Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الأفلام الجماهيرية : أفلام لشريحة واسعة من المشاهدين بقلم : إيزنشتاين ترجمة :

صالح الرزوق

2009-08-31


أنا مهندس مدني و عالم رياضيات بالخبرة. و أعمل في صناعة الأفلام السينمائية بنفس الطريقة التي نزود بها مزرعة الدواجن بالآلات اللازمة ، أو نصمم نظاما للري. و إن وجهة نظري شمولية و عقلانية و مادية.
حينما نعزم على إنتاج عمل " جماعي " حول موضوع ، لا نضع الخطط في المكاتب. و كذلك لا نذهب لنجلس تحت شجرة سنديان بانتظار شيطان الشعر و الإلهام. إن شعارنا هنا هو " سحقا للإبداع الذهني ". يجب علينا أن نعيش في الحياة. و بما أننا اخترنا القرية كموضوع لإنتاجنا الأخير ( سياسة الفلاحين العامة ، 1929 ، له عنوان آخر معروف هو القديم و الجديد ) ، فقد أنفقنا وقتا مطولا مع أرشيف كوميسارية الزراعة.
درسنا الألوف من شكاوى المزارعين ، و حضرنا اجتماعات القرى السوفييتية ، و استمعنا لشائعات الفلاحين. يبين الفيلم – سيكون جاهزا في 1 كانون الثاني – سلطة الأرض على الإنسان ، و يهدف إلى تعليم أهل المدينة كيف يفهمون الفلاحين و كيف يتعاونون معهم. انتقينا الممثلين من بنسيونات الليلة الواحدة ، لقد انتقيناهم و هم على الطريق. و كان على البطلة أن تحرث الأرض و تحلب البقرة.
لا يدور فيلمنا حول فرد أو فريق من ثلاثة. نحن نريد أن نطور عامة الناس ، و ليس الممثل. و هذا انعكاس لروح جماعية مقرها في الخارج ، هناك على الأرض. و نحن غير مهتمين بتحريض اهتمامات خاصة تبحث في حياة أشخاص دراميين ، فهذا نداء يركز على العاطفة. بمقدور السينما أن تساهم بقسط أكبر و أقوى من التأثير من خلال عرض المادة و الأجساد عوضا عن المشاعر. حين نصور صدى و زئير بندقية رشاشة الانطباع هنا فيزيولوجي. إن المقاربة النفسية من جهة أولى تدين للعالم الروسي العظيم ( الفيزيولوجي إيفان بيتروفيتش ) بافلوف ، و مبدأ الرد المنعكس الشرطي ، و من جهة أخرى للنمساوي ( عالم النفس سيغموند ) فرويد ، ومبدأ التحليل النفسي.
خذ مشهدا من " بوتيمكين " على سبيل المثال حيث أن القوزاق ببطء و عمدا يهبطون من سلالم أوديسا و يطلقون النار على الجموع. بضم هذه العناصر في شريط واحد : السيقان ، السلالم ، الدم ، الناس ، نحن نخلق انطباعا – من أي نوع ؟. لن يتخيل المشاهد نفسه في خليج أوديسا عام 1905 . و لكن حينما تتقدم أحذية الجنود الطويلة إلى الأمام فهو ينضغط فيزيائيا. و يحاول أن يتحاشى الطلقات النارية ، و حينما تنقلب عربة الأم المتهورة و الطائشة من فوق السد ( جدار صخري يستخدم كحاجز للمياه) يتمسك بمقعده في صالة السينما. فهو لا يرغب أن يسقط في المياه. إن أسلوبنا المتصاعد هو طريقة أخرى لتحقيق مثل هذه الانطباعات. في بعض البلاد حيث صناعة السينما متطورة لا حاجة للتصعيد إطلاقا. زحافة تنطلق بسرعة في عاصفة ثلجية و أنت تراها بشكل مجرد و هي تنزلق و تدور حول . نحن نصور المطبات ، و المشاهد في السينما يرى ذلك ، و يسمع ذلك ، أيضا ، من مكانه في الصالة ، مثلما يحصل مع هدير المحركات حينما تتحرك المدرعة " بوتيمكين ".
و لهذا السبب ، ربما ، إن حركة الأشياء و الماكينات في فيلمنا ليس مشهدا عابرا لا شأن له ، و لكنه مشهد نحن نهتم به جدا. التنامي ، و تقاطع و تداخل المشاهد القريبة ، المشاهد الجانبية ، المشاهد من أعلى ، المشاهد من أسفل هي الجزء الأهم من عملنا. الفيلم إما أن يعتمد أو لا يعتمد عليها. مثل هذه الأساليب لا يمكن أن تتأقلم مع المسرح. لقد بدأت من المسرح مع " الثقافة للبروليتاريا " ، ( مؤسسة التعليم و الثقافة البروليتارية ، التي تأسست في روسيا عام 1917 من أجل تعهد مقاربة للفن على أساس أفكار االبروليتاريا الناشئة ، أو الطبقة العاملة ) ، غير أنني تركت هذا المجال في سبيل أفلام الصور المتحركة.
و أعتقد أن المسرح مؤسسة تحتضر. إنه مصير حرفة فنية بائسة. أما الفيلم فيعكس صناعة عالية التنظيم و ذات وزن مؤثر.
أثر المنظر يمكن حسابه ، و كذلك بالنسبة للأثر الإيديولوجي. نحن لا نشرع بفيلم قبل أن نعلم لماذا. كان فيلم " بوتيمكين " حلقة من بطولة ثورية محسوبة جيدا لتسري مثل الكهرباء في الجموع. كان " جيرالنايا لينيا 'Generalnaya Linya' " يعمل على تشجيع الرابطة بين المدينة و القرية – و هو الواجب السياسي الثابت للبلشفية. أما " أكتوبر " و الذي سوف يعرض في جميع أنحاء الاتحاد في 7 تشرين الثاني ، فيصف عشر أيام هزت العالم في خريف عام 1917 . و هو يبين كيف أن التاريخ من صنع الإنسان الذي نراه في الشارع ، و من صنع العمال الذين نراهم في المعمل ، و الجنود الحمقى الذين تراهم في الخنادق. إنه يغطي هوية المواطن العادي الحالي و لكن الذي يرتكز على عمق تاريخي.
لقد جعلت الظروف من عملنا سهلا. ليلة وراء ليلة كان يتطوع أربعة حتى خمسة آلاف عامل من لينينغراد ( سانت بطرسبورغ ) للمشاركة في اقتحام قصر الشتاء الذي يعتبر جزءا من " أكتوبر ". و قدمت الحكومة السلاح و الثياب العسكرية ، و ساندنا الجيش أيضا. و بالإضافة للعمال و المجندين ، كنا بحاجة للغوغاء. و لكن سمعنا همسا أن الميشليشيا سوف تستدعى لتمنع عشرت الآلاف من الاقتراب.
في " بوتيمكين " كان أسطول البحر الأسود في خدمتنا. و في 7 تشرين الثاني ، عام 1917 ، انضمت الطرادة " أورورا " من فيلق بحر البلطيق إلى الشيوعيين ، و تابعت حتى " نيفا " لقصف قصر الشتاء. أقرضتنا الدولة " أورورا " لتنفيذ المشهد في فيلم " أكتوبر " . و كذلك كان لنا الحق في استخدام مدرعات بطاريات مدفعية.
كلما اقتربنا من الحياة في موضوعاتنا نحن نقترب من الحياة في تصوير مشاهدنا. لم نعمد إلى شق طرقات أو بناء مدن و لا حتى قرى. الأشياء الحقيقة تبدو أصدق. و كان الأذن غير عسير. لم يعترض أحد من الملاك أو أصحاب العقارات على تصوير أملاكه الخاصة و لم يطلب مقابلا ماديا لينتفع به. و هذا جعل الإنتاج رخيصا. كان فيلم " بوتيمكين " مثل صورة . و لكن " جنيرالنايا لينيا " و "أكتوبر " تمتعا بحدة أو مباشرة أكبر . إنهما أقرب إلى الحياة. و ها نحن نتعلم. و نشعر أن أسلوبنا هو الأسلوب الوحيد الصحيح و إن إمكانياته غير محدودة.
إن أسلوبنا و الأسلوب الأمريكي قاما بتطوير تكنيك الأفلام و عليهما أن يتحولا إلى قرينين قويين. ولهذا السبب نحن نهتم بأية دعوة لزيارة الولايات المتحدة في غضون عام. إن سمحت لنا مشاغلنا هنا بذلك ، و لو أننا خولنا بحرية النشاط من غير ضغوط في الولايات المتحدة ، قريبا سوف نكون هناك.


المصدر :

Mass Movies By Sergey Mikhaylovich Eisenstein. The Nation. November .9. 1927.

الترجمة - 2009

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow