Alef Logo
ضفـاف
              

لا يشبه الشعر لأنه الشعر

وائل السواح

خاص ألف

2009-12-13


أنا رياض الصالح الحسين

عمري اثنتان وعشرون برتقالة قاحلة

ومئات المجازر والانقلابات

وللمرة الألف يداي مبادتان كشجرتي فرح في صحراء.

أنا وائل السواح

عمري أربع وخمسون قرنفلة اصطناعية

وملايين المقابر والحكايات الحزينة والجرائد الرسمية

وللمرة الألف يداي منبسطتان للريح

كقلمي رصاص مكسورين

أو حطبتين تنتظران إلقاءهما في مدفأة شتوية

****


خطر لي عندما طلب من الصديق شادي العمر أن أقول قولا في رياض الصالح الحسين أنه كان من الممكن أن يطلب هذا الطلب من رياض ليقول قولا في لو أننا تبادلنا الأدوار. ولكن الفرق كان سيكون كبيرا: فبينما لا أمتلك لغة رياض الواضحة والجارحة ولا موهبته ولا قامته في الشعر والحكاية، فإنه يتمتع بذلك كله، ويزيد عليه هذا الشلال المتدفق من العطف والعاطفة والحب والصدق الذي لم أره في شخص آخر، بنفس الكم وبنفس النوع.

حكايتي مع رياض حكاية فاتنة لجيل جميل، جيل انبثق في سبعينات القرن الفائت كما تنبثق سوسنة في جرد، جيل لم ينبت كسنبلة ولكن انطلق كرصاصة، ولكنه، أيضا، انطفأ كرصاصة.

حكاية رياض لا تنفصل عن حكاية خمسة فرسان، شكلوا معا ظاهرة صغيرة ومتواضعة في سبعينات القرن الماضي ولكنها مع ذلك ذات دلالة: جميل حتمل، حسان عزت، بشير البكر، رياض الصالح الحسين، وأنا. من هؤلاء الفرسان الخمسة، مات اثنان وهاجر اثنان: مات جميل حتمل في مغتربه القسري بباريس، وما رياض الصالح الحسين في مغتربه الطوعي بدمشق، وهاجر حسان وبشير، كل لأسبابه. وبقيت وحدي، كمقهى صيفي ليلة رأس السنة، كورقة صفراء سقطت عن شجرة ولم تستطع أن تصبح سمادا لها.

في ذات مساء ربيعي فاتن من مساءات 1977، اقتحم رياض عالمي، ولم يغادره حتى اللحظة. ليس سهلا أن يسكنك شاعر ضليل، فيه من القلق ما يسحق مائة فرس برية، ومن الحب ما يغرق مائة امرأة، ومن الكرامة ما يجعلك تشعر بالضآلة والخجل. أحضره بشير البكر، شاعر ضليل آخر وفاسق جميل ظل يتسكع في شوارع بيروت وباريس وبيروت من جديد، وقال لنا هو ذا شاعر. وكان الأجدر به أن يقول هي ذي قصيدة، هي ذي قذيفة. كنا في منزل حسان عزت، نحضّر عددا جديدا من الكراس.

ومفيد هنا أن أفتح قوسين لأتحدث عن الكراس. كنا حسان وجميل وبشير وفادية لاذقاني وأنا نصدر كراسة أدبية شهرية، للكتابة غير الرسمية. قلنا: نريدها كتابة خارج النص وخارج القوانين وخارج الصحافة الرسمية. وكنا نطبعها على الآلة الكاتبة، ثم نصورها على الورق الحساس (جستتنر) ثم نطبعها، ونجمع الأوراق سوية ونخرزها، وننطلق إلى الجامعة ومقاهي الأدباء والشوارع لنبيعها بليرة سورية واحدة. كتب معنا ممدوح عدوان وعلي الجندي وفرج بيرقدار ومحمود شاهين وخالد درويش، ورسم معنا يوسف عبدلكي وسعد يكن وألفريد حتمل، وقرأنا كل من كان مهتما، وقلبه علينا، خوفا من زنزانة طائشة قد تصيبنا. وقد اصابت رياض بالفعل، حيث اعتقل لبضعة أسابيع، وحقق معه في شكل الكراس ومحتواه.

في هذا الكراس نشر رياض الصالح الحسين أول قصيدة له: خراب الدورة الدموية: وقد اثارت لحظة ظهورها لغطا حادا، وانقسم الناس انقساما حادا بين مرحب بالقصيدة ورافض لها. فأما المعارضون فقالوا هذا مهرطق، يصفّ كلماتٍ جنب كلمات ليكتب شيئا أشبه بالكفر، وأما المؤيدون فقد اندهشوا بحرارتها وبساطتها ومقدرتها الهائلة على الوضوح المستحيل:


استقلي باص جسده

أو انتظريه في المحطة التالية

فهو الآن متهم لأنه قتيل

و متهم بتخريب الدورة الدموية:

القبلة الأولى رصاصة

الطلقة الأخيرة حب.

لا يشبه هذا الكلام الشعر، لسبب بسيط لأنه هو الشعر، ولا يمكن للشيء أن يشبه ذاته، ولا يمكن للشعر أن يبدو "كأنه" شعر. وهو بالتأكيد لا يشبه شعرا آخر. فعلى عظمة شعراء كبار سبقوا رياض في شكل قريب من القصيدة، كمحمد الماغوط وإسماعيل عامود وحامد بدرخان ونزيه أبو عفش، إلا أن قصيدة رياض تظل مختلفة، تصدمك أكثر لأنها أبسط، وتستهلك مشاعرك أكثر لأنها أصدق، وتكرهها لأنها لا تشبه الشعر، ثم تعشقها لأنها هي الشعر.

كان رياض أصمَّ ولكنه لم يكن أبكم. لا أعني أنه كان يتحدث بطلاقة كسياسي كذاب، في سجال سياسي في فضائية آثمة حول موضوعة لا يقتنع بها هو نفسه، ولكنه لم يكن أبكم. لا أقصد أنه كان يحاضر بشطارة مثقف يفهم - مثل معظم المثقفين - في كل شيء: في الاقتصاد والذرة والسياسة والأدب والدين وفي الفرق بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي. لا، ولكنه لم يكن أبكم. لا أعني أنه كان يغني كهيفاء وهبي أوعلي الديك، ولكنه لم يكن أبكم. فقد كان يقرأ شعره وشعر نزيه أبو عفش وبدر شاكر السياب، عندما نكون معا أو في أمسيات شعرية، وكان يغني أحيانا، يردد أغنيات لفيروز، وكان يحب أن يردد غالبا أغنية "بكتب اسمك يا حبيبي عل الحور العتيق، بتكتب اسمي يا حبيبي عا رمل الطريق" لفيروز، ويسأل: "من يعرف عماذا تسأل فيروز في سؤالها: "مازالك بتحبني، ليش دخلك ليش؟" ليش شو؟ كان يسأل، وأجزم أنه رحل عنا دون أن يعرف الإجابة.

*************

وكان عاشقا كبيرا. لم أر في حياتي من هو أكثر منه عشقا للنساء، ولكن في نفس الوقت احتراما وتقديرا لهن. والمرأة المثلى بالنسبة له هي المرأة "الواسعة"، المرأة "من صفصاف وأعشاب نارية"، المرأة "التي ترتدي العاصفة والوحوش"، المرأة "الزرقاء"، والمرأة "الوسيمة" ربما، ولكنه لم يصف المرأة ولا مرة واحدة بالجميلة الفاتنة، لم يصف بإفراط عيني امرأة أو فمها أو نهديها. ولكنه تحدث عن العينين والفم والنهد. تحدث عن النهد: "نهدها غزالة،" وعن الفم الذي "سرق منه وردة،" وعن العينين "التين يرعى فيهما عاشق شجرا ومعتقلات،" عن الشعر الذي "يركض فيه حصان هائج"، ولكنه عندما أراد وصف المرأة التي يحب، قال إنها:

حادة كالشفرة

صلبة كحربة فولاذية تخترق القلب

واسعة كالمحيط

جميلة كالفرح

مضيئة كالضحكة حبيبتي الممتلئة بالأعياد

شهية كرغيف الخبز

طيبة كبرتقالة

المرأة بالنسبة له شريك وصديق وحبيب يقاسمه همومه الصغيرة والكبيرة ورغيف الخبز والحزن والحلم والجنون.

جاءنا مرة وكنا في مقهى الإيتوال (المقهى الجميل الذي كان يستضيف علي خلقي ومظفر النواب وعلي الجندي وممدوح عدوان وزكريا تامر ومصطفى البدوي ونزيه أبو عفش ودعد حداد وليلى نصير ... ثم تحول الآن إلى معرض للدراجات الآلية وصبايا الجمال المستعار) جاءنا مرة وقال: أنا عاشق. وحكى لنا كيف أمضى بعد ظهر يوم الأمس مع حبيبته يرعيان الحشيش في الطبيعة كالخواريف. (هذه استعارته وليست استعارتي.) كان وجهه ينقط بشرا.

كان اسمها سمر: ولا أحسب أنه أحب غيرها. وكثيرا ما رمز لها في شعره بـ "الآنسة س".

حينما كنت صغيرا كغرسة الحمص

وأليفا كالهرة

سألتني سيارة هرمة

بعد أن لطخت وجهي بالطين:

بماذا ستغتسل في المستقبل؟

آنئذ دخلت الآنسة س

فتحت لها الباب وهي خائفة

جلست على السرير بانفعال

نظرت إلى زوايا غرفتي كلصة وتنهدت:

علينا أن نأكل كثيرا يا صديقي ونموت

فما عاد في الأرض متسع لنا

قرأت لها قصيدة فبكت

وحدثتني عن الأقفاص النظيفة

حبة برتقال واحدة وسبعة عشر ألف متسول:

ماذا يعني؟


سمر كانت عالمه الصغير.. لم تكن عشيقته: كانت سرَّه وكذبته وقصيدته التي لم يكتبها قط. لم تكن امرأته: كانت دفقة الحياة التي يستمد منها عيشه يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة. كانت قضيته وصلاته وموته وبعثه وانتشاره.

من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي

كان جسد من أحبها معجونا بالجراثيم

والقنابل الموقوتة

وكان قميص من أحبها مبللا بالزهور

وأناشيد الرعاة

من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي

كانت يداها تضيقان.. تضيقان

حتى تصبحا بحجم جثة

وعيناها تتسعان.. تتسعان

حتى تصبحا بحجم قبلة

**********

لم تشغله السياسة. وبينما استهلكتنا نحن، خاصة جميل حتمل وأنا، تضاريس السياسة وجبالها، لم تكن تعني بالنسبة لرياض شيئا. أعني بالطبع السياسة بتفاصيلها ودهاليزها وخلافات السياسيين حول أي الأحزاب أفضلها، وصراعات الأحزاب مع بعضها، وصراعها مع السلطة، وتنافسها على كسب المناصرين الجدد. كل ذلك لم يعن لرياض شيئا. ولكنه كان أشدنا اهتماما بمصير الإنسان، وكرها للاستبداد، وتوقا إلى الانعتاق والتحرر والعدالة والمساواة. لم تستهلكه السياسة الضيقة، الملتوية، المحرتقة، الوسخة أحيانا. ولكنه انشغل بالأسئلة الكبيرة عن الظلم والعدل والمحبة والاستلاب.

بعد قليل ستتقدم البذلة الأنيقة

التي تحتوي رجلا لامعا

لتقدم الهدية

إلى وحش رؤوسه بعدد القارات والمدن والقرى،

وحش لا يملك أوصاف دراكيولا

فأنيابه مهذبة للغاية

ولديه امرأة جميلة ولطيفة

تأكل قلوب الأطفال ببراعة لا عب شطرنج ماهر

وأما هو فيحب الويسكي المثلج

وقزقزة الحبال الصوتية للبلابل

وأيضا:

إنه عصرنا النيوتروني

عصر المساطر والمراثي والدبابات

إنه عصرنا النيوتروني

عصر الشجر النووي والعصافير النازية والإذاعات

وعصر المواعيد الفتية:

مع المدافن نهار السبت،

مع الحزن نهار الأحد،

مع الخنازير نهار الاثنين،

مع الجنون نهار الثلاثاء،

مع الرشاشات نهار الأربعاء،

ومع الموت الوسيم.

-----

ويحلم بيوم

لا يكون فيه السندويتش بثمن

والقبلة بثمن

والقبر بثمن

******

وبينما لم تشغله السياسة، فإن شاغلا آخر كان يحتل كيانه: الموت. لم أعرف شاعرا حكى عن الموت في هذه السن المبكرة مثل رياض. فبينما كنا نتحدث عن الثورة والتغيير وحكم البروليتاريا، كان رياض يتحدث عن الموت، وبينما كنا نتشاجر حول طبيعة الثورة: هل هي ديمقراطية أم اشتراكية، وعن الفرق بين الديمقراطية البورجازية والديموقراطية الثورية، كان رياض يتحدث عن القبور:

كانت تقول لي

وأصابعها تتحرك كقطيع من الوعول في شعري:

ألديك غرفة بطول قامتي؟

وهل نافذتها مفتوحة على الشارع أم المقبرة؟

هو نوع من الالتباس ما بين الحب والموت، ليس فيه أثر للخوف أو الرهبة.

زارني الموت

ولم يكن على الرف قهوة

ولأن الموت يحب القهوة مثل جميع الناس

فلقد قلب شفتيه وصفق الباب وراءه

ومضى في قطار العتمة.

كما يغدو الموت عادة يومية أو حدثا مألوفا، بل إنه يغدو أيضا فعلا تبادليا مع الحياة

ها أنذا أقضم أظافري وأفكر بحزن

فليلة السبت لن أستطيع أن أنسل إلى بيت

حبيبتي لألعب مها الورق

ولذا قررت أن أموت لمرة واحدة

بدلا من الموت سبع مرات في الأسبوع

وبما أنني لا أملك تابوتا ولا قبرا ولا كفنا

فلقد قررت أن أحيا بعدد الموتى

لست من أنصار من يقول بالنبوءات، وليس رياض نبيا. إنه شاعر والشاعر الحقيقي هو والمعرفة صنوان، فرياض إذن ما كان يتنبأ ولكنه كان يعرف.

*******

عندما جاءني خبر موته، كنت أنا نفسي في مكان يشبه الموت. وصلتني صفحة مقطوعة من جريدة يومية، كان فيها أخبار عن القطاع العام والحركة التصحيحية وفلسطين والإمبريالية والمنجزات الاشتراكية. وفي إحدى زواياها نعي للرجل الذي كان يضج بالحياة أكثر من الحياة، ويعيش في الموت أكثر من الموت، ويكتب شعرا لا يشبه الشعر لأنه هو الشعر. لا أذكر إن كنت قد بكيت وقتها، أم أنني خجلت بسبب وجودي مع أربعين رجلا آخر في مستطيل مساحته عشرون مترا، نتأمل أيدينا ونسقط في الفضيلة الآثنة والإثم الفاضل.

مات رياض

ومات جميل

ورحل بشير

ورحل حسان

وبقيت وحدي

مثل السيف فردا

*********

عندما شرفني الصديق شادي أبو كروم بالطلب إلي أن أحكي في هذا المساء، سألت نفسي: ماذا لو أن رياض لم يمت؟ ترى، أكان فسد كما فسدنا جميعا؟ أكانت ثقافة الاستهلاك حولته من شاعر إلى كاتب تحقيقات أو مقالات رأي في صحيفة يومية؟ أكان بحث كما نبحث جميعا عن سيارة جديدة وموبايل جديد وامرأة جديدة ووظيفة جديدة؟ أم ترى لجأ كما لجأ الكثير منا إلأى مسجد وشيخ يرشده إلأى وهم عتيق؟ أم تراه كان صار مناضلا في لجنة لحقوق الإنسان أو مركز للأبحاث أو جمعية لدعم المرأة؟

ليس لدي جواب: ومشكلتي أنه لم يكن لدي طوال حياتي أبدا أجوبة. هي دائما أسئلة .. أسئلة... أسئلة..

لا أذكر إذا بكيت يومها، ولكنني أذكر أنني جلست مع نفسي أسترجع تركيب قصيدته التي أحبها أكثر من غيرها. استرجعها شطرا شطرا، وكلمة كلمة:

العدالة هي أن أركض مع حبيبتي

في أزقة العالم

دون أن يسألني الحراس عن رقم هاتفي

أو هويتي الضائعة

العدالة هي أن ألقي بنفسي في البحر الشاسع

وأنا واثق بأن أحدا لن يمسكني من أذني

ويقودني – مرة ثانية إلى القبر

بدعوى أن الانتحار لا تقره الشرائع

والقوانين

العدالة هي أن آكل رغيفي بهدوء

أن أغني بهدوء

أن أقبل حبيبتي بهدوء

وأموت بلا ضجة

××××




نقل المواد من الموقع دون الإشارة إلى المصدر يعتبر سرقة. نرجو ممن ينقلون عنا ذكر المصدر.

في المستقبل سنعلن عن أسماء جميع المواقع التي تنقل عنا دون ذكر المصدر

ألف























































































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow