Alef Logo
دراسات
              

ألغاز ميلاد يسوع3 / مشكلة بيت لحم والناصرة

فراس الســواح

2009-08-25


إنّ الصورة العامة التي تقدمها لنا جغرافية فلسطين هي صورة منطقة تتألّف من بيئات معزولة عن بعضها البعض. وقد انعكست هذه الجغرافية المتنوّعة على الحياة السياسية، فقد كانت فلسطين مقسّمة على الدوام إلى عدد من الدويلات الصغيرة المستقّلة. وتتجلى عزلة البيئات الفلسطينية بشكل خاصّ في مناطق الهضاب، ونموذجها مرتفعات الجليل التي يفصلها وادي يزرعيل العريض والخصب عن الهضاب المركزية (أي منطقة السامرة) ومرتفعات يهوذا. وتشير الشواهد الأركيولوجية والتاريخية إلى أنّ صلات الجليل الثقافية والسياسية مع فينيقيا والعالم السوري الأوسع كانت أقوى من صلاته مع المنطقة الفلسطينية. فإلى جانب اللقى الأثرية والبنى المعمارية التي تشهد على مثل هذه الصلات، فقد ورد اسم مدينة حاصور عاصمة الجليل القديمة في أكثر من عشرين رقيماً ضمن أرشيف مدينة ماري السورية على الفرات الأوسط، والذي يرجع تاريخه إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. وتكشف لنا المعلومات الواردة في هذه الرقم عن أهمية حاصور وعن علاقاتها الدولية الواسعة .
خلال عصر الحديد الأوّل والثاني (1200-700 ق.م) الذي شهد مولد وغياب مملكتي السامرة ويهوذا، بقيت منطقة الجليل على عزلتها عن مناطق المرتفعات الأخرى وراء وادي يزرعيل، ولا يوجد لدينا دليل على صلات ثقافية مع السامرة جارتها الجنوبية بل على العكس من ذلك؛ فالفخاريات وغيرها من اللقى المكتشفة خلال هذا العصر تشير بقوّة إلى تأثيرات فينيقية وآرامية، ويبدو أنّ الجليل قد وقع تحت سيطرة مملكة صور آنا وتحت سيطرة مملكة دمشق آنا آخر، كما وقع تحت سيطرة مملكة السامرة خلال الهزيع الأخير من حياتها قبل دمارها على يد الآشوريين عام721 ق.م. وبعد زوال مملكة السامرة طالت سياسة التهجير الآشورية قسماً من سكان الجليل وأحلّت محلهم آشور سكاناً من المناطق الأخرى .
تنقصنا المعلومات عن الجليل خلال العصر الفارسي، أمّا خلال العصر الهيلينستي والروماني فقد تَهلْيَنَ الجليل مثلما تهلينت فينيقيا والسامرة وشرقي الأردن، ونشأت فيه مدن جديدة بنيت وفق المفاهيم المعمارية والاجتماعية اليونانية، أهمّها مدينتي تيبرياس (طبرية) وسيفوريس. وقد كان التركيب الإثني لهذه المدن متنوعاً، فقد احتوت على ذخيرة أساسية من السكان الأصليين القدماء، وعلى شرائح أخرى تمّ تهجيرها إلى الجليل من قبل الآشوريين، وعلى جاليات يونانية. أمّا الديانة السائدة في الجليل فقد كانت كنعانية تقليدية تمّ تطعيمها بعناصر يونانية بعد مطابقة الآلهة المحلّية مع الآلهة اليونانية. ولهذا يطلق مؤلف إنجيل متَّى على هذه المنطقة اسم جليل الأمم (متى 4: 15). ومتّى هنا يستخدم تعبير "الأمم" بالمعنى التوراتي في الإشارة إلى الشعوب غير اليهودية.
لكلّ هذه الأسباب مجتمعة فإنّ الجليل لم يحتو حتى أواسط القرن الثاني إلا على جالية يهودية قليلة العدد، وكان الجليليون ينظرون بعداوة إلى هؤلاء ويعتبرونهم جسماً دخيلاً على المجتمع الجليلي. وعندما ثارت مقاطعة اليهودية على الحكم السلوقي ونجح يهوذا المكابي في طرد الحامية السلوقية من أورشليم عام 164ق.م، وجد الجليليون في ذلك مناسبة للتخلّص من اليهود، وهذا ما دفع بيهوذا المكابي إلى إرسال نجدة عسكرية أجْلتهم عن الجليل وجاءت بهم إلى أورشليم (راجع سفر المكابين الأول في الترجمة الكاثوليكية 5: 14-23). ولكنّ الوضع تغيّر بعد بضعة عقود عندما تحوّلت مقاطعة اليهودية إلى مملكة مستقلة وراح حكامها يوسّعون مناطق نفوذهم، فقام الملك أرسطو بولس الأوّل بضمّ الجليل إلى أملاكه وفرض الدين اليهودي على سكانه بقوّة السلاح. ومع ذلك فقد بقي الدين اليهودي بمثابة قشرة سطحية تعلو الثقافة والمجتمع في الجليل، والمراجع اليهودية ملأى بالإشارة إلى قلة دين الجليليين وجهلهم بالطقوس والواجبات الدينية اليهودية.
بعد دخول الرومان سورية واستيلائهم على أورشليم عام 63 ق.م، تفكّكت دولة المكابيين وساد جوّ من التسامح الديني الذي شجّع الكثيرين من سكان الجليل على الارتداد عن اليهودية والعودة إلى دين آبائهم، لا سيما في عهد الملك هيرود الكبير (أو هيرود العربي كما كان يلقب) الذي شجّع الديانات المحلّية على التعبير عن نفسها وبنى لها معابد لآلهتها التقليدية القديمة. وهذا يعني أنّ الجليل لم يقع تحت سيطرة الثقافة اليهودية إلا لفترة قصيرة لم تتجاوز الأربعين سنة، وأنّ من بقي على اليهودية في الجليل بعد الفتح الروماني لم يكن ينظر إلى نفسه كيهوديّ أُرثوذكسي، مثلما لم يُعدُّ يهودياً حقاً من قبل أهل اليهودية.
هذه المقدّمة عن تاريخ الجليل مهمّة جداً لفهم الخلفية الثقافية التي كانت وراء رسالة يسوع التي خرج بها عن الأعراف والشرائع والعقائد اليهودية. فلربّما لم ينشأ يسوع في أسرة يهودية، أو أنّ أسرته قد تهوّدت واستمرت على اليهودية الشكلية بحكم العادة، أو كانت تنتمي إلى جماعة روحية من جماعات جبل الكرمل والمعروفة بطبيعتها الصوفية ونزعتها العالمية. لقد نشأ يسوع في الجليل وعاش فيه طيلة حياته وبشّر برسالته، وكان تلامذته وأتباعه جليليين، وهو لم يذهب إلى أورشليم إلا في أواخر مسيرته التبشيرية حيث صلبه اليهود. وهذا يستتبع منطقياً أن يكون قد ولد في الجليل لا في اليهودية. ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذه النتيجة وبين الأخبار التي أوردها كلّ من متّى ولوقا عن ولادة يسوع في بيت لحم؟
في الحقيقة إذا كانت قصّة الميلاد في بيت لحم ذات أصل تاريخيّ، فإنّ المدينة المرشّحة لأن تكون مكان الميلاد ليست بيت لحم اليهودية، وإنما مدينة أخرى في الجليل تحمل الاسم نفسه. إنّ ما لا يعرفه الجميع، وما تمّ التعتيم عليه تاريخياً، هو وجود مدينة في الجليل تحمل اسم بيت لحم تقع مقابل السفوح الشمالية الشرقية لجبل الكرمل، وقد كانت هذه المدينة قائمة ومزدهرة خلال حياة يسوع، على ما بيّنته التنقيبات الأثرية التي أرجعت تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد. وقد عثرت البعثة الأثرية الإسرائيلية التي نقّبت في الموقع على بقايا كنيسة بيزنطية تعود بتاريخها إلى أواخر القرن الرابع الميلادي، ولكنّها بنيت في موقع كنيسة أقدم منها تعود بتاريخها إلى نحو عام 100م. وبيت لحم الجليل هذه تظهر في المصوّرات الجغرافية القديمة ومنها مصوّر بطليموس الذي يرجع بتاريخه إلى نحو 150م. وقد تتالت على المدينة مراحل خراب وهجران ثمّ بناء وازدهار طوال أكثر من ألفي سنة، وعند قيام دولة إسرائيل عام 1948 استوعبت حدودها بيت لحم مع معظم الجليل، وهي تظهر الآن في جميع الخرائط الحديثة لدولة إسرائيل. وقد ورد في الموسوعة اليهودية الصادرة في إسرائيل عام 1972 بخصوصها ما يلي: "إنّ بيت لحم الجليلية تقع في غرب الجليل، وهي قريبة من قرية تيفون في سبط زبولون. وكانت في الماضي ضمن الأراضي التابعة لصور… وفي سنة 1948 سكنتها جالية ألمانية تابعة لجمعية الهيكل ." ( الجزء 4 ، ص750) (1) .
وقد عرف محرّرو التوراة بيت لحم الجليل، وفي الكتاب إشارات عديدة إليها. من ذلك ما ورد في سفر يشوع في معرض تعداده للمناطق التي وزّعها يشوع على الأسباط: "وخرجت القرعة الثالثة لبني زبولون بحسب عشائرهم. فكانت حدود ميراثهم… الخ ". وبعد تعداد اثنتي عشرة مدينة أُعطيت لهذا السبط، تنتهي القائمة ببيت لحم: " … وبيت لحم. فهناك اثنتا عشرة مدينة بقراها. هذا ميراث بني زبولون. " (يشوع 9: 10-16). وكما هو معروف فإنّ سبط زبولون في كتاب التوراة قد سكن منطقة في الجليل الأدنى تقع إلى الشرق من جبل الكرمل. ومن ذلك أيضاً ما ورد في سفر القضاة: " وقضى يفتاح لإسرائيل ستّ سنين. ومات يفتاح الجلعادي، وقضى بعده لإسرائيل إبصان من بيت لحم سبع سنين. ومات إبصان ودفن في بيت لحم، وقضى بعده لإسرائيل إيلون الزبولوني …". وتعلّق الترجمة الكاثوليكية الجديدة، وتوراة أورشليم الفرنسية على هذا النص بقولها: " إنّ بيت لحم التي يتحدّث عنها السفر هنا هي بيت لحم زبولون، وهي التي ذكرها سفر يشوع 19: 15. وهي بالقرب من الناصرة ".
اعتماداً على ذلك نستطيع القول بأنّ الأخبار التي تواترت إلى مؤلّف إنجيل متَّى عن بيت لحم بأنّها الموطن الأصلي لأسرة يسوع ربّما كانت صحيحة، إلا أنّ متّى وجه أنظار قارئة إلى بيت لحم يهوذا بدلاً من بيت لحم الجليل لكي تنطبق على يسوع النبوءة التوراتية الواردة في سفر ميخا عن ولادة السيح فيها، فقال : " لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مُدَبِّر يرعى شعبي إسرائيل . " (2 :6). بينما وردت نبوءة ميخا في نصها الأصلي على الشكل التالي: " أما أنت يا بيت لحم أفراته، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، ولكن منك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القدم. " (ميخا 5: 2) .
هذا ويطرح المكان الذي أمضى فيه يسوع طفولته وشبابه مشكلات لا تقل عن مشكلات مكان ميلاده. فقد قال متّى في نهاية قصته عن الميلاد إنّ يوسف بعد عودته من مصر خاف من العودة إلى بيت لحم و"انصرف إلى نواحي الجليل وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل في الأنبياء إنه يدعى ناصرياً. " (2: 22-23). وهنا نلفت النظر إلى أنّ اسم المدينة لم يرد في النص اليوناني بصيغة Nasirah (ناصرة –كما ورد في العربية) وإنما بصيغة Nazareth (نازاريت). أمّا النسبة إليها فقد وردت بصيغة Nazoraios (نازورايوس). وقد احتفظت الترجمات الأوربية بصيغة Nazareth كاسم لمدينة يسوع ولكنّها نسبت إليها بصيغة Nazarene الإنكليزية، وصيغة Nazoreon الفرنسية. وهنا تعلق الترجمة الكاثوليكية الجديدة للآباء اليسوعين (1989) على عبارة متّى " إنه سيدعى ناصرياً " بقولها: "ناصرياً: يصعب علينا أن نعرف بدقه ما هو النص الذي يستند إليه متّى من العهد القديم. فاللفظ المستعمل (= Nazoraos) لا يدلّ على أحد سكان الناصرة ولا على أحد من شيعة الناصريين، بل كان متَّى يرى فيه (على ما يبدو) لفظاً يعادل الجليلي (قارن مع متى 26: 69). ولربما أراد متّى أن يشير باللفظة إلى قدوس الله المثالي، إلى النذير أو المنذور لله، على ما نجده في سفر القضاة 13: 5".
وأغلب الظنّ أنّ تعبير Nazoraios اليوناني هو المعادل لتعبير " النذير"، أو "المنذور" الوارد في التوراة، وهو واحد من جماعة النذيرين التي تنفرد بأخلاقيات معينة وممارسات خاصة بهم؛ فهم لايشربون الخمر أو أي شيء مصنوع من العنب، ولا يحتكون لأيّ سبب بجثّة ميت، ولا يقصّون شعورهم، ويتبّعون نظاماً غذائياً صارماً. وقد كان شمشمون واحداً من هؤلاء النذيرين على ما نقرأ في سفر القضاة: "وكان رجل من صرعة من عشيرة الدانيين اسمه منوح وامرأته عاقر لم تلد، فتراءى ملاك الربّ للمرأة وقال لها: ها أنت عاقر لم تلدي، ولكنك تحبلين وتلدين ابناً. والآن فاحذري ولا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً. فها أنت تحبلين وتلدين ابناً ولا يعلو موسى (= أداة الحلاقة) رأسه، لأن الصبيّ يكون نذيراً لله من البطن، وهو يبدأ يُخلِّص إسرائيل من يد الفلسطينيين. " (القضاة 13: 5).
ويرد ذكر هؤلاء النذيرين في مواضع عدّة من كتاب التوراة، ومنها ما ورد في سفر النبي عاموس في معرض تنديده بخطايا بني إسرائيل: "… وأنا أصعدتكم من أرض مصر وسرت بكم في البرية أربعين سنة لترثوا أرض الآموري، وأقمت من بينكم أنبياء ومن فتيانكم نذيرين. أليس هكذا يا بني إسرائيل يقول الربّ؟ لكنكم سقيتم النذيرين خمراً وأوصيتم الأنبياء قائلين لا تتنبأوا. " (عاموس 2: 10-12) .
وكان النبي الكبير صموئيل منذوراً للربّ من بطن أمّه أيضاً. نقرأ في سفر صموئيل الأوّل: 1، أنّ رجلاً من أفرايم اسمه ألقانه تزوّج من امرأة اسمها حنّة ولكنها لم تنجب له نسلاً. فكانت تذهب كلّ سنة لتسجد للربّ عند مذبحه في مدينة شيلوة وتسأله أن يفتح رحمها. وفي إحدى السنين قصدت شيلوة فصلت إلى الربّ وبكت بكاء مرّاً ونذرت نذراً وقالت: يا ربّ الجنود إن نظرت إلى مذلّة أَمتك وذكرتني ولم تنس أمتك بل أعطيتها زرع بشر فإنّي أعطيه للربّ كلّ أيام حياته ولا يعلو موسى (= أداة الحلاقة) رأسه. ثم أكثرت من الصلاة دون أن ترفع صوتها وشفتاها تتحركان كمن يهذي، فظنها الكاهن سكرى فقال لها: " حتى متى تسكرين؟ انزعي خمرك عنك." فقالت حنة: " لا يا سيدي، إني امرأة حزينة الروح ولم أشرب خمراً بل أسكب نفسي أمام الربّ." فقال لها الكاهن: اذهبي بسلام وإله إسرائيل يعطيك سؤلك." وعرف ألقانه بعد ذلك زوجته فحبلت وولدت ابناً دعوه صموئيل قائلة لأني من الربّ سألته. وحين فطمته أصعدته وجاءت به إلى الربّ ّّّفي شيلوة وقدّمت قرباناً للربّ أمام الكاهن وقالت له: " وأنا أيضاً التي وقفتْ لديك هنا تصلّي لأجل هذا الصبيّ فأعطاني الربّ سؤلي. وأنا أيضاً قد أعرته للربّ، جميع أيام حياته هو عارية للربّ (صموئيل الأول 1: 1-28) .
ويتحدّث النبي إرميا عن نفسه كنذير للربّ من بطن أمه: " فكانت كلمة الربّ إليّ قائلاً: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجتَ من الرحم قدستك، جعلتك نبياً للشعوب. فقلتُ: آه يا سيد الربّ، إني لا أعرف أن أتكلّم لأني ولد. فقال الربّ لي: لا تقل إنّي ولد لأنك إلى كلّ من أرسلك إليه تذهب وتتكلّم بكلّ ما آمرك به. ومدّ الربّ يده ولمس فمي وقال الربّ لي: ها قد جعلت كلامي في فمك." (إرميا 1: 4-8). ونقرأ في سفر إشعيا على لسان المخلّص الذي سيبعثه الربّ لبني إسرائيل مسيحاً: " الربّ من البطن دعاني، من أحشاء أمّي ذكر اسمي، وجعل فمي كسيف حادّ. في ظلّ يده خبّأني وجعلني سهماً مبرياً في كنانته أخفاني … الربّ جابلي من البطن عبداً له لإرجاع يعقوب إليه فينضمّ إليه إسرائيل، فأتمجد في عيني الربّ وإلهي يصير قوتي. " (إشعيا 49: 1-5) .
ويقول الملاك لوالد يوحنا المعمدان عندما جاءه ببشارة حمل زوجته العاقر: "لا تخف يا زكريا لأنّ طلبتك قد سُمعت وامرأتك أليصابات ستلد لك ابناً وتسمّيه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته، لأنّه يكون عظيماً أمام الربّ، وخمراً ومسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لوقا 1: 13-15). وفي أناجيل الطفولة المنحولة نجد أنّ مريم العذراء كانت نذيرة للربّ أيضاً. ففي إنجيل يعقوب التمهيدي تقول حنة أمّ مريم للملاك الذي بشّرها بالحبل: "حيّ هو الربّ، إذا ما أنجبت ذكراً أو أنثى فسوف أنذره للربّ ليخدمه كلّ أيام حياته." وبعد أن صارت الطفلة قادرة على المشي أخذها أبواها إلى هيكل الربّ وفاءً بالنذر، وهناك أقامت إلى سنّ المراهقة.
ونجد أصول هؤلاء النذيرين في الإصحاح السادس من سفر العدد حيث نقرأ: "وكلّم الربّ موسى قائلاً: كلّم بني إسرائيل وقل لهم: إذا انفرز رجل أو امرأة لينذر نذر النذير، لينتذر للربّ، فعن الخمر والمسكر يفترز ولا يشرب خلّ الخمر ولا خلّ المسكر، ولا يشرب من نقيع العنب ولا يأكل عنباً رطباً أو يابساً. كلّ أيام نذره افتراز، لا يمرّ موسى على رأسه إلى كمال الأيام التي انتذر فيها. للربّ يكون مقدساً، ويربّي خصلات شعر رأسه. كلّ أيام انتزاره لا يأتي إلى جسد ميت." (العدد 6: 1-6) .
هذا المعنى لتعبير Nazoraios اليوناني أو Nazarene الانكليزي، يتأكّد لنا عندما نعلم أنّه لم توجد في عصر يسوع مدينة اسمها Nazareth في أي مكان في الجليل. فهذا الاسم غير موثّق في التوراة أو التلمود، وهي لا تظهر على الخرائط والمصورات الجغرافية العائدة إلى القرن الأوّل والقرن الثاني الميلادي. كما أنّ المؤرّخ اليهودي يوسيفوس الذي أمدّنا في نهاية القرن الأول الميلادي بقوائم ومعلومات عن كلّ مدن وبلدات وقرى فلسطين، لم يأت من قريب أو بعيد على ذكر مدينة تدعى Nazareth أو ما هو قريب من هذا الاسم (2) .
هذا وتعزّز التنقيبات الأثرية في الموقع الذي يدعى الناصرة اليوم هذه المعلومات المستقاة من التاريخ. يقول الباحث أيتيان نودي الأستاذ في مدرسة أورشليم للدراسات الكتابية والأركيولوجية ما يلي: " لقد أجرينا تنقيبات أثرية في Nazareth تحت الكنيسة (= بازاليكا) الحالية، فوجدنا بعض البقايا التي ترجع إلى القرن الثاني وما بعده، أما من القرن الأوّل فلم نجد شيئاً واضحاً، إن لم نقل أكثر." ويقول المؤرّخ الفرنسي بيار أنطوان برنهايم إنّ Nazareth لم تكن موجودة أيام المسيح، وهذه حقيقة ثابتة من الناحية الأركيولوجية والتاريخية. وهكذا يقول أيضاً الشارح الكاثوليكي الكبير م.أ. بومار في دراسة له عن أنجيل مرقس، وغيره من الشارحين أمثال تروكمى وكروسمان وكولبير وغيرهم (3) .
كيف إذن تمّ الربط بين Nazareth الواردة في النص اليوناني للإنجيل، وبين الموقع الجليلي المعروف باسم الناصرة؟
خلال القرون الأولى للميلاد عندما كانت العقيدة المسيحية في طور البناء، راح آباء الكنيسة يوثّقون كلّ موقع جغرافي ذي صلة بحياة يسوع وكلّ قرية ومدينة وبقعة. وبما أنّ مثل هذا التوثيق لم يكن ناجحاً في العديد من الحالات، فقد عمد الخيال الشعبي من ناحيته إلى ربط أحداث معيّنة بمواقع مختلفة في كثير من الأحيان، حتى صار للحادثة الواحدة أكثر من موقع مفترض، ولا أدلّ على ذلك من أنّ الحجّاج إلى أرض الإنجيل يُطاف عليهم بسبعة أماكن يقال إنّ الملاك قد ظهر فيها لمريم العذراء في قصة البشارة. ويبدو أنّ الساعين إلى التوثيق الرسمي للمواقع الإنجيلية قد أفادوا في العديد من الحالات مما سبقهم إليه الخيال الشعبي. وهذا ما حصل فيما يتعلّق بموقع Nazareth . فبعد أن فشلت كل الجهود في إيجاد موقع بهذا الاسم في طول الجليل وعرضه، تمّ العثور على مزرعة صغيرة فيها عدّة بيوت حول نبع صغير (يدعى اليوم بنبع السيدة مريم) تدعى باللغة المحلية ناصرة، وهو الاسم الأكثر قرباً إلى الكلمة اليونانية Nazareth . وبذلك أراح الباحثون أنفسهم من مهمّة بدت لهم مستحيلة.
على أنّ مدينة أخرى يمكن أن تطرح نفسها كبديل للناصرة وهي كفر ناحوم، التي نفهم من روايات الإنجيل أنّها تقع على الشاطئ الشمالي لبحر الجليل (=طبريا). فإنجيل متّى يخبرنا أنه بعد هبوط الروح القدس على يسوع عقب اعتماده في نهر الأردن، اعتكف في الصحراء مدة أربعين يوماً. وعندما عاد إلى الجليل: "ترك الناصرة وجاء كفرناحوم على شاطئ البحر في بلاد زبولون ونفتالي، فسكن فيها ليتّم ما قيل بإشعيا النبي: أرض زبولون وأرض نفتالي، طريق البحر عبر الأردن، جليل الأمم، الشعب القاعد في الظلمة أبصر نوراً باهراً، والقاعدون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور." (متى 3: 12-16). وفي موضع آخر يدعو متّى كفرناحوم بمدينة يسوع: " فدخل السفينة وجاء إلى مدينته، وإذا مفلوج يقدّمونه إليه مطروحاً على فراش …الخ " (متّى 9: 1). وفي إيراده للقصة نفسها يقول مرقس: "ثم دخل كفرناحوم … وجاؤوا إليه بمفلوج يحمله أربعة … الخ." . ويبدو أنّها كانت مدينة كبيرة لأنّنا نفهم من متّى 8: 5-13 أنّ مفرزة عسكرية رومانية كانت تعسكر فيها. كما نفهم من مرقس 2: 1 و14 أنها احتوت على مركز لجباية الضرائب. وفي هذا المركز كان متّى العشار (أي جابي الضريبة) جالساً عندما دعاه يسوع للانضمام إليه (متّى 9: 9-13 ، ومرقس 2: 14-17). وفي كفرناحوم أجرى يسوع أكثر معجزاته الشفائية.
ولكنّ المشكلة هي أن كفرناحوم غير موثّقة خارج النص الإنجيلي، شأنها في ذلك شأن الناصرة، ولا يوجد في الجليل حتى اليوم موقع بهذا الاسم، على الرغم من أنّ الرأي السائد الآن هو مطابقتها مع مكان يدعى تلّ الحوم يبعد نحو ثلاثة كيلو مترات إلى الجنوب الغربي من مصبّ نهر الأردن في بحيرة طبريا.
الهوامش :
1 – من أجل هذه المعلومات التاريخية والأركيولوجية عن بيت لحم الجليل راجع كتاب الأب الماروني الدكتور يوسف يمين: المسيح ولد في لبنان، مطبعة القارح، زغرتا – لبنان، 1999. وعلى وجه الخصوص الصفحات 69-132، 664-671. والمصورات الواردة في الصفحات: 156، 416، 433، 664، 671.
2 – من أجل الوضع التاريخي لمدينة الناصرة ، انظر :
- H.Spencer Lewis, The Mystical life of Jesus, AMORC, San Jose,
California, 1953, ch.3 .
3 – من أجل هذه المعلومات الأركيولوجية ومراجعها، انظر الدكتور يوسف يمين في المرجع السابق، الفصل السادس .
عن موقع الأوان




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الضحك على الله

16-أيلول-2017

سحبان السواح

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

فراس السواح: الشيطان هو رمز الحرية في الإنسان.

16-أيلول-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

قول في الفيلسوف

02-أيلول-2017

نصف مليون مريض نفسي فقط في سورية

26-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow