Alef Logo
دراسات
              

لغز معمودية يسوع (2/1) / يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية

فراس الســواح

2009-11-22


المعمودية، وهي طقس ديني يتضمن غمر الجسد بشكل كامل في الماء، ممارسة موغلة في القدم. ففي الثقافة السومرية (الألف الثالث قبل الميلاد) كان إله الماء يدعى إيا، أي إله بيت الماء، وكان معبده العلوي الذي يقيم فيه بين الناس نظيراً لمسكنه السفلي في الأعماق المائية العذبة، ويدعى بيت الطهارة حيث كانت تجري طقوس الاغتسال بالماء. (1) أما الرمزية الكامنة وراء هذا الطقس فمؤداها أن غسل الجسد بالماء هو مظهر خارجي لتطهير الروح، والمغتسل بالماء الذي يذهب بأدران الظاهر إنما يُعبر في الوقت ذاته عن غسله لأدران الباطن. كما أن الغطس الكامل في ماء نهر مقدس أو في جرن العماد الموضوع في المعبد ثم الصعود ثانية، يُعبر عن الموت والانبعاث، موت الفرد عن نفسه الأرضية والانبعاث في نفس روحانية .
وتتخذ المعمودية مركز البؤرة في طقوس ديانات الأسرار التي شاعت في العصر الهيلنستي والعصر الروماني، والتي تقوم عقائدها على الإيمان بإله مخلّص يقود العابد الذي اتحد به إلى الخلاص من ربقة الموت نحو خلود الروح. فمن خلال طقس المعمودية كان المنتسبون الجدد إلى الديانة يعبرون إلى أسرارها التي لم تكن معروفة بشكل كامل لغير المنتسبين. وسنسوق فيما يلي نموذجين من هذه الطقوس، الأولى طقوس إيليوسيس في العبادة السرية للإلهة ديمتر وابنتها بيرسيفوني، والثانية طقوس الإلهة إيزيس كما كانت تمارس في روما .
عرفت بلاد الإغريق نوعين من الطقوس الديمترية، النوع الأول يدعى بالطقوس الصغرى وهي التي تقام سنوياً في ذكرى عثور ديمتر على ابنتها بيرسيفوني التي اختطفها هاديس إله العالم الأسفل. ويغلب على هذه الطقوس طابع احتفالات الخصب، حيث يرمز صعود بيرسفوني من العالم الأسفل إلى عودة الحياة إلى الطبيعة الميتة. أما النوع الثاني فيدعى بالطقوس الكبرى، وكانت تقام كل خمسة أعوام على شرف ديمتر لا باعتبارها مخلّصة أرضية تتشارك مع ابنتها في إحياء الطبيعة سنوياً،وإنما باعتبارها إلهة خلاص روحاني. يشارك في هذه الاحتفالات الكبرى المريدون الجدد الذين تم اختيارهم لدخول أسرار الإلهة والعبور إلى حلقة عبادها الخاصة، فهي والحالة هذه طقوس تنسيب وعبور. كان موكب المحتفلين ينطلق من أثينا مشياً على الأقدام إلى مدينة إيليوسيس مركز عبادة ديمتر، وعند الوصول إلى البحر ينزل المشاركون في الطقوس حيث يغمرون أنفسهم بالماء في عملية تطهير رمزي من شأنها إعدادهم للحياة الروحية الجديدة. وعند الوصول إلى إيليوسيس يخضع المشاركون لطقوس تنسيب تُكمل طقوس العماد بالماء لا نعرف عنها شيئاً، لأن من مروا بها حاذروا دوماً من البوح بحقيقة ما كان يجري هناك(2). ويلمح المؤرخ الإغريقي هيرودوتس إلى هذا الطابع السري لطقوس إيليوسيس في معرض حديثه عن أسرار الإله أوزيريس في مصر، وذلك في كتابه " التاريخ " فيقول : " على تلك البحيرة أمام المعبد في الدلتا يقيم المصريون طقوسهم المكرسة لإلههم الذي لن أنطق باسمه. وعلى الرغم من أني رأيت رؤية العين كل ما جرى في ذلك المكان، فإن لن أزيد في القول شيئاً، وأُمسك لساني عن البوح بما رأيت مثلما أمسكته عن البوح بما رأيت في طقوس الإلهة ديمتر في إيليوسيس (3) ."
أما عن طقوس التنسيب في عبادة الإلهة إيزيس في صيغتها الرومانية، فيحدثنا عنها الكاتب الروماني أبوليوس الذي تحول فيما بعد إلى هذه العبادة وصار كاهناً لإيزيس، وذلك في كتابه المعروف " الحمار الذهبي ". وهو يصف هنا تجربته الشخصية عندما مر بهذه الطقوس التي يتخذ الاعتماد بالماء مدخلاً إليها : " جاءني الكاهن الأعلى ومعه كهان آخرون، فاقتادوني إلى الحمام حيث أُمرت بالاغتسال، وبعدها قام الكاهن الأعلى نفسه بسكب ماء مقدس على جسدي كله وهو يتلو صلوات وأدعية خاصة. ولما انتهيت أتى بي إلى المعبد وأجلسني عند قدمي تمثال الإلهة وأعطاني تعليمات مقدسة لا أجرؤ على البوح بها. ثم ألزمني صياماً خاصاً فلم أقرب اللحم أو الخمر مدة عشرة أيام اقتصر طعامي خلالها على ما يسد الرمق فقط. وعندما حل اليوم الأخير جاءني الكاهن الأكبر فألبسني عباءة بيضاء قطنية. وقادني إلى قدس أقداس المعبد. أما ما حدث هناك فإن لساني لو نطق وسمحتَ لأذنك أن تسمع، فإن لساني سيلقى جزاءً بما نطق، وسلتقى أذنك جزاءً بما سمعت (4) ."
وقد كانت الكنيسة المسيحية التي وضع نواتها يسوع، شأنها في ذلك شأن بقية ديانات الأسرار، عبارة عن حلقة مقتصرة على المنتسبين المؤهلين لتلقي أسرار الدين، أو أسرار ملكوت الله على حد وصف يسوع نفسه. فعندما سأله التلاميذ عن مغزى أحد الأمثال التي كان يوردها أمام اليهود قال لهم : " لكم قد أُعطي أن تعرفوا أسرار ملكوت الله وأما الباقين فبأمثال، حتى أنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون." (لوقا 8: 9-10) . وكان التعميد الذي يتضمن الغطس الكامل بالماء ثم الصعود منه، هو طقس التنسيب الذي على المريد الجديد أن يمر به من أجل الولادة الثانية. وهذا مغزى قول يسوع في إنجيل يوحنا: "ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا وُلد وكان مولده من الماء والروح." (يوحنا 3: 5). ويعود طقس المعمودية كما ترسمه الأناجيل إلى النبي يوحنا بن زكريا الملقب بالمعمدان الذي كان يعمد بالماء عند نهر الأردن لمغفرة الخطايا .
يلف الضباب شخصية يوحنا المعمدان، وهو يظهر فجأة ودون مقدمات في أناجيل متى ومرقس ويوحنا، أما مؤلف إنجيل لوقا فيورد قصة عن ميلاده من الكاهن زكريا وامرأته العاقر اليصابات، تشبه قصص الميلاد الإعجازي للشخصيات التوراتية الرئيسية مثل اسحاق وصموئيل وشمشون، ولكنه يصمت بعد ذلك عن حياة المعمدان بين حادثة الميلاد وظهوره على شاطئ نهر الأردن يُعمد الناس لمغفرة الخطايا. أما عن رسالته وتعاليمه، فإن مؤلفي الأناجيل الأربعة يجعلون منه خاتمة النبوة في إسرائيل. وهذا مؤدى قول يسوع في إنجيل لوقا: " كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا المعمدان ثم ابتدأت البشارة بملكوت الله." (لوقا 16: 16). من هنا فقد عمد هؤلاء إلى إعطائه دور النبي الذي يظهر في آخر الأزمان من أجل التمهيد لظهور المسيح على ما رددته النبوءات المسيانية في كتاب التوراة. من ذلك ما ورد في سفر إشعيا: " صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب، قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا. كل وطاء يرتفع وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلاً." (إشعيا 40: 3-5). وما ورد في سفر ميخا: " هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرون به." (ملاخي 3: 1). ونبي آخر الأزمنة هذا هو شخص تحل عليه روح النبي إيليا، أعظم أنبياء التوراة بعد موسى، ويتكلم بلسانه: " هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم." (ملاخي 4: 5-6). وقد كان يوحنا في مظهره ونمط حياته يشبه إيليا الذي أمضى جل وقته في البرية (الملوك الأول 17: 5)، وكان يلبس حلة مشعرة وعلى وسطه منطقة من جلد (الملوك الثاني: 1: 8). وكما كان إيليا يندد علناً بخطايا ملوك إسرائيل (الملوك الأول: 21) كذلك كان يوحنا يندد علناً بخطايا وفجور هيرود أنتيباس ملك الجليل وبيرايا (منطقة سياسية في شرقي الأردن) .
نقرأ في افتتاحية إنجيل مرقس :
" كما هو مكتوب في الأنبياء: هأنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة. كان يوحنا يُعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. (وهنا يضيف متى: فيقول توبوا قد اقترب ملكوت السماوات). وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا على يديه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم. وكان يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه، ويأكل جراداً وعسلاً برياً. وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه. أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس." ( مرقس 1: 11-8).
ويضيف متى ولوقا خطاباً يضعانه على لسان يوحنا، نورده فيما عن صيغة لوقا:
" وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا على يديه: يا أولاد الأفاعي، من علمكم أن تهربوا من الغضب الآتي ؟ ألا اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تقولوا إن أبانا هو إبراهيم، لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أبناءً لإبراهيم. والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تُقطع وتلقى في النار. وسأله الجموع قائلين: فماذا نفعل؟ أجابهم: من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام فليفعل كذلك. وجاء عشارون أيضاً ليعتمدوا على يديه فقالوا له يا معلم ماذا نفعل؟ فقال لهم: لا تستوفوا أكثر مما فُرض لكم. وسأله أيضاً بعض الجنود: ونحن ماذا نفعل؟ فقال: لا تظلموا أحداً ولا تشوا بأحد واكتفوا بأرزاقكم." (لوقا 3: 7-14) .
ولإنجيل يوحنا رواية خاصة به سوف نعرضها عند الحديث عن معمودية يسوع.
لم تدم فترة كرازه يوحنا المعمدان طويلاً، فقد قبض عليه هيرود أنتيباس لأنه كان يشجب زواجه من هيروديا امرأة أخيه. وعندما كان هيرود يحتفل بعيد ميلاده رقصت سالومي ابنة هيروديا أمام المدعويين فسُرَّ برقصها وأقسم تحت تأثير الخمر أنه مهما طلبت يعطيها، فدفعتها أمها أن تطلب رأس يوحنا، فأُسقط في يد هيرود وأرسل وقطع رأس يوحنا وأحضروه له على طبق (متى 14: 3-12) .
ولدينا خبر تاريخي واحد عن يوحنا المعمدان يتقاطع مع الأخبار الإنجيلية أورده المؤرخ اليهودي يوسيفوس في كتابه " عاديات اليهود " الذي وضعه في روما نحو عام 93 للميلاد، فقال " إن يوحنا الملقب بالمعمدان كان رجلاً باراً يأمر اليهود بالمعاملة الطيبة تجاه بعضهم بعضاً وبتقوى الله. وكان يعمد بالماء من أجل تطهير الجسد بعد أن تطهرت الروح بالبر والتقوى. ولأن الجميع كانوا يتقاطرون إليه ويسمعون كلماته خاف هيرود من تأثيره على الناس ومن فتنة محتملة، فقبض عليه وسجنه في قلعة مخايروس ثم أمر بإعدامه (5) ."
إن ما تقوله لنا هذه الأخبار الشحيحة هو أن تعاليم يوحنا المعمدان لم تخرج عن الإطار العام للعقيدة اليهودية في أشكالها المتأخرة. فيوحنا كان يبشر بقرب حلول ملكوت الرب الذي بشر به كبار الأنبياء من قبله مثل إشعيا وإرميا، وهو مملكة أرضية يحكمها الإله يهوه بنفسه. وكان يعمد بالماء لمغفرة الخطايا استعداداً لدخول المعتمدين في هذا الملكوت، ولاستقبال المسيح اليهودي الذي يُفتتح الملكوت بظهوره. ومثل هذه الأفكار لم تكن بالشيء الجديد، وكان الأسينيون يبشرون بها، وهم طائفة يهودية طهرانية اعتزلت المدن وأقامت في البرية في انتظار قدوم المسيح، وكانت تمارس طقوس التعميد بالماء .
إلا أن ظهور بعض الطوائف الغنوصية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تَدَّعي انتسابها إلى يوحنا المعمدان، وتنسب إليه تعاليمها وطقوسها، يزودنا بمقاربة جديدة لتصوُّر التعاليم الأصلية ليوحنا. فالغنوصية هي منظومة من الأفكار الدينية تبلورت فيما بين أواخر القرن الأول قبل الميلاد وأوائل القرن الأول الميلادي. وهي تقول بثنائية الجسد والروح، حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة المظلم، وتنتمي الروح إلى العالم الإلهي المنير، فهي قبس من روح ملك الأنوار احتبسها الديميرج (أي الإله الآخر الذي صنع العالم) في جسد صنعه من طين الأرض لينفخ فيه الحياة. وستبقى هذه الروح أسيرة في هذا الجسد المادي وفي هذا العالم المادي، وأسيرة دورات تناسخ لا تنتهي، إلى أن يقودها الغَنوص (أي العرفان الداخلي) إلى إدراك طبيعتها الإلهية، عندها فقط تستطيع الإفلات من دورة التناسخ والعودة إلى موطنها السماوي الذي جاءت منه .
وتحدثنا كتب التراث العربي، مثل كتاب الفهرس لابن النديم، وكتاب الملل والنِحَل للشهرستاني، والآثار الباقية للبيروني، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، وغيرها، عن أكثر من طائفة معمدانية كانت حية في أيامهم، ومنها طائفة "المغتسلة" التي نشأ فيها ماني ثم انشق عنها وأسس الديانة المانوية. وقد بقي من هذه الطوائف اليوم طائفة الصابئة المندائيين التي تقيم في جنوب العراق والمناطق العربية من إيران. وكلمة صابئة مشتقة من الجذر صبأ الذي يدل في اللغة المندائية الآرامية على التعميد والتطهر بالماء، وهو طقس الدخول في الدين. أما كلمة المندائية فمشتقة من كلمة مندا التي تعني معرفة أو علم، ويعادلها في اليونانية كلمة غنوص (Gnosis). وعلى ما نستشف من مصادر المندائيين أنفسهم، ومن كتب التراث العربي، ومن دراسات المستشرقين المحدثين، فإن الموطن الأصلي لهذه الطائفة كان في منطقة القدس وشواطئ نهر الأردن، ثم هاجروا شرقاً نحو وادي الرافدين عقب الاضطرابات التي رافقت وتلت الحروب اليهودية الرومانية فيما بين عام 66 وعام 70 للميلاد، والتي انتهت بدمار أورشليم على يد القائد الروماني تيتُس. وما زال اسم الأردن (أو يردنا باللغة المندائية) وهو النهر المقدس لديهم، يطلق على الماء الجاري الذي يستخدم في طقوس التعميد. وقد عُثر في منطقة ميسان في الجنوب العراقي على قطع نقود تحمل كتابة مندائية تعود بتاريخها إلى نحو 150 م .
ينتسب المندائيون إلى النبي يوحنا الذي يدعونه بلغتهم يهنا أو يَهيا، وتورد كتبهم المقدسة عن نسبه وميلاده أخباراً تشبه قصة إنجيل لوقا والقصة القرآنية. نقرأ في إحدى تراتيلهم: " باسم الحي ربي، النور السني. وُلد يوحنا في القدس. أليصابات ولدت ولداً من الأب الشيخ زكريا. يوحنا ولد ولمس الأردن وكان نبياً. نوَّر الإيمان قلبه، ونحن نتعمد بمائه، ونرتسم بالرسم الزكي. ونأكل من زاده ونشرب من مائه، فتنفتح قلوبنا إلى النور." وطقس التعميد عندهم لا يتم إلا بالماء الجاري، وذلك على سُنَّة يوحنا الذي كان يعمد في ماء الأردن. ويخضع للتعميد الصغار في طفولتهم، والكبار قبل الزواج، كما يتعمد من شاء أن يكسب أجراً. ويجري التعميد في يوم الأحد وهو اليوم المقدس عندهم. كما يجري في المناسبات الدينية. ويهدف هذا الطقس إلى تطهير الجسد والروح، ويكون الغطس الكامل في الماء رمزاً لفناء الجسد الخاطئ، والخروج من الماء رمزاً للجسد الذي انبعث روحياً. وخلال طقس المعمودية وبقية الاحتفالات الدينية يرتدي المندائي الثياب البيض التي ترمز إلى النور، ويتحاشى بشكل عام اللون الأسود الذي هو لون الظلام والخطيئة .
يقوم جوهر العقيدة المندائية على الإيمان بأن نفس الإنسان أو نَسْمَته (= نشمتا بالمندائية) هي نفحة من الذات العليا، ولابد لها وأن تعود يوماً إلى باريها وتتحد به في حياة باقية خالدة. وقد حلت هذه النسمة الإلهية أول ما حلّت في جسد آدم الأرضي ومعها شيء من جلال موطنها الأصلي وجماله، وفي الوقت نفسه حلت في الجسد الأرضي روح الشر (روها) ومعها كل ما في دنيا الظلام من خبث وشر. ولكن من خلال العرفان، أو الماندا، يستطيع الإنسان اكتشاف أصله السماوي ويصارع في داخله روح الشر، وبذلك يتحقق الانعتاق بعد الموت (6) .
اعتماداً على وجود هذه الطوائف الغنوصية المعمدانية التي تنتمي إلى يوحنا المعمدان وتنسب إليه تعاليمها، واستمرارها غير المنقطع منذ القرن الذي عاش فيه يوحنا، نستطيع الاستنتاج بدرجة عالية من الثقة أن هذه التعاليم هي التي سمعها تلامذة يوحنا الأولون ونقلوها إلى الأجيال اللاحقة، وأن يوحنا كان بحق واحداً من أتباع المدرسة الغنوصية السورية التي كان سمعان ماجوس السامري أبرز ممثليها. وكلمة ماجوس، أي المجوسي، كانت تعني في العصر الهيلنستي والروماني الشخص الحكيم المتضلع بأمور الفلك والتنجيم والسحر، ومنهم المجوس الوارد ذكرهم في قصة الميلاد عند لوقا، والذين كانوا يرصدون النجوم عندما رأوا نجم المخلّص ساطعاً في السماء فتبعوه إلى بيت لحم .
يلف الغموض شخصية سمعان ماجوس، لأن مؤلفاته قد ضاعت ولم يبق منها سوى شذرات أورها نقاده المسيحيون، لا سيما هيبوليتوس في كتابه "تفنيد كل الهرطقات" الذي وضعه في مطلع القرن الثالث الميلادي. نشط سمعان خلال أواسط القرن الأول الميلادي، وهذا يعني أنه عاصر كلاً من يسوع ويوحنا المعمدان. وقد ورد ذكره في سفر أعمال الرسل وهو السفر الرابع في الكتاب المقدس المسيحي (العهد الجديد)، وفي سفر أعمال بطرس المنحول. يقول سمعان وفق ما ينقله عنه ناقده هبوليتوس، بأن الله قوة أزلية وغير متمايزة منغلقة على نفسها في صمت وسكون تام. ثم إن هذه القوة انقسمت على نفسها، فظهر العقل – nous وهو مذكر، والفكرة – enoia وهي مؤنث. وبذلك انشطرت الألوهة إلى قسم علوي هو عالم الروح وقسم سفلي هو عالم المادة. ولقد امتصت الفكرة إينويا القوى الخلاقة للأب وأنتجت ملائكة وقوى عملت من خلالهم على خلق العالم المادي. ولكن إينويا فقدت السلطة على القوى التي نتجت عنها وصارت أسيرة لها ولا تستطيع الرجوع إلى الآب. ثم ظهر سمعان ماجوس كتجسيد لله على الأرض لكي يحرر إينويا من قيودها، ويقدم الخلاص من العالم المادي لكل من يتعرف عليه من البشر بصفته هذه (7) .
لقد اعتبر بعض الباحثين أن سمعان ماجوس هو المُعبر الأقدم عن الفكر الغنوصي، ولكن الاتجاهات الأحدث في البحث لم تعد تؤيد هذا الطرح مع اعترافها بأن أعماله هي أبكر ما وصلنا من نتاجات هذا الفكر. وهنالك أخبار متداولة تقول بأن سمعان قد تلقى علومه في الإسكندرية ثم عاد إلى فلسطين حيث تتلمذ على يد يوحنا المعمدان الذي اعتبره أنجب تلاميذه، وكان عازماً على تعيينه خلفاً له. ولكن سمعان كان في رحلة إلى مصر عندما جرى القبض على يوحنا وإعدامه، فاستلم المنصب سامري آخر من أتباع يوحنا اسمه دوتيسيوس. وعندما عاد إلى فلسطين جمع حوله ثلاثين تلميذاً وراح يطوف معهم إلى أن لقي حتفه في ظروف غامضة في روما. وقد خلفه في زعامة الطائفة اثنان من تلاميذه، الأول ميناندر وهو سامري أيضاً ولكنه أمضى النصف الثاني من حياته في أنطاكية حيث توفي نحو عام 80 م. أما الثاني وهو ساتورنيلوس فكان من مواطني مدينة دافنه إلى الشمال من السامرة حيث منابع نهر الأردن، وقد عاش حتى أواسط القرن الثاني الميلادي (8) .
أما سفر أعمال الرسل فيورد عن سمعان ماجوس ما يلي : " فنزل فيليبس الرسول مدينة سامرية وجعل يبشر بالمسيح … وكان في المدينة قبل ذلك رجل اسمه سمعان يفتري السحر ويفتن أهل السامرة زاعماً أنه رجل عظيم. فكانوا يلزمونه من صغيرهم إلى كبيرهم ويقولون : هذا قوة الله العظيمة. وإنما لزموه لأنه أخذ يفتنهم بأساليب سحره من زمن طويل. فلما آمنوا بكلام فيليبس الذي بشرهم بملكوت الله وإسم يسوع، اعتمدوا رجالاً ونساءً وآمن سمعان أيضاً. " (أعمال 8: 4-12). ولكن سفر أعمال بطرس المنحول يعطينا صورة أخرى، حيث نجد سمعان ماجوس قد سبق الرسول بطرس إلى روما وراح يبشر بمعتقده هناك مدعياً أنه ابن الله ومجترحاً المعجزات التي استمالت الناس، وكان بطرس من ناحيته يشفي المرضى والعميان والمقعدين بقوة الروح القدس. ثم اجتمع الاثنان للمنافسة بحضور الإمبراطور نيرون وحشْدٍ من أهل روما، فقام سمعان بصعود برج عال وطار فوق أحياء المدينة، ولكن بطرس صاح بصوت عال: أناشدكم يا ملائكة الشيطان الذين تحملونه أن تفلتوه. وعلى الفور سقط سمعان على الأرض وتحطم جسده (9) .
تُعبّر أخبار العهد الجديد هذه عن المنظور الضيق الذي رأى من خلاله الإنجيليون تعاليم يوحنا المعمدان باعتباره معلماً يهودياً اختط لنفسه نهجاً خاصاً لا يتعارض جذرياً مع العقيدة اليهودية. أما تعاليم الطائفة المندائية فيبدو أنها قد حفظت لنا الكثير من جوانب فكر يوحنا المعمدان باعتباره معلماً غنوصياً ينتمي إلى المدرسة الغنوصية السورية التي ضاعت معالمها من خلال ما نقله لنا أعداؤها المسيحيون، ومن خلال مؤلفي أسفار العهد الجديد الرسمية منها والمنحولة، الذين لم يكن بين أيديهم معلومات كافية عن شخصية المعمدان وطبيعة رسالته .
بعد هذا المدخل عن يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية، ننتقل في القسم الثاني من هذه الدراسة إلى خبر اعتماد يسوع كما ورد في الأناجيل ومدلولاته .
الهوامش:
1 – Joseph Campbell , Oriantal Mythology , Penguin , 1977 , p . 107 .
2 – F. Guirand , Greek Mythology , Hymlen , London , 1969 , p. 108 .
3 – G. Negal , the Mysteries of Osiris . in : J . Campbell , edt , theMysteries . Princeton , 1978 , P. 132 .
4 – Apuleius , The Golden Ass , Penguin , 1980 , PP . 240 – 241 .
5 – Joseph Campbel , Occedental Mythology , Penguin , 1977 , PP . 348 349 . 6 - ناجية مراني : مفاهيم صابئية مندائية ، بغداد 1981 ، الفصل الثاني .
7 – Willis Barnstone , The Other Bible , Harper , New York , 1986 , pp . 608 – 609 .
8 – Kurt Rudulph , Gnosis , Harper , 1987 , pp . 296 – 298 .
9 - أعمال بطرس ، ترجمة اسكندر شديد في كتابه ( الأعمال والرسائل المنحولة )، لبنان 1999 ، الفصل الأول .


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور

22-كانون الأول-2016

أطوار صورة الله في التوراة

15-تشرين الأول-2016

القيامة والتصورات الآخروية ج1

24-أيلول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow