Alef Logo
المرصد الصحفي
              

ادفنوهم بسرعة حتى لا تكون فتنة

طلال سلمان

2006-08-18

تقاطروا من كل حدب وصوب، رجالاً ونساءً وفتية وأطفالاً، تسبقهم لهفتهم ويخنقهم الخجل من إظهار الحزن على الشهداء فترفع الأمهات أصواتهن بالزغاريد بينما الدموع تسحّ على خدودهن التي جرحتها لوعة الغياب.
أعيدت للشهداء أسماؤهم التي كانت قد قصفتها الطائرات حتى كادت تمحوها... كُتب على كل نعش اسم مَن كان <مجهولاً> فاحتسب كرقم فقط، فاستعاد <الشهيد> هويته الكاملة ومسقط رأسه ووالديه وعائلته.
كان الشهداء قد غدوا رموزاً تستمد قداستها من دمائهم المراقة من أجل أن تبقى أرضهم لهم، ومن أجل أن يبقوا في أرضهم، لا يغادرونها ولا هي تغادرهم بل تستعيدهم إلى رحمها ليكونوا السهل والجبل والقمح والعنب والزيتون والمشمش والتبغ والحبق والورد الجوري.
مشت المواكب متباطئة. لا أحد يتعجّل الوداع الأخير: امنحوهم فرصة أن ترف على أجداثهم نسمة من هواء وطنهم، وامنحونا فرصة أن نسمعهم كلمة شكر على أنهم افتدونا من دون طلب، ومن دون منة، وأنهم نزفوا آخر قطرة من دمائهم من دون أن تصدر عنهم صرخة وجع قد يسمعها العدو فيفترض أنه قد هزمنا في أرضنا هذه التي هزمته مرات ومرات وحرمته من ادعاء الانتصار عليها.
تمايلوا بنعوشهم قليلاً، ولتكن زفة عرس جماعي لهؤلاء الذين اصطنعوا بأرواحهم أمننا. بلّغوهم أن تضحياتهم قد فجّرت مسلسلاً من الفضائح السياسية والعسكرية والمالية والأخلاقية في صفوف قيادة عدوهم الإسرائيلي، لا هو يعرف كيف يوقفها، ولا النجدة الأميركية السريعة تساعده في طمسها.
ولكن، رجاء لا تبلغوهم ما تفجّر من جدل سياسي في لبنان، الذي بالكاد عرف شيئاً من الحوار الوطني، لكنه بُتر قبل اكتماله في ظهيرة ذلك الاثنين الواقع فيه 12 تموز .2006
رجاء لا تزعجوا رحلتهم الأخيرة فتخبروهم بما يقول بعض أهل السياسة جازمين بمسؤولية الضحية عن الجريمة. وكيف لكم أن تصارحوهم بأن بعض القادة حاولوا ويحاولون اغتيال إنجازهم، بعدما دفعوا حياتهم رخيصة لاستخلاصه من براثن الوحش الإسرائيلي بآلة حربه الجهنمية.
رجاء لا تدعوهم يسمعون أو يقرأون بعض ما يُقال وما يُطلق من
اتهامات رعناء، وما يشيَّع من استنتاجات مضللة، وما يدبّر من فتن لتبرئة العدو وإدانة المقاومة، كأن الذود عن الأرض قد بات جريمة يعاقب عليها المجتمع الدولي، أو أن حماية الوطن بطوفان الدماء قد صار تهديداً للسلامة العامة وتصديعاً للدولة.
.. لكن بعض محترفي السياسة، تجار الحروب، يتعجّلون تشويه المعنى وإحراق الرموز وطمس تخليهم بل هربهم من أداء الواجب المقدس، برمي ماء النار على النصر واعتباره تهديداً للوحدة الوطنية.
رجاء لا تزعجوا الشهداء في لحظاتهم الأخيرة معنا بإبلاغهم آخر ما توصلت إليه البلاغة الخطابية عند أبطال الحروب الأهلية في لبنان: إن المقاومة مدانة بنصرها! ولو أن العدو كان قد أصابها في مقتل لكانوا أدانوها بتهمة التسبّب في إضعاف المناعة الوطنية وإضاعة الوطن ووحدة شعبه!
إن المقاومة متهمة الآن بأنها قد خلخلت الحياة السياسية، والمؤسسة العسكرية، وحركة استقدام المستعمرين إلى الأرض الفلسطينية، والاقتصاد في إسرائيل، فهل أفظع من هكذا جرائم؟!
ثم إن المقاومة متهمة بأنها أربكت التحالفات الدولية، فافترق بعض أوروبا (وفرنسا في الطليعة) عن الإدارة الأميركية، ولو لأسباب تكتيكية، وموقتاً، وتخلخلت علاقة العالم الإسلامي بهذه الإدارة، وخاب فأل الأنظمة العربية بالقدرة الإسرائيلية وبالخطط التي لا يأتيها الخطأ لا من خلفها ولا أمامها، خصوصاً وهي معززة بالعبقرية الأميركية وبحماية مجلس الأمن الدولي.
أيها الشهداء: ما أفظع جرائمكم!
هيا ادفنوهم بسرعة، واخلوا الساحة، قبل أن يعود الجيش الذي لا يُقهر إلى إكمال المهمة الموعودة وهي: تحرير لبنان من سلاحه المقاوم. أما سلاح الحرب الأهلية فمتاح لكل من يطلبه.
عجّلوا! وبدلا من أن تسجّلوا طلبات للتعويض عن آثار الهمجية الإسرائيلية، عجّلوا فاطلبوا سلاحاً لحروب الداخل، التي ينفخ في نارها الذين يكرهون النصر فيحاولون اغتياله حتى من قبل أن نفرغ من إعادة الشهداء إلى الأرض التي أنبتتهم والتي ستعيد خلقهم، غداً، ليكونوا مستقبلها.















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

سعدالله ونّوس: أرقّ إنسان عرفته

21-تشرين الأول-2017

ادفنوهم بسرعة حتى لا تكون فتنة

18-آب-2006

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow