Alef Logo
دراسات
              

ألغاز الإنجيل / خفايا إنجيل مرقس الإنجيل السرّيّ ولغز التلميذ الحبيب (2/2)

فراس الســواح

2009-07-05


في الحلقة الأولى من هذه الدراسة تحدّثنا عن تفرّد إنجيل يوحنا عن الأناجيل الثلاثة المتشابهة: مرقس ومتّى ولوقا، سواء من حيث رسالته اللاهوتية أو من حيث روايته لأحداث مهمّة بالنسبة لتشكيل العقيدة المسيحية. ولعلّ أهمّ هذه الأحداث التي انفرد بها يوحنا القصة المعروفة عن إحيائه لفتى كان يحبّه اسمه لعازر بعد مضيّ أربعة أيام على موته. ولعازر هذا كان من أسرة غنيّة تمتلك بيتاً واسعاً في قرية بيت عنيا الواقعة على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الشرق من أورشليم، وكان يعيش مع أختين شابّتين له، الأولى تدعى مرثا والثانية مريم. وقد اعتاد يسوع زيارتهم بصحبة تلاميذه الإثني عشر والإقامة عندهم.
عندما كان يسوع مقيماً عند الأردن في الموضع الذي كان يوحنا المعمدان يُعمّد فيه، أرسلت مريم من يخبره بأنّ الذي يحبّه مريض. فمكث يسوع في ذلك المكان يومين، ثم قال لتلاميذه إنّ لعازر قد مات وأنّ عليهم التوجّه إلى بيت عنيا. فلما وصل يسوع علم أنّ لعازر قد دُفن منذ أربعة أيام، وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مريم ومرثا ليعزّوهما عن أخيهما. فلما سمعت مرثا أنّ يسوع آت خرجت لملاقاته بينما مكثت مريم في البيت مع المعزّين. ولمّا لاقته خارج القرية قالت له: يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي. لكنني أعلم أنّ كلّ ما تطلب من الله يعطيك إياه. فقال لها يسوع: سيقوم أخوك. ثمّ إنّ مرثا مضت ودعت مريم سرّاُ قائلة لها إنّ المعلّم قد حضر وهو يدعوك، وتبعها من كان في البيت من المعزّين معتقدين أنّها ستذهب إلى القبر لتبكي هناك. ولمّا رأت يسوع خرّت عند رجليه قائلةً: يا سيّد لو كنت هنا لم يمت أخي. فلما رآها تبكي والذين جاؤوا معها يبكون أيضاً اضطربت روحه وقال: أين وضعتموه؟ قالوا: يا سيّد تعال وانظر. فبكى يسوع فقال اليهود انظروا كم كان يحبّه، فاضطربت روحه ثانيةً وتقدّم من القبر وقال لهم أن يرفعوا الحجر الذي يسدّ مدخله. فقالت له مرثا: يا سيّد، قد أنْتنَ لأنّ له أربعة أيام. فأجابها يسوع: إن آمنت ترين مجد الله. فرفعوا الحجر ونظر يسوع إلى السماء وقال: أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي. وأنا علمت أنّك تسمع لي في كلّ حين، ولكن قلتُ هذا من أجل الجمع الواقف ليؤمنوا أنّك قد أرسلتني. قال هذا وصرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجاً. فخرج الميت وهو مربوط بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم حُلّوه ودعوه يذهب. (يوحنا: 11)
بعد ذلك اعتزل يسوع وتلاميذه في البرية لأنّ الكهنة والفريسيين تآمروا لقتله لمّا آمن به عدد كبير من الناس بعد قيامة لعازر. وقبل الفصح بستة أيام عاد إلى بيت عنيا فصنعوا له عشاءً وكان لعازر أحد المتكئين معه إلى المائدة، وكانت مرثا تخدم. عند ذلك أخذت مريم زجاجة فيها مناً (= 300غ) من عطر ناردين خالص غالي الثمن ودهنت قدمي يسوع ثم مسحته بشعرها فامتلأ البيت برائحة الطيب (يوحنا 12: 1-3). بعد ذلك يختفي ذكر لعازر ولا يظهر خلال الأحداث العاصفة التي انتهت بصلب يسوع. وهذا أمر ملفت للنظر إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك المحبّة العميقة التي جمعت بينهما.
على أنّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة على القارئ الحصيف للعهد الجديد هو التالي: إذا كانت معجزة إحياء لعازر تمثّل قمّة معجزات يسوع، وتعتبر بمثابة البرهان الساطع على أنه مرسل من قبل الآب، فلماذا انفرد إنجيل يوحنا بروايتها وسكتت عنها بقية الأناجيل؟
بقي هذا السؤال بلا جواب مقنع حتى عام 1958، عندما اكتشف الباحث مورتون سميث في بقايا أرشيف دير مار سابا الواقع على مسافة 20كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة القدس، نسخة عن رسالة مكتوبة باللغة اليونانية وجهها اللاهوتي المعروف كليمنت الاسكندراني، الذي نشط في أواخر القرن الثاني الميلادي، إلى قسّ فلسطيني يدعى تيودور، يجيبه فيها على عدد من الأسئلة بخصوص وجود إنجيل سرّي لمرقس يسرد أحداثاً لم يرد ذكرها في الإنجيل المتداول، تستخدمه طائفة معروفة باسم الكاربوكريتيين (نسبة إلى معلمهم كاربوكريتوس). وقد عثر مورتون سميث على هذه الرسالة مطوية ضمن غلاف جلديّ لكتاب مطبوع في القرن السابع عشر وضعه أحد آباء الكنيسة غير المشهورين. وقد عرض سميث الرسالة على عدد من الاختصاصيين الذين أكدوا أصالتها وتطابق لغة النص وأسلوبه مع لغة وأسلوب كليمنت المميز.
بعد نشر سميث لنص رسالة كليمنت، جاءنا الجواب على السؤال المطروح. لأنّ الرسالة تقرّ بوجود إنجيل سرّي لمرقس يعود بتاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، أي إنه أقدم بكثير من نص مرقس الذي عُثر عليه في دير سانتا كاثرينا والذي يعود بتاريخه إلى مطلع القرن الثالث الميلادي. وفي هذا الإنجيل السرّي ترد قصة إحياء يسوع لفتى ميت في قرية بيت عنيا، وهي تشترك في معظم عناصرها مع قصة إحياء يسوع للفتى لعازر. كما أنها تنتهي بخلوة طقسية بين يسوع والفتى الذي أقامه من بين الأموات. فلقد أحبّ الفتى يسوع بعد صحوته وتوسّل إليه أن يبقى معه. ثم جاءه مساءً وهو يرتدي ثوباً من الكتان على جسده العاري، وقضى الإثنان تلك الليلة في ممارسة طقس تـنسيبي معين من شأنه أن يجعله "عارفاً بأسرار ملكوت الله" على حدّ تعبير النص. وكما سنلاحظ من ترجمتي الكاملة لرسالة كليمنت، فإنّ يوحنا قد أدخل عدداً من التعديلات على قصة مرقس الأقدم عهداً قبل أن يتبنّاها، بما في ذلك تغاضيه عن الخلوة الطقسية بين الطرفين.
ولكن إذا كان إنجيل يوحنا وهو الأبعد في مضمونه ورسالته اللاهوتية عن إنجيل مرقس، فلماذا تبنى القصة بينما رفضها متّى ولوقا وهما اللذان اعتمدا مرقس مصدراً رئيسياً لهما على ما أثبتنا في الحلقة الماضية؟ إنّ المسألة كما أراها هي أن دافع متّى ولوقا إلى رفض قصة إحياء يسوع للفتى، هو الدافع نفسه الذي حدا بيوحنا إلى قبولها بعد تعديلها، أي خوفه من سوء فهم المبتدئين في الدين للخلوة الطقسية بين يسوع والفتى. وقد ألمح كليمنت في رسالته إلى مثل هذا التفسير عندما قال إنّ مرقس قد أعدّ إنجيلين؛ الأوّل ظاهري بثّه في الناس يحتوي على سيرة يسوع وأعماله وأقواله، وهو موجّه إلى المبتدئين في الدين، والثاني روحاني باطني موجه إلى من تعمقوا في خفايا الدين وغاصوا في أسراره. يضاف إلى ذلك أنه تلقّى عن يسوع تقاليد سرانية لم يدوّنها، من شأنها أن تأخذ بيد المريدين إلى قدس أقداس الحقيقة. ولهذا يقول كليمنت لسائله بأننا لا يمكن أن نقول الأشياء الحقيقية لكلّ الناس، وعلينا في مواجهة الكاربوكريتيين الهراطقة الذي يعتمدون على إنجيل مرقس السرّي من أجل تبرير ممارساتهم الخليعة، أن ننكر تحت القسم أنّ مرقس هو كاتب هذا الإنجيل. وإليكم النص الكامل للرسالة مترجماً عن كتابThe Other Bible وهو من إعداد وتحرير WillisBarnston، الصفحات 341-342:
" لقد فَعلتَ حسناً بردّك على تعاليم الكاربوكريتيين النجسة. فهؤلاء هم الكواكب التائهة ممن أشارت إليهم نبوءات الكتاب المقدس، الذين يصدون عن الطريق الضيق للوصايا، ويولون وجوههم نحو الغور السحيق للخطايا الجسدية الشهوانية. إنهم بافتخارهم بامتلاك المعرفة، التي ليست إلا معرفة بسبل الشيطان، إنما يلقون بأنفسهم إلى التهلكة في عالم الظلمة السفلي. وهم في ادّعائهم الوصول إلى الحرية إنما يقعون عبيداً لرغباتهم وشهواتهم. مثل هؤلاء الناس ينبغي مقاومتهم بكل الوسائل الممكنة. وحتى حين يقولون شيئاً صحيحاً فإنّ على من يحب الحقيقة ألا يوافقهم، لأنّه ليس كل الأشياء الحقيقية هي حقيقة، ولا ينبغي على الحقيقة وفق ما تراها الآراء الإنسانية أن تكون مفضلة على الحقيقة بحسب الإيمان.
"وفيما يتعلق بالأشياء التي يروونها بخصوص إنجيل مرقس الذي دُوّن بإلهام إلهيّ، فإنّ بعضها مزوّر جملةً وتفصيلاً، وبعضها الآخر يحتوي على جزء من الحقيقة ولكنه منقول بشكلٍ محرّف، لأنّ الأشياء الحقيقية عندما تمتزج بالاختلاقات فإنها تتحرّف. وعلى ما يقول المثل، فإنه حتى الملح يفقد طعمه.
"خلال مرافقة مرقس لبطرس الرسول عندما كان مقيماً في روما، قام بكتابة نص عن أعمال يسوع ولكنه لم يذكرها جميعاً، مثلما لم يُشر أيضاً إلى تعاليمه السرية، وإنما اختار منها ما رآه مناسباً لتدعيم إيمان مَن هم في طور التعلم. وعندما استُشهد بطرس جاء مرقس إلى الإسكندرية جالباً معه نوطاته الخاصة وتلك التي لبطرس، ومنها نقل إلى كتابه السابق ما وجده مناسباً للتمعن في المعرفة، ووضع إنجيلاً روحانياً من أجل الساعين إلى كمالهم في الدين. ولكنه مع ذلك لم يكشف على الأشياء التي لا يجب النطق بها. ولم يُدون التعاليم التأويلية للسيد، وإنما أضاف قصصاً جديدة إلى تلك التي أوردها سابقاً. وذكر أقوالاً يعرف مدلولاتها باعتباره متضلعاً في أسرار الدين، والتي من شأنها أن تأخذ بيد مستمعها إلى قدس أقداس الحقيقة المخفية وراء حُجب سبعة. وعندما حضرته المنية أودع مُؤَلَّفه هذا لدى كنيسة الإسكندرية حيث بقي في حرز حريز لا يَطّلع عليه إلا أولئك الذين جرى تقديمهم إلى الأسرار الكبرى.
"ولكن بما أنّ الشياطين الحمقى يبتكرون دوماً وسائل من أجل تدمير الجنس البشري، فقد زيّنوا للكاربوكريتيين أن يستميلوا أحد قسس كنيسة الإسكندرية من أجل العمل معهم، فحصل لهم على نسخة من الإنجيل السرّي وفسّره لهم وفق آرائه التجديفية والشهوانية، كما وأنه مزج الكلمات الطاهرة فيه بأكاذيب نجسة. ومن هذا المزيج استمد الكاربوكريتيون تعاليمهم.
"من هنا، وكما ألمحتُ سابقاً، على المرء أن يصمد أمامهم عندما يعرضون تحريفاتهم، وينكر أن إنجيل مرقس السري هو من تأليف مرقس ولو كان ذلك تحت القسم. ذلك أن الأشياء الحقيقية يجب ألا تقال لكل الناس. ولهذا قالت حكمة الربّ من خلال سليمان: "أجب الأحمق من خلال حماقته"، أي إن نور الحقيقة يجب ألا يُعرض للعميان. وقالت أيضاً: "يؤخذ من الذي ليس عنده" و"دع الأحمق يعمه في الظلام". ولكننا نحن أبناء النور، استنرنا من الأعالي بفجر روح الربّ، وحيثما روح الربّ هنالك الحرية، وكل الأشياء طاهرة بالنسبة للطاهر.
"ولذلك فإنني لن أتردد في إجابتك على أسئلتك التي توجهتَ بها إلي، داحضاً بذلك الافتراءات من خلال كلمات إنجيل مرقس السري نفسها. فبعد قوله (في الإنجيل الذي بين يديك، الإصحاح 10 الآية 32) "وكانوا في الطريق صعوداً إلى أورشليم" إلى نهاية قوله: "وفي اليوم الثالث يقوم" (الآية 34)، فإنّ الإنجيل السرّي يضيف المادة التالية التي أُوردها لك كلمة فكلمة:
"ثم جاؤوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: يا ابن داود ارحمني. فانتهرها التلاميذ. ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث القبر الذي دُفن فيه. ولدى اقترابه نَدَت من داخل القبر صيحة عظيمة. فدنا يسوع ودحرج الحجر عن مدخل القبر ودخل لفوره إلى حيث كان الفتى فمدّ ذراعه إليه وأقامه ممسكاً بيده. ولما رآه الفتى أحبّه وتوسّل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما من القبر توجهوا إلى بيت الفتى لأنه كان غنياً. وبعد ستة أيام لقّنه يسوع ما يتوجّب عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتى وهو يرتدي ثوباً من الكتان على جسده العاري وبقي معه في تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت الله. وعندما قام عاد إلى الجهة الأخرى من الأردن."
"بعد هذا المقطع، يتابع النص (المعروف لديكم - الآية 35): وتقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي… وذلك إلى آخر المقطع (في الآية 45). ولكن: رجل عارٍ إلى رجل عارٍ، وكل الأشياء التي كتبتَ إلي بخصوصها، فهي غير موجودة. وبعد قوله (في الآية 46): وجاءوا إلى أريحا. يضيف إنجيل مرقس السري هذه الكلمات فقط: وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع، وأمه، وسالومة، موجودتين هناك ولكن يسوع لم يجتمع بهم. أما بقية الأشياء التي كتبتَ لي بشأنها فهي من قبيل التزوير. هذا هو الشرح الحقيقي الذي ينسجم مع الفلسفة الحقة."
من مقارنة نص قصة إحياء يسوع للفتى في كل من إنجيل مرقس السري وإنجيل يوحنا، نجد عدداً من نقاط الاختلاف بين القصتين. فالإنجيل السرّي لا يذكر لنا اسم الفتى بينما يسمّيه إنجيل يوحنا لعازر. والإنجيل السرّي يتحدّث عن أخت واحدة دون أن يسمّيها، بينما يتحدّث إنجيل يوحنا عن أختين إحداهما مرثا والأخرى مريم. تدعو الأخت يسوع في الإنجيل السرّي بـ"يا ابن داود"، وهذا اللقب ينسجم مع لاهوت إنجيل مرقس وبقية الأناجيل الإزائية، بينما تدعوه الأختان في إنجيل يوحنا بـ"يا سيد". في الإنجيل السرّي يتقدم يسوع ويدحرج الحجر بنفسه عن مدخل القبر، أما في إنجيل يوحنا فيطلب ممن حوله دحرجة الحجر. في الإنجيل السرّي يكون لاقتراب يسوع من القبر فعل المعجزة لأنّ الفتى يصحو وتصدر عنه صيحة عالية، ثم يدخل يسوع ويمدّ يده للفتى وينهضه؛ أما في إنجيل يوحنا فإنّ يسوع يقف خارجاً ويهتف بصوت عال: لعازر هلمّ. فيخرج الفتى وهو مربوط بالأقمطة. ولكن على الرغم من هذه الاختلافات فإننا أمام قصة واحدة رويت من خلال تنويعين. ففي كلا الروايتين نجد أن مسرح الحدث هو قرية بيت عنيا التي وصل إليها يسوع قادماً من نهر الأردن، وهنالك امرأة مات أخوها جاءت ورجت يسوع أن يحييه، ثم ينتهي الحدث بانبعاث الفتي من القبر.
ومن الملفت للنظر أن إنجيل مرقس المتداول على الرغم من حذفه لقصة إحياء يسوع للفتى وما تلا ذلك من طقس ليلي. إلا أنه احتفظ بمكان ما بإشارة تدل على قيام يسوع بمثل هذا الطقس. ففي مشهد القبض على يسوع في بستان جتسماني الذي لا يبعد كثيراً عن قرية بيت عنيا في جبل الزيتون نقرأ الجملة الآتية الخارجة عن سياق الحدث: "وتبعه شاب لابساً إزاراً على عريه فأمسكه الشبان (الذين جاءوا للقبض على يسوع) فترك الإزار وهرب عارياً." (مرقس 14: 51). وبدون أي تفصيل آخر يتابع كاتب الإنجيل: "ومضوا بيسوع إلى دار رئيس الكهنة..الخ.". وقد بقيت هذه الجملة موضع جدل بين المفسرين على أن ظهرت تلك الشذرة من إنجيل مرقس السري لتزيل عنها الغموض، وتشير إلى وجود حادثة محذوفة شبيهة بحادثة الطقس الليلي في الإنجيل السري لم يبقَ منها إلا نهايتها.
والسؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل غاب لعازر فعلاً عن بقية أحداث الإنجيل كما توهم الباحثون في كتاب العهد الجديد؟ في الإجابة على هذا السؤال سوف أغامر بطرح نظرية مفادها أن لعازر الذي صادفناه في رواية إنجيل يوحنا لحادثة بيت عنيا، سوف يبقى لصيقاً بيسوع ومرافقاً حتى موضع الصلب، وذلك تحت لقب "التلميذ الذي أحبه يسوع" دون الإشارة إلى اسمه.
إذا عدنا القهقرى إلى حادثة إحياء يسوع للشاب في إنجيل مرقس السرّي وفي إنجيل يوحنا، نجد أنّ القصتين تؤسّسان معاً للقب "التلميذ الذي أحبه يسوع" في الإشارة إلى لعازر. ففي رواية يوحنا نجد أن الأختين ترسلان إلى يسوع قائلتين: "يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض"، وذلك في الإشارة إلى لعازر ولكن دون ذكر اسمه. وفي الشذرة الثانية من إنجيل مرقس السري يقول المؤلف: "وجاءوا إلى أريحا. وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع وأمه وسالومة موجودتين هناك." بعد ذلك يتابع هذا الفتى ظهوره تحت هذا اللقب. ففي مشهد العشاء الأخير قال يسوع لتلاميذه: "الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني.. وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له: يا سيد من هو؟" (يوحنا 15: 21-25).
وبعد القبض عل يسوع تفرّق التلاميذ، ولكنّ سمعان بطرس والتلميذ الآخر الذي يحبّه يسوع تبعاه عن بعد: "وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع. وكان ذلك التلميذ معروفاً عند رئيس الكهنة، فدخل مع يسوع إلى دار رئيس الكهنة، وأما بطرس فكان واقفاً خارجاً عند الباب. فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة وكلم البوابة فأدخل بطرس." (يوحنا18: 15-16).
وعندما رُفع يسوع على الصليب كان التلميذ المحبوب وحده واقفاً مع النساء تحت الصليب بينما كان بقية التلاميذ مختبئين: "وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه مريم، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية. فرأى يسوع أمه وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. فقال لأمه: أيتها المرأة هذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هذه أمك. فأخذها إلى بيته من تلك الساعة." (يوحنا19: 25-27. عن الترجمة الكاثوليكية). وعندما جاءت مريم المجدلية في أول الأسبوع إلى القبر باكراً ونظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، ركضت "وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه." (يوحنا 20: 1-2). وعندما ترك يسوع تلاميذه بعد آخر ظهور له عقب قيامته وقال لبطرس أن يتبعه، التفت بطرس: "فرأى التلميذ الذي كان يحبه يسوع يسير خلفهما، ذاك الذي مال على صدر يسوع في أثناء العشاء… الخ." وفي نهاية هذا المقطع يُختتم نص إنجيل يوحنا بإشارة صريحة إلى أن كاتب الإنجيل هو التلميذ المحبوب نفسه: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حقّ." (يوحنا: 21).
عندما جرى إقرار الأناجيل الأربعة المقبولة رسمياً من قبل الكنيسة في أواخر القرن الثاني الميلادي، وعُزي الإنجيل الرابع إلى التلميذ يوحنا ابن زبدي مثلما عُزيت بقية الأناجيل إلى أصحابها المفترضين، جرى العرف السائد على المطابقة بين التلميذ الذي أحبه يسوع وبين التلميذ يوحنا ابن زبدي باعتباره مؤلف الإنجيل الرابع. ولكن المشكلة تكمن في أن اسم يوحنا لم يرد صراحة في أي موضع من الإنجيل الرابع، وذلك عدا إشارة عابرة إلى ابني زبدي وهما يوحنا ويعقوب أخوه (يوحنا21: 2). أما التلميذ "الذي أحبه يسوع"، وهو اللقب الذي أُطلق على لعازر للمرة الأولى، فيتابع ظهوره إلى جانب يسوع تحت هذا اللقب، ثم يكشف عن هويته أخيراً بأنه مؤلف الإنجيل الرابع. فمن هو المؤلف الحقيقي لإنجيل يوحنا؟
في الحقيقة هنالك عدد من الباحثين في العهد الجديد قد لاحظوا ما لاحظته من صلة بين لعازر والتلميذ الغامض الذي أحبه يسوع الذي يتكرر ذكره في الإنجيل الرابع، ولكنهم لم يكونوا مستعدين للخروج عن التقاليد الراسخة التي تعزو الإنجيل الرابع إلى يوحنا ابن زبدي فخرجوا برأي مفاده أن لعازر الذي أحياه يسوع هو في الواقع اسم آخر ليوحنا ابن زبدي. ومن ثم جرت المطابقة بين الشخصيتين. ولكن هذا التفسير لا يصمد أمام النقد المعتمد على نصوص العهد الجديد نفسها. وإليكم الأسباب:
1-ينتمي يوحنا ويعقوب ابنا زبدي إلى أسرة جليلية، أما لعازر فينتمي إلى أسرة أورشليمية.
2-لا نعرف عن وجود أخ للعازر بل أختان هما مرثا ومريم.
3-كان يوحنا وأخوه صيادي سمك في بحيرة طبرية بالجليل، ثم تبعا بعد ذلك يسوع في حله وترحاله، وهما يظهران في بعض المشاهد مع أمهما بصحبة يسوع (راجع متى 20: 20). أما لعازر فكان مستقراً في بيت كبير على مقربة من العاصمة كان من السعة بحيث يتسع ليسوع وتلامذته ليبيتوا فيه عدة أيام. ولعل من دلائل ثراء أهل هذا البيت وجود قبر فخم منحوت من الصخر في فنائه. ولا يحدثنا النص عن وجود أم للعازر التي يبدو أنها متوفاة، وكانت الأخت الكبرى مرثا هي المدبرة لشؤون المنزل.
4- إن التلميذ الآخر الذي تبع يسوع مع بطرس عقب القبض عليه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون يوحنا صياد السمك المتواضع الحال، لأن هذا التلميذ كان معروفاً من قبل رئيس الكهنة، وهو الذي توسط لبطرس من أجل الدخول إلى بيت رئيس الكهنة. هذه الحظوة الخاصة التي تمتع بها التلميذ عند رئيس الكهنة الذي يبدو أنه كان على علاقة طيبة مع أسرته الغنية، هي التي شفعت للتلميذ الذي أحبه يسوع أن يشهد عملية الصلب دون خوف من الاعتقال، في الوقت الذي تفرق فيه بقية أصحاب يسوع واختبأوا.
اعتماداً على هذه المقدمات التي أجدها في غاية المنطقية، أتوصل إلى نتيجة مفادها أن التلميذ المحبوب لعازر هو مؤلف الإنجيل الرابع وليس يوحنا ابن زبدي. أو أن الكاتب المجهول حاول إفهامنا أن لعازر هو مؤلف الإنجيل. وفي كلا الحالين فنحن أمام نتيجة ثورية بكل المقاييس. أطرحها أمام الباحثين في كتاب العهد الجديد من أجل المناقشة والردّ.

عن موقع الأوان

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاقون عاما

27-أيار-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow