Alef Logo
ابداعات
              

أقوى الأحبة من أوجعوك عميقا

تغريد كشك

2009-05-01

عزيزي،

اليوم بدأت أستجمع قوتي من جديد لأكتب لك، أعرف أن رسالتي هذه المرة تبدو لك مختلفة، وقد تكون طويلة جداً على غير ما اعتدتُ عليه.
قررت اليوم أن أكتب لك لأن ذكرياتي أصبحت تحاصرني، تدفعني نحوك، تدعوني لأن أعانقك بقوة، تدعوني لأتلمس بحنان جرحك النازف داخلي.

ها أنذا اليوم أعترف لك بأني كنت أبحث عنك قبل أن نلتقي، وعندما قررت أن ألقي عليك نظرتي الأولى مع أول تحية إنما كنت أحاول أن أختبرَ عناق روحِك للمرة الأولى، عندها فقط قررت أن أبحثَ عن ذراعيك وعن دفءِ احتضانك، علمتُ حينها أنّا التقينا بلا استئذان وأنَا بحاجة إلى الكثير من الحظ لنتمرد على قسوة القدر ولنوفقَ ما بين الحب والحياة ضمن متناقضات أصبحت فيما بعد أقوى منا بكثير.

كم أصبحت صعبةً تلك الليالي التي أحاول فيها الوصول إليك، إلى قلبك، إلى شرايينك، وكم هي صعبةٌ تلك اللحظات التي أبحثُ فيها عن صوتك، عن أشيائك وعن رائحتك، كم هي شاقةٌ لحظات الموت وأنا أبحث عنك!

ها هو الليل قد بدأ يُعلن انتصافَه وبدأت وشوشاتُ الصمت تنتشر، صوتُ الريح يعلو، يتلو ويبوح، يجلسُ فوق مقاعد انتظاري، يداعبُ نعاسَ أجفاني ........... يُجبرني صمتك على الكلام فأقبلُ حوارَ الفصول الصامت بيننا، أنتظرُ أن يمرَ طيفك، صوتك أو بعضُ كلمات مختصرة سريعة الحركة بطيئة التأثير يحلو لك دائماً أن تسميها رسالة قصيرة، رسالتك تبعث في نفسي قلقاً يزيد من الطمأنينية المفتعلة التي أحاول إظهارها.

لم يعد خيالي الآن قادراً على افتعال صورة لواقع بدأ يبتعد عني ويغيب، وها أنا أجري نحو سنة جديدة، وأعرف أن السنوات الماضية لن تغفرَ لي مهما توسلتُ لها، ومع ذلك فإنه يصعب علي أن أنفصل عنها فهي وعود سابقة لحب لم يبدأ بعد.

دخان سيجارتي الأخيرة أغرقني في دائرة من النسيان أو من لا شيء، أحلم بك بهدوء وبعض أحلامي ما تزال عالقة في دوائر الدخان ورائحة الأحلام تغمرني، أحاول أن أبعدها عني ثم أحاول أن أمسك بها من جديد.

أنا الآن امرأة عادية تحيط بي هالات من دخان الأحلام القادمة، لم أكن أتوقع هذه الوحدة، لم تتلبسني حالة الخوف من قبل ولم أحلم بأن أكون امرأة عادية خائفة ينخر الحب يباس عظامها، ترتدي اسماً لم تسمعه من قبل وتتقمص حباً لم تكن ترغب به وتخفق في إعطائه اسماً حقيقيا.

ابتسم الآن كلما طالبتني نفسي بالتبرير، فأنت لم تفهم معنى أن أتخلى عن ذاتي مقابل نعم أقولها بتردد واضح، ولن تفهم معنى أن أتخلى عن كل الأشياء لأكون معك طيفاً يستدرج ظله ليبتسم، ومع ذلك لم أعد أعرف لماذا تتلبسني حالة الفشل أحياناً كلما فكرت بك؛ رغم أني أحاول الابتعاد عن نداءات تستمر في دق أجراس الهرب في داخلي، لكني عندها أعود لأتقمصَ دور امرأة اخرى لا تشبهني لكنها تستمر في ملاحقتي، أتذكر حينها أننا لم نعتد الحب منهجاً لحياتنا ولم نرسمه طريقاً يسمو بنا ويترفعُ عن غرائزنا.

قبل أن ألجأ اليوم لقراءة رسائلك السابقة لي كنت قد بدأت أشعر بالخوف، أحسست أن ساعات النهار قد بدأت تتسرب من بين أصابعي كما يتسرب الماء، أبحث عن ذلك الحاجز الذي يفصِلُك عني فلا أجدُ سوى الخوف، أتيت إليك وكلي رغبة في أن أتكلم، نظرت نحوك أعطتني ملامحك معنى للرفض فصمتت وأبعدت
وجهي عنك لئلا تلحظ َ دمعاً في عيني.

لأنني إمرأة وأنت رجل؛ عرفت أن أكبر ما يمكن أن أحققه هو الايحاء لكَ بأنك رجل حرّ غير مراقَب، تأتيني بشوق، تكلمني بلهفة لأنك ترغب في الكلام وليس لأنك مرغم عليه........وعندما تصمت كنت أعرف أنك بحاجة الى خلوة مع نفسك حتى في أثناء وجودي.

لأنني امرأة عرفت أن رجلاً لا يمكنُ أن يحبَ امرأة كما تحبني أنت .... ولكني عرفت أيضا أنه حتى الحب الكبير المتبادل يمكن أن يموتَ إذا تلاشت الثقة أو أفسحت مجالاً للشك ليسير معها في طريق الحب.

حاولتُ معك بشيء من الصبر والصراحة والتنازل، حاولت أن أكسر حاجزاً وضعتَه أنتَ وحدك بطبيعتك الهائجة، بانفعالك السريع، بالشك الدائم وعدم الثقة، بصمتكَ أحياناً وبالفلتات اللسانية التي تصدر عنك أحيانا أخرى، باتهاماتك وبإهمالك ........ حاولت وبكل ما أملك من صبر، حاولتُ أن لا أدخل معك في
نقاش حاد، أن لا أدخلَ معك في مشاجرة...ولكن!

الآن أصبحتُ أرى أكثر مما حولي، أغادر ذاتي نحو بيتك، أجد نفسي أصعد سلماً دائريا، أحس بالدوران ثم يصيبني الخرس عندما أراهم ينتظرون خيالي القادم نحوهم بخوف، كل هذه الأصوات لا تستجيب إذ أنادي باسمك عند أعلى السلم الدائري، يتردد صدى صمتي خائفاً من اثنيّ عشر ذراعاً تحاول أن تضمك دفعة واحدة، أنظرُ إلى صدري بارداً وإلى ذراعيّ عاريتين مثل حجر وفارغتين حتى من الهواء .

بدأتُ الآن أعودُ من حلمي قليلاً كما يفعل القديسون، أتذكرُ وعودك لي بالسعادة، تتمددُ أصابعك في راحتي بارتجاف وهي تبحثُ عن ذاتها، أتجاهلُها قليلاً لألتقطَ كلمات أغنية صاخبة في منتصف الليل، فأنا كثيراً ما كنت أمد لك يدي فيقفزُ من أصابعك الظلام ليلتقطَ أصابعي بشدة، كنت تقولُ حينها أن أقوى الأحبة من أوجعوك عميقا.

تشتدُ وطاةُ الليل، يتسللُ البردُ إلى أطرافي الهادئة، يخرجُ صوتُك من إطار الصورة، ولكني اكتشفُ أن الصوتَ القادم نحوي ما هو إلاّ صوت صنبور ماء يختلسُ البكاءَ ليلا، عندها فقط تأبى الغصة أن تنتقلَ من حلقي إلى عينيّ، غيرَ أن الظلام يمر الآن، ويحدثُ أن الريح في الهزيع الأخير من الليل قررت أن تُطفىء مصباحي وأن الظلام بدأ يحجب عني كل الرؤى الجميلة لبعض الوقت.

عزيزي،
لن أكذبَ عليك هذه المرة؛ ولكن يبدو أن حلمي قصير التفاصيل؛ لم يستطع أن يمتد بأصابعه أكثر من المسافة ما بين أواخر حزيران وأوائل الربيع، دقات الساعة الرابعة صباحاً أيقظتني باكراً لأستقبل صباحي وأنا مصابة بشهوة الموت فبدأتُ أرتبُ عاداتي هذا الصباح فوق الطاولة وأملي يستبكي حلماً ضائعاً ما بين الحقيقة والهذيان، لم أعد ألوي على شيء سوى التحديق في عينيك، لم يكن حلمي سوى نداء حب هارب أصابه الجنونُ سريعاً قبل الذبول.
لا أعرفُ عزيزي هل كنتُ حقاً أحتاج إلى الحزن؟ إلى احتساء قهوة سوداء وقراءة صفحة الوفيات في الجريدة؟ أم أن حياتي كانت تسير دائماً نحو آخر الليل قليلاً ثم تعود من جديد حياةً تنتظر الحياة؛ تماماً مثل برعم يغفو على نصف انحناءة وردة؛ ثم يحاول أن ينهض من جديد لينحت له قوس قزح مختلف خلف الضباب؟!
الساعة الآن تقترب من الثامنة صباحا، وأنا أرتب أشيائي داخل حقيبة يدي وأقرر هذا الصباح أن أترك هاتفي النقال مهملاً فوق السرير لأن رسالتك القصيرة لن تنهض من لونها الحجري بعد اليوم.
أعود عند الظهيرة من رحلتي الشمالية الحزينة، ساعةُ يدي تضغط على الثواني السريعة وعلى خفق ذكريات تذهب نحوك دائما ولا تعود.
كان حبك مثل عيش الأشياء للمرة الأولى والأخيرة، شمعة تذوب ويبقى نورها مجرد تذكار محفوظ خلف ستائر الموت البيضاء، كان ضياعاً يشبه احدى حكايات الجدة التي جاءتنا دون طريق ولم تبحث لدينا عن رصيف انتظار، حكاية تائهة توزع ابتساماتها على العابرين خلف الأعوام.
صوتك الآن قريب مني لكنك أبعد من خيال شاسع، أتذكرُ قصيدتي الأولى لك، وقصيدتي الأولى عنك، أتذكر أيضاً أنك لم تقرأ هذه القصائد بعد وقد لا تقرؤها أبدا.
أتذكر حلمي الأول معك، أمانينا الصغيرة التي لن تتحقق أبدا، أتذكرُ كيف عانقتك للمرة الأولى طيفاً جميلاً خائفا، أتذكر قبلتنا الأولى وتلك السنوات الطويلة التي هربت منا دون استئذان.
اليوم أخرجُ من تفاصيل حروفي وأنا أكتب لك، أخرج من تفاصيل صباحي الشائب ومن تعاويذ عشقك، أحاول أن أهرب قوية مثل الريح، خفيفة مثل الفراشة، أحاول أن أنجو بآثامي القادمة دون ألم أو دموع، أحاول أن أتخلص من أشيائك، من قصائدك، من رسائلك ومن صوتك دفعة واحدة، أحاول أن أنجو بما تبقى في داخلي من حدائق بيلسان لم تتلمسها يداك.
اليوم وجدتك مدينة غريبة بعيدة، كأني أسكنها لأول مرة، حفظتُ طرقها وكل أزقتها، دخلت كل مبانيها وتعرفتُ إلى كل ساكنيها، ولكني عرفت أخيراً أن الانسان مهما عرف مدن الآخرين فلن يشعر بالانتماء لها حتى لو أحسن التعرف عليها والتقرب إلى كل ساكنيها، هكذا أنا اليوم، أعرفك وأحفظ دقات قلبك، أسكن
عينيك وأعرف كل طرقك لكني أبدا لن أنتمي لك.

كنت أجد نفسي تبحث فيك عن آدم وحيد، وأعود اليك كأنني حواء الوحيدة التي تسكن جنة عينيك، اعتقدت أني سأبقى أقاسمك الرؤى والضياء وقررت أن أبقى فالتصقت أكثر بشفتيك وحاولت أن أغرس لحمي في عظامك، كأنني حواء منذ وجود الوجود وكأنك أول آدم ينفصل تكويني عن جسمه، كأنما أنا أول حواء !

لكني عرفت اليوم أن الأيام بدأت تتسابق؛ فقد ضاعت منا الحقيقة وبقي الكذب يحاول أن يحمي الحب....أن يبني له جدارا خلف الحقيقة فينهدم.
عرفت أن للحقيقة جرح وللكذب جرح، لكن الحقيقة تأتي اليك وتعترف فتصحو عندها على نزف الدم وترتحل في محاولة للبحث عن دواء، أما الكذب فيأتي ليراوغ وينتقم فيغيب الألم عن الجرح وتنسى النزف وتبتسم.

عزيزي،

قررت منذ اليوم أن أكتفي فقط بسرقة لحظة صمت عبر أسلاك لامرئية تصل بيننا لأردد لك، بل لأصرخ عبر المدى أني ما زلت أحبك وأني اشتاق لك دائما، وأني من أجلك فقط قررت إعادة المحاولة لأن حبك في قلبي أكبر من القدر ومن الغربة ومن الموت، وأنك عندما تغيب تكون قد تركتني غريبة منفية بدون هوية أو وطن، سأقول لك دائماً بأن حبك يكفيني لأحيا منذ اليوم، وأني سأترك للحياه أن تصنع مني انساناً دون أن أتدخل أنا في تفاصيل ما يحدث، سأجعل نفسي قطعة طين وأترك للحياة أن تشكلها حسب ما تريد هي وليس وفق ما أريد انا.
تسألني كيف يمكن لي هذا وأنا أعيش دوامة نفسي بل أحيانا أشعر أن قلبي صديق لا استطيع أن أفرض عليه ارادتي؟
وأقول لك بأني منذ اليوم قررت أن أقبل بما تعطيني الحياة و قررت أن أسرق لحظات سعادتي من قلب الألم.





















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

زمن الخوف

25-أيلول-2009

قبل اكتمال المواجع

18-تموز-2009

أقوى الأحبة من أوجعوك عميقا

01-أيار-2009

من مذكرات الغياب

24-شباط-2009

لدي الكثير من الأحلام

27-كانون الأول-2008

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow