته عدة مشاهد إن لم تعبر عن العنف و عن الطبيعة المعادية لحب الحياة داخل وطنه العراق و خارجه في عدة محطات يحق لنا أن ندعوها باسم المنافي : كدمشق و بيروت و أديس أبابا و طنجة و غيرها ، فهي تعبير صرف و عن طريق المجاز المرسل عن القلق التاريخي المكبوت و الناجم من جنون الإرتياب على صعيد شريحة الكاتب ، أقصد الأنتلجنسيا الثورية المهزومة و المعرضة لمخاطر وجدان الانتظار ( أن تأتي و لا تأتي كما يقول بيكيت ، و من بعده رائد الحداثة في الشعر العربي : البياتي ).

هذا أولا. ثم الناجمة عن الطبيعة التاريخية للعراق و بلاد الرافدين عموما. فهي كما ذكر المفكر الكبير حسن العلوي ( 2 ) ، في عدة مناسبات ، كانت على استعداد منذ فجر التاريخ للدخول في دوائر الأزمات أو الفتن السياسية. كما أنها شهدت تناقضين دمويين في نهايات الدولة الإسلامية بين السلاجقة و الصفويين ثم في خريف القرن العشرين بين العرب العاربة و العرب الأغيار . و أعتقد أن هذه إشارة خفيفة و ديبلوماسية إلى صراع السنة و الشيعة، و إن كان يتملص من هذا المعنى الضمني بطبيعة الثغور و ضرورات التوسع للسيطرة على مكامن الثروات.

إن فن الرواية لدى علي بدر هو فن مأزوم منذ البداية ، و إن العقدة أو الحبكة بالمصطلح النقدي لم تكن تنطلق شرارتها من الصراع بين الأشخاص و لا من الانتقال في الحكاية من طبقة في الأحداث إلى طبقة غيرها، و لكن من التضاد بين الظاهر و المستور.

لقد كان علي بدر في مجمل أعماله يكافح تلك الأخطاء المغمورة و التي هي بالنسبة له التاريخ غير المكتوب أو نثر الحياة و العالم لو شئنا الاحتكام لمفردات فوكو.

ثم في المقام الثاني كان علي بدر يعوّل في دفع عجلة الرواية و في تحريكها على عنصرين أساسيين :

1 – انعكاس مشاهداته على مرآة أو ميزان شخصيته. و لهذا السبب يستخدم ، في معظم الأحيان ، تكنيك ضمير المتكلم ، فالكاتب هو بطل الرواية و الخيال لديه يتوازى مع الواقع.

2 - التناقض بين الإثم و البراءة. و أحيانا التناقض بين فطرة الطبيعة و شرور المجتمع . و هذا في الحقيقة هو محور أهم رواياته على الإطلاق ( صخب و نساء و كاتب مغمور ) ( 3 ).

لقد استطاع علي بدر و هو في وسط تجربته مع فن الرواية ( العصيب ) أن يضعنا مع أشخاص يحدوهم هم واحد : التمسك بالجنة. و نستطيع بقليل من الاستحياء أن نقول : البحث عن الفردوس المفقود.

و يتبقى في الختام أن أشير إلى الحلقتين اللتين توزعت عليهما مجمل كتاباته.

1 – الأولى و هي همومه الوجودية. و يتلخص موضوعها بالمأساة المحزنة للخسارات على صعيد الذات ، حيث الفقر و التخلف و الاستعمار. و على صعيد الموضوع و الحقبة حيث فجيعة كل الماركسيين بمركبهم ( و حسب لغة السياب بمعبدهم ) الغريق ، و ضرورات شد " حزام الإيديولوجيا " على الخصور قبل التفريط بآخر ذرة من الكرامة الشخصية و آخر حصن للمقاومة على خط النار.

و يمكن أن أضرب مثالا نموذجيا على ذلك بروايته ( الركض وراء الذئاب ) ( 4 ) و هي نص يتبنى أخلاق المرايا المتعاكسة و تكنيك الرحلة. و لكن كان بمقدورنا دائما و نحن نتابع رحلة الشخص رقم 1 و تنقله بين عواصم و حواضر هامة تمتد على ضفاف الأنهار الكبرى و على شواطئ المتوسط أن نلمح أطياف روائيين آخرين ينتمون للصف الأول من هذا الفن ، و لا سيما نيبول مؤلف ( نصف حياة ، و البذور العجيبة ) ( 5 ) ، و ما يوجد خلف ذلك من مفاهيم كمبدأ الثورة الدائمة و صورة الثوري العالمي . و أخيرا و لكن ليس آخرا العطالة الثورية و الفدائي المتقاعد. و يجب أن لا ننسى أيضا التنويه بالعلاقة غير المباشرة لهذا الخط من حيث التكنيك و المضمون مع نموذج ( ثائر محترف ) لمطاع صفدي ( 6 ) ، الرواية الملهمة التي حرضت أفراد الجيل الغاضب و الضائع ممن عاشوا خصيصا لتحمل أعباء النكبة و خيبات الحكومات العسكرية المتعثرة أو العميلة.

ثم يجب أن ننوه بالبعد الثالث لهذه الروايات و هي روح التهكم برطانة حزينة و هجائية لا تخلو منها ، إجمالا ، النصوص المتألمة و التي هدفها البحث عن مصادر الانحراف و الشذوذ و السقوط و السخرية و هلم جرا.

هل بوسعنا أن نقترح العنوان العريض التالي لنصوص علي بدر : هجاء و رثاء الزمن الضيق.

ربما..

2 – الثانية ، و هي وجدانه الشعبي و الفولكلوري. و بهذا الخصوص كان يمحض أقصى اهتمامه لجميع مكونات الشعب العراقي من أصول و طوائف و مذاهب و إلى درجة الاستغراق حتى الوهم و التلفيق لمفاهيم روحية غير موجودة.

لقد كانت محبة علي بدر للمكان تهيب به لاختلاق أساطير و عقدة ملحمية مكوناتها من الخيال و من وراء التاريخ. و بلغ ذلك في روايته ( الطريق إلى تل المطران ) ( 7 ) حتى درجة العشق الصوفي. و هنا يقترح الموضوع و الإطار العام علينا دلالات لها مرتبة الوحي ، بصفة أنه ملقن للظروف و الأحوال ثم حامل للرسالة و المعنى. و في النهاية بصفة أنه وسيط يتحلى بقيمة إبلاغ ، و للتوضيح أقول قيمة تبليغ.

و أعتقد أن هذه الوجبة الدسمة من العشق أو الغرام قادته إلى تفاصيل ( تدخل في باب لزوم ما لا يلزم ) ، و في نفس الوقت إلى تفكيك فن الرواية نفسه. لقد تطور النص في هذا النموذج بين قوسين متعاكسين : وجدانيات أرستقراطية باردة تذكر بتراث جين أوستين صاحبة الخطوة البطيئة و الثقيلة و المصابة بشحوب في الألوان و المعايير. ثم ميتا نص مسهب و مسرف يذكر بأمبرتو إيكو و بفذلكاته التاريخية و بفائض القيمة لحداثة تداهم الواقع و تصنفه في عداد الأوهام و ليس الثوابت.

على أية حال إن علي بدر هو الإبن الشرعي لمشاكل وطنه العراق ، بحدوده السياسية بعد الاستقلال ، و لمشاكل فن الرواية بعد أن دخلت في مرحلة الانفجار و التضخم و تحولت من تسلية و ترفيه لطبقة بورجوازية ناشئة إلى خطاب فني يهتم بجميع الطبقات و كل المراحل.


هوامش :


1 – يجب اغتنام الفرصة للإشادة بتجارب جريئة تطرقت لمسألة حرب الخليج الأولى ، و منها رواية موسى السيد ( أيام من أعوام الانتظار ) الصادرة بسوريا ، و التي رسمت بمهارة فنية عالية توريط عائلة كردية بحرب تجري تحت شعارات العروبة و البعث. ثم رواية كليزار أنور ( عجلة النار ) التي تتحدث عن نفس المأساة من خلال ضياع ضابط في الأهواز و انعكاس ذلك على حياته و على ظروف عائلته.

2 – من لقاء مع حسن العلوي في برنامج ( حوار خاص ). قناة الحرة الفضائية. يوم الجمعة 6 / 2 / 2010 .

3 – المؤسسة العربية للدراسات و النشر . بيروت . 2005 .

4 – المؤسسة العربية للدراسات و النشر. بيروت. 2007 .

5 – V S Naipaul Half Life : و Magic Seeds .

6 – منشورات دار الطليعة. بيروت . 1961 .

7 – دار رياض الريس . بيروت. 2005 .


شباط 2010

×××××






نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.

في المستقبل سنعلن عن أسماء جميع المواقع التي تنقل عنا دون ذكر المصدر

ألف








































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow