Alef Logo
ابداعات
              

قصة / فاضل بك

توفيق الدالاتي

2009-07-12

Jocelyne Olkiewicz (فرنسا)
منذ يومين و هواء المدينة مشوب بتراب ناعم ينكد على الناس تنفسهم و يرقد على أبواب الشمس كغلالة شفيفة , حاللم يألفه الناس في مثل هذا الوقت من أوائل الخريف خاصة و قد تأخر المطر فتوارى النور , لكن زخات شحيحة من المطر هطلت منذ برهة مسحت الهواء و الغبار و تلقفتها حجارة الطريق السود المصقولة فغدت تبرق و تشربتها جدران وزارة القضاء السامقة و أرواح الهائمين و الضائعين خلف أبوابها الثقيلة .
الزمن يرتسم على صفحة الأسماء على الوجوه التعبة , على حجر الطريق الأسود المصقول تحت غلالة أتربة حمراء دقيقة تتغلغل بين شقوقها و مساماتها الشفيفة, وفي روح الأبواب الخشبية و مساماتها العتيقة و قد تنشقت عبق الأيدي التي تطرقها على مر الزمان, يد ملوثة بالشر و يد بريئة داهمها الظلم...يد ظالم و يد مظلوم.
نفوس عطشى للخلاص تنتظر.. وجوه رجال متعبة و أجساد نساء منهكات و قد اتكأن إلى الجدران خلف الأبواب في انتظار الأذن بالدخول.
1-
أشعل رجل ممشوق القد سيجارة في فمه ثم أخذ نفساً عميقاً حبسه لبعض الوقت, ما لبث أن أطلقه متأملاً تشكيلات الدخان تتلاشى بعيداً ما بين جموع الناس المنتظرين, كان لتلك السيجارة نكهةً لذيذة خاصة بالنسبة لمدخن شره ثري ينتظر متوتراً في ترقب منذ نصف ساعة وهو يلاحق الوجوه المتعبة.
تناول لفافة التبغ من فمه بإصبعين و نظر إليها متأملاً ثم أسند ظهره إلى الحائط منتظراً وسط العديد من المنتظرين و الذاهبين و العائدين ؛ لم تكن الردهة واسعة لتستوعب كل هذا الحشد , سحب نفساً عميقاً مرة أخرى ثم نفخ الدخان نحو الأعلى, فها له علو السقف, سقف يتدلى منه حبلان طويلان في نهايتهما حبا بتا إنارة بالكاد تنيران الدهليز الطويل : "دهليز يفضي إلى عدة قاعات وغرف يجلس فيها موظفون يباشرون قضايا و مظالم الناس " و بدا له السقف مرتفعا جدا و أسود اللون فاعترته رعشة, لكن يداً هبطتْ بقوة على كتفه قطعت عليه استرساله , لم يكن ذلك سوى الأستاذ أحمد الموظف في مكتب فاضل بك باقي, كان صوت لهاثه مرتفعاً لكنه ما لبث أن استجمع أنفاسه المتقطعة من التعب وبادر معتذرا :
-آسف لقد تأخرت و لكن فاضل بك ما زال مشغولاً في قضية معقدة و بعد ذلك سينظر الأستاذ في قضيتك وأظن أن موعدها بعد نصف ساعة.
بيد أن صرخة مرتفعة قطعت استرساله , كانت لامرأة عجوز لاحت بعد برهة تتهادى في سيرها تلتحف بملاءة سوداء تكشف حدبة في ظهرها المتعب و هي تتكئ على الحائط بيد موهنة و تصيح : -(( الله أكبر على الظالم .......)) .
سكت أحمد أفندي للحظة فيما كانت العيون تتابع العجوز بصمت حتى غابتْ و عاد الضجيج إلى ما كان عليه , ثم تابع حديثه :
ـ أستاذنا فاضل بك من أعمدة الوزارة , جهبذ عصره لم ينظر في أي قضية بخبرته الواسعة إلا و وجد لها الحل لديه مفاتيح كثيرة , وكل شيء بثمنه!
و غمز بعين ضاحكة في إشارة خبيثة كان معناها مفهوماً, ثم أكمل :
ــ و هو إلى ذلك كما تعرف ما زال يحتفظ بحيوية يحسد عليها رغم بلوغه الستين , ثم دعا له بطول العمر و دوام الصحة و العافية شفعه فيما بعد ب" أمين" وأردف بعد لحظة تردد استجمع فيه كبرياءه بعد أن لمح تجاهل محدثه:
- البارحة قرأتُ قضيتك و لتكن مطمئنا فالنتيجة مضمونة لا محالة .
و سكت عن الكلام , وقد لاحظ صمت محدثه وشروده, و نظر في ساعة يده مطلقاً زفرة خجولةً.
ارتسم الوقت ثقيلاً قطعه فجأة صوت لغط و هرج و مرج وضجيج غير بعيد فسارع جمع من الناس يتحلق حول باب إحدى الغرف و تناهى إلى المسامع حديث عن أن أحد الموظفين قد أصيب بأ لم شديد في صدره بينما كان يناقش بحدة مراجعاً حاول استفزازه , و ما لبث أن شق الحشد ثلاثة رجال يحملون رجلاً متدثراً في معطف أسود اعتاد ارتداءه فاضل بك باقي.
مذعوراً سارع أحمد أفندي يشق الجمع المتحلق حوله حتى وصل إلى رئيسه المحمول مذعوراً , لكن فاضل بك طمأنه و هو بالكاد يتنفس و اخبره بصوت ضعيف مرتجف بضرورة أن يؤجل قضايا هذا اليوم و أن يتصل بابنه الدكتور عدنان في جامعة الفنون حيث يعمل ليوافيه إلى مشفى المدينة الكبير , ثم غاب الأستاذ فاضل بك في الزحام محمولاً على الأكف .
2--
لم ينقض وقت طويل حتى لاح الدكتور عدنان, و مسرعا عبر بوابة المشفى التي تفتح على ساحة صغيرة تسورها بعض الشجيرات المتناثرة هنا وهناك وبانتظام و كثافة أكثر ما يكون حول بوابة المشفى الحجرية الواسعة . وعلى غير هدى تابع سيره لبضعة أمتار متلفتا لا يعرف من أين يذهب و من يسأل حتى لمح شابا يلبس معطفا أبيض اللون يلبسه عادة الأطباء و الممرضون فاقترب منه و قرأ على لوحة اسمية "الممرض حسن". كان شابا طويلاً مفتول العضلات لم يحكم إغلاق معطفه الأبيض فلاح تحته قميصه الأزرق المفتوح ليكشف عن صدر قوي ممتلئ , و بلهفة راح الدكتور عدنان يسأ له : عن رجل جاء قبل مدة في معطف أسود , فأجاب الممرض بعد برهة بصوت عريض بارد عادي النبرات مطلقاً صوتاً ممطوطاً يؤكد تذكره :
-آه ..... نعم ..... ذاك الذي أحضر إلينا .....
ثم سكت للحظة و من ثم تابع:
- نعم .. نعم استلمناه هكذا.." خالص"
ثم أردف يعد أن لاحظ عدم فهم محدثه و تشوشه :
- لقد أ سلم روحه قبل أن يصل إلى هنا , و بادره بالسؤال مستفسراً : و من تكون أنت؟... ابنه؟
فأجاب الابن بلسان أخرس و الدموع تترقرق في عينه :
- نعم .....أنا, و مسح عينيه المغرورقتين بالدموع مردفاً...... مات .... مات؟.
و هنا استطرد الممرض:
-لا تخف..... لقد وضعتُ أباك هنا, تحت الدرج , و أشار بيده اليمنى إلى إحدى الزوايا البعيدة حيث درج يقود إلى بناء غير مرتفع ربما هو المطبخ .
سارعَ الابن متلهفا بصحبة الممرض إلى ذلك الركن تحت الدرج غير مصدق, كان يحاول أن يجاري الممرض في سرعته لكن قدماه المرتجفتان لم تكونا تطاوعانه ,حتى وصل إلى زاوية تغطيها شجيرة صغيرة فأشار الممرض إلى الأرض مبعداً الأوراق بيده مهمهماً:
-ها..انه هنا.
نظر الابن فوجد جسداً راقداً بين أوراق الشجر اليابسة ملفوفا بمعطف أسود قديم متسخ و قد أحكم ربط المعطف بإزاره ؛ فما كان من الابن إلا أن كشف بأصابع قلقة مرتجفة المعطف عن وجه أبيه, إنه هو , كانت سحنة الخريف الرمادي تمسح وجهه , كان في رقدته الساكنة المستسلمة كحجر نفيس ملقى مصقول علاه بعض من تراب ناعم و يداه تستريحان على بطنه. حملق مذهولاً في الجسد المسجى, في المعطف البالي الوحيد الذي يمتلكه و قد اتسخ, و لطالما كان يرغب عدنان في شراء معطف جديد لأبيه لكن....., و أراد أن يبكي بحسرة ممتزجة بالألم والحيرة و كلمة واحدة ما فتئت تتردد في رأسه :- لماذا؟...لماذا ؟
لكنه تمالك نفسه بعد برهة و سأل الممرض بصوت خفيض تكتمه الحسرة و رغبة في البكاء:
- لماذا ...تحت الدرج ؟
فأجاب الممرض :
- و لو يا أستاذ لقد قدمتُ إليك معروفا , لقد وضعته هنا حتى لا يؤخذ للداخل إلى المشرحة فيحجز و بذلك لن تستطيع أخذ جثة والدك إلا بعد يومين .
ثم أردف بحزم أكبر و بنبرة أعلى بعد أن لاحظ استغراب و حيرة الابن :
- أو ثلاثة و بصعوبة.....و لو يا أستاذ......هكذا هو القانون ..... !
سكت الابن ثم طلب من الممرض أن يساعده في حمل جثة أبيه لكن الممرض استدار مبتعداً دون أن يعيره أي اهتمام فما كان من الابن إلا أن كرر طلبه صارخاً بحزم, عندئذ عاد الممرض و انحنى ممسكا بذراع الابن الدكتور عدنان يجس عضلات ذراعه مستنكرا:
- و لو.... , وأين هي العضلات ؟
رفع الابن ناظريه وقد تحجرت الدموع في عينيه وهو يجثو بقرب أبيه , كان كمن صفع, نظر بوجه الممرض فبدا له بلا ملامح أو تعابير تأمله طويلاً لكن وقوف الممرض مؤذناً بالابتعاد نبهه إلى ضرورة فعل أي شيء.. و دون أن ينبس ببنت شفة , أخرج بعض النقود يدفعها بيد مرتعشة إلى الممرض ليساعده على نقل الجثمان. جثمان الأب الملفوف بمعطفه الأسود البالي الوحيد, فاضل بك.

10.07.2009 توفيق الدالاتي

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

قصة / فاضل بك

12-تموز-2009

الــــخــــــــمـــــــــار الأســـــــــــــــود

18-تشرين الثاني-2008

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow