Alef Logo
ابداعات
              

قصة / سـيـناريـوالحب والخديعة

سحبان السواح

2010-02-03

هي .. / تلوب حوله .. تتمنى لو أنها تصل إليه .. إلى ما يفكر فيه خلال شروده المستمر .. دائما كانت تلك حالتها .. منذ أقعدته الحادثة ، فصار جثة دافئة أحيانا باردة أحيانا أخرى ،

هو .. / يجلس على كرسيه المتحرك . وقد قرر أن يصوم عن الكلام . ينظر إليها تلوب حوله .. تلحس شفتيها الجافتين .. وتنظر إليه بيأس وحب بالغ ..

هي .. / تراقبه بحرص.. عيناها عليه دائما .. حتى عندما لا تكون معه في الغرفة .. تحول أذنيها إلى عينين فتسمع بهما كل حركة أو نأمة تصدر عنه .

هو .. / شيخ هرم .. في الخامسة والثلاثين .. وحيدا يجلس على كرسيه المتحرك .. ينفث دخان السجائر .. المطر يتساقط في الخارج كثيفا .

هي .. / شابة في الثلاثين من عمرها .. تجلب صينية عليها فنجاني قهوة .. تضع على الطاولة أمامه فنجانا ثم تجلس وتتناول فنجانها .. لماذا يصر على عدم النظر في وجهها .. لماذا هذا القدر من الكراهية .. أما آن الأوان ليغفر لها زلتها . مع أنها لم تتوقف عن حبه يوما من الأيام ، كم كان يؤلمها ، كم كان يجرح شعورها عبر حياتهما الطويلة الممتدة على مدى عشرة أعوام . لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أنه يحبها .. وكل ما يفعله إنما هو نابع من طبيعته سريعة الغضب .. فكانت تسامحه دائما وكان يعتذر دائما . يتعانقان بحب جارف وليلا يمارسان الحب . دائما كانت ممارسة الحب بعد الخلاف أكثر متعة .. وأشد إثارة .

هو.. / يتناول فنجان قهوته بيديه المرتجفتين .. يحاول جاهدا أن لا يصل الارتجاف إلى حد أن يسكب القهوة من الفنجان فيلوث الصحن الذي يحمله .. يراقبها بعينيه خفية .. يلعبان معا لعبة القط والفأر .. فهو بحاسة نماها يوما بعد يوم .. وساعة بعد ساعة .. يعرف أنها لا تنظر إليه .. فيقرب الفنجان من فمه بكلتي يديه .

هي .. / تراقبه بأذنيها.. تسمع صوت الفنجان يصطدم بالصحن.. تتيقن أن القهوة انسكبت على الصحن ..

هو .. / يعيد الفنجان إلى الطاولة ..

هي .. / كم يعذبها هذا الإدمان على الصمت . وكم يعذبها الشعور بأنها غير قادرة على أن تفعل له شيئا .. حاولت مرارا .. ولكنه كان يزداد تشبثا بجنونه .. وصمته .. وعزلته القاتلة . تتمنى لو أنه يعاود فيحمل فنجان القهوة ..

هو .. / ينظر نحو الفنجان .. يشتهي رشفة منه .. لكنه لا يريد أن يشرب منه ليشعرها بخطئها .. ويزيد من ندمها

يعاودان لعبة القط والفأر .. يختلسان النظر كل إلى صاحبه .. كلاهما يعرف أن الآخر يراقبه ..

هو .. / يبتسم خفية .. لا بد أنها تتعذب الآن ..

هي .. / يشتد شعورها بالحزن وتأنيب الضمير .. تتابع العمل بعصبية بصنارتي الصوف.. فيما يتابع هو مراقبتها .

هو .. / يشعر بحب جارف نحوها .. ويتمنى لو أنه يضمها بيديه .. فيغمض عينيه ويرجع مستندا بظهره مسترخيا على كرسيه .. يتذكركها عارية ممدة إلى جانبه في واحد من البيوت الكثيرة التي استقبلت حبهما ولهفتهما وشبقهما وعرقهما .. أم هو عرقه الذي كان يبللها فيختلط الأمر عليهما .. لا يهم الآن .. يغمض عينيه بشدة محاولا الاحتفاظ بصورتها .. ولكنها تتلاشى .. تتلاشى وكأنها لم تكن حبيبته في يوم ما .. كأنها لم تكن زوجته لعشر سنوات خلت تتلاشى وكأنها لم تكن موجودة أصلا .

هي .. / تنظر نحوه .. تنهمر الدموع من عينيها صامتة .. تحرق خديها .. فتلحس ملوحتها من أطراف شفتيها .

هو .. / يحدث نفسه

ماذا فعلت أيها المجنون لتستحق كل ذلك ؟ ماذا جنيت .. ؟ لا جواب لديه .

يغمض عينيه مرة أخرى .. ويحاول استعادة أجمل لحظاتهما حلاوة ونداوة .. وكم هي كثيرة .. فيكتشف البياض .. لا شيء سوى البياض واللا شيء .. لكنه يعلم أنها مازالت في قلبه فما الذي حصل .. ؟

هي .. / ترقبه بصمت

هـو .. / يخاطبها بصمت : أستحضرك بقوة ما بين جفني المغمضين .. أستحضر جسدك بين يدي ، عاريا .. أسمر بفعل الشمس .. أفرح بالجسد ممددا .. جميلا.. فأمد يدي ألامس النهدين وأنزل بطيئا باتجاه السرة .. ثم .. بطيئا أكثر باتجاه .. .. لاشيء يحدث .. تحملقين بي .. كأن الأمر لا يعنيك .. باردة برودة امرأة لم تعرف رجلا من قبل .. فأستمر بلهفة .. اقبل أصابع قدمك .. مشط قدمك .. أتحسس الجسد كله أصعد ضاما بيدي ساقيك .. مقبلا جسدك مساما .. مساما .. لكنك لا تتحركين..أنت بعيدة عني .. بعيدة ..أفتح عيني فتهربين وكأنني كنت أسجنك فيهما .. وأعرف .. لقد انتهى الأمر وعلي القبول بذلك ..

هي .. / تنظر إليه .. تتأمله .. تتساءل :

كيف استطعت .. كيف استطعت أن تكون قاسيا بهذا الشكل .. كيف استطعت أن تكشط حبي من قلبك بهذا الشكل الفظ .. ؟ كيف استطعت أن تزيليني من وجودك الجميل .. ؟ يا حبيبي .. أنسيت ملمس نهديّ .. وطعم شفتيّ . وملوحة جسدي على لسانك الذي تذوق كل مسام فيه..

هو .. / يحلم ..

بيديه تتجاوز كل الممنوعات ,,

ويسمع

صوتها يتنهد في أذنه .. أن أيضا .. وأيضا .. وأيضا ..

ولكن ولمعرفته بأن كل ذلك سراب .. أختلقه من أحلام قديمة .. لم يعد لها وجود حقيقي .. يعاوده الحزن .. ويشعر بالهرم مرة أخرى .. ويشعر كم أن فقدانها أمر مر ...... وصعب

هو .. / ما يزال مغمضا عينيه .. شعور الحب يتنامى فيبتسم راضيا ودموع حارة تنهمر بصمت على زوايا العينين .. ورجفة ألم سريعة تمر بالشفتين فيلعقهما ليمنع عنهما الجفاف ويستعيد ذكرى ذلك اليوم ..

هي .. / تتابع عملها بصنارتي الصوف بعصبية .. إنه يستعيد الذكرى .. مادام قد أغمض عينيه فهو يستعيد الذكرى .. يا رب ماذا أفعل كي أجعله ينسى

هـو .. / يخاطبها يصمت

رغم كل شيء أحبك .. ولكني غير قادر على أن أسامحك ..

هي .. / تخاطبه بصمت أيضا ..

ألم يكفك كل ما قدمته لك من اعتذارات .. ماذا تريد مني لكي تصفح .. ترمي صنارتي الصوف في حضنها .. تمرر يديها على رقبتها .. شعور بالأسى ممزوج بالمتعة يجتاحها ..

هـو .. / يخاطبها بصمت .. أحبك ولكن هل تقبلين حب رجل جفت عروقه .. وجف قلبه .. فما عاد قادرا سوى على التذكر .. والتذكر .. والتذكر .. كم أتمنى الآن أن أضع رأسي على صدرك وأريحه من عذاب الذكريات .. كما كنت أفعل دائما

هي .. / تخاطبه بصمت
أحبك يا مجنون .. وكل ما جرى لا يتعدى نزوة فتاة طائشة في الخامسة والعشرين

هو .. / يفكر ..

بدأ الأمر معه .. كم تمنيت لو لم أعرفك إليه .. لو لم ينظر إليك قط .. كنا في أوج حبنا .. بل في أوج حياتنا كلها . حين ظهر ليدمر كل شيء

هي .. / تخاطبه متحدية وناظرة نحوه مشعرة إياه بأنها تحدق به ..

هـو .. / يزيد إطباق عينيه وقد شعر بعينيها تتحداه ..

هي .. / تصرخ دون صوت .

أنت السبب .. لو لم تعرفني إليه لما انسقت وراء تلك النزوة المجنونة .. لقد أسرني بعينيه منذ اللحظة الأولى وزاد حديثه المنمق اللطيف من إعجابي به .. وكنت وقتها تسيء إلي كل يوم .. تغضبني .. وتتجاهلني .. ولا تشعرني بأنوثتي ، هو أشعرني بذلك .. بأنوثتي .. منذ مد يده ليصافحني .. نظر إلي بعينيه الخضراوتين شعرت بأنني صرت أسيرته .

هو .. / ما يزال يطبق عينيه بقوة .. ويفكر

كنا جميعا في منزل صديقنا شادي .. وكنا متلهفين لمعرفة المفاجأة التي قال أنه حضرها لنا .. بعد لحظات قرع الباب فأسرع شادي يفتح .. أطل سلمان بقامته المديدة وعينيه الخضراوتين . فرحت به وأسرعت إليه أحتضنه . وبعد أن أنهى جميع الموجودين الترحيب به سقته نحو ريما .. فرحا قدمته لها ..

ريما .. هادا سلمان أعز صديق عندي ..

هي .. / تفكر .. أين وصلت الآن .. أين وصلت باستعادة القصة المهزلة .. ترى مازلت في البداية .. لحظة دخول سلمان .. واهتمام الجميع به . كنا قد بدأنا بتناول البيرة الباردة وكنت أحمل كأسا مترعة مثلجة بيدي .. وكانت الكأس الثالثة .. بدا لي سلمان رجلا قادما من كوكب آخر .. طوله الفارع ..عيناه الخضراوتان .. سمرته الداكنة .. وملامحه الآسيوية .. كان يحيي زملاءه .. وعيناه تبحثان في أرجاء الغرفة .. تستعرض جميع النساء الموجودات .. كنت أرقبه وأتابع حركاته .. كان واضحا أن اهتمامه بالتجوال في وجوه النساء الموجودات أكبر من اهتمامه بأصدقائه الذين توافدوا للترحيب به .. وتتوقف عيناه عندي ، تتوقف ولا تغادر . صار يحيي رفاقه بآلية .. يتمتم بكلمات يرد بها على كلمات الترحيب به .. وعيناه تحدقان بي .. كان بارعا في إخفاء نظراته عن الآخرين .. أنا وهو فقط كنا مشتركين في المؤامرة ..هو يحدق بي بإعجاب .. وأنا أنظر إليه مندهشة مستلبة وفجأة أصبح أمامي .. ربما شردت عن مراقبته للحظات .. وسمعت صوته :

هادا سلمان أعز صديق عندي .. بس ترا ديري بالك .. هوه كمان أكبر زير نساء بالعالم .

يجيبه سلمان : المشكلة أنكن مابتعرفو ليش الواحد بيصير زير نساء

ينظر إلي بشفافية .. وعيناه تخبراني بمدى إعجابه بي .. وبتابع

زير النساء يا عزيزي .. هوه اللي ما بيقدر يلاقي بنت كامله تخليه يبطل يكون زير نساء .. أنا لو لقيت متل مرتك .. كنت صرت عابد بمحرابا .. لاقيلي متلا .. وشوف

شعرت بالفخر .. شعرت بالزهو .. ولكنني مثلت دور الزاهدة بمثل هذا الكلام قلت :

لأ أستاذ سلمان ,, هيك زودتا .. بشو أنا بختلف عن غيري

بلهجة فيها الكثير من المعاني :

أنتي بتعرفي تماما .. أكتر من غيرك بكتير .. ومافي داعي للتواضع

هو .. / مازال مغمضا عينيه .. مشاعر الغيرة تبدو على وجهه تتناوب مع مشاعر الألم والحقد .

هي .. / تضبط نفسها متلبسة مرة أخرى بمتعة مغازلة سلمان لها .. فتحدق به مستنجدة .. ولكنه لا يزال يغمض عينيه .. مبتعدا عنها . تتساءل .. ترى هل مازال يحمل لي جزءا من الحب .. سأكتفي بجزء يسير منه .. سأكتفي بضمة .. بعناق قصير .. بنظرة تبوح بمكنون صدره .

هو .. / يتابع ما جرى .. تمر به الحكاية كشريط سينمائي ..

قالت له بغنج .. إي بغنج .. هي ما ممكن أنساها .. يا الهي كم أحست لحظتها بالغرور .. وكم بدت مغناجة وهي تجيبه

لأ أستاذ سلمان ,, هيك زودتا .. بشو أنا بختلف عن غيري ..

لحظتها أحسست بخنجر يغرز في صدري ..

هي .. / لا أنكر أنني أصبت لحظتها بالغرور .. ولا أنكر أنه قد استلبني.. لذلك كنت شديدة الحماس عندما دعاه إلى سهرة في بيتنا . ورغم أنه لم يباحثني يومها بالأمر إلا أنني لاحظت تغييرا في سلوكه .. وجمودا في عينيه .. لم أكن أتوقع أن يكون قد شعر بإعجابي بسلمان .. وشغلني تفكيري بما أحضره من طعام للسهرة القادمة عن التفكير بمشاعره .. كان يراقب حماسي بذهول .. ودون أن يتكلم

هو .. / كانت سهرة صاخبة شربنا .. رقصنا .. غنينا تناقشنا بالسياسة .. وكانت هي لا تفارقه .. رقصا معا تهامسا .. رقصا التانجو متلاصقين ..

هي .. / في المساء انفجر كل شيء .. تناقشنا .. احتد .. صرخت في وجهه .. قال عني فاجرة .. قلت له أنه أهملني لفترة طويلة ..

وأخيرا .. طلبت الطلاق ..

هو .. / لحظتها .. لم أعد أرى شيئا .. لم أعد أسمع شيئا .. غادرت البيت ..

هي .. / بعدها بأيام عاد إلى البيت مشلولا .. وكانت قد صدمته سيارة .

هو .. / عندما صحوت .. دخلت عليّ الغرفة .. نظرت إليها وصرخت :

أنت طالق ..

صرخت أن لا .. ولكنني لحظتها .. ولحظتها فقط قررت الامتناع عن الكلام .. فصمت ولم أنبس ببنت شفة إلى الآن ..

هي .. / عندما صرخ .. عندما نطق تلك الكلمة .. أنت طالق .. أحسست بالأرض تميد بي .. رجوته .. قبلت يديه .. سألته الصفح إلا أنه ما عاد قادرا على الكلام ..

هو .. / طلبت أن أغفر لها .. أن أتراجع عن قراري ولو بالإشارة ولكنني تابعت صمتي .. أردت أن أقهرها بالصمت .

هي .. / تنظر إليه وقد فتح عينيه ..

هو .. / ينظر إليها بصمت .. ثم ينظر إلى فنجان القهوة على الطاولة أمامه ..

هي .. / تنفجر بالبكاء .. تقف وترتمي بحضنه .. تعانقه .. تنشق ما سال من أنفها

تصرخ .. عانقني ,. أرجوك سامحني وعانقني ..

هو .. / يمد يديه محاولا عناقها .. ولكنه يتراجع و يشيح بوجهه بعيدا عنها .. ويغرق بصمت جديد .


×××××


نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.

في المستقبل سنعلن عن أسماء جميع المواقع التي تنقل عنا دون ذكر المصدر

ألف
















































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

سحبان السواح

كثيراً ما فكَّرْتُ في موضوعِ الصَّلاةِ، وقصَّةِ مُحَمَّدَ معَ ربِّهِ وموسى، وطلبِهِ تخفيفَ الصَّلواتِ الَّتي فرضَها اللهُ على المسلمينَ في المرَّةِ الأولَى؛ وكانَتْ خمسينَ صلاةً، فلو قَبِلَ النَّبِيُّ بهذا العددِ...
المزيد من هذا الكاتب

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

يوميات سوري عادي

11-آذار-2017

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

وريث الخيانة

22-كانون الأول-2016

من صنع داعش، وما هي مهمتها

12-كانون الأول-2016

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow