Alef Logo
يوميات
              

ماذا لو تم اشتغال (خلطة فوزية) تراجيدياً ؟

آلجي حسين

2009-03-23


استهوت السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة موضوعات تتعلق بمناطق الحي العشوائي أو المخالفات في أحياء مصرية مختلفة، وأدخل مخرجوها كاميراتهم في عمق هذه الحارات لتبيان تأثير الأمكنة على مصائر الشخصيات دون إغفال معالجة العلاقة القائمة بين الإنسان والمكان .
في فيلم (خلطة فوزية) نحن أمام حالة امرأة تتزوج خمس مرات ولا ترى الاستمرار إلا مع الخامس الذي يصغرها في السن كما يبدو، وتجتمع العائلة كلها بمن فيهم الأزواج الأربعة السابقين في ليلة كل خميس حيث تطبخ لهم فوزية من خلطاتها العجيبة ما لذ وطاب، وبموت أحد أزواجها السابقين في ليلة عرسه تبقى صورته مداومة في ذهن فوزية أينما حلت .
بناء السيناريو كان متيناً للغاية وجاءت الأحداث لتؤدي بعضها للآخر، وتم اشتغال المشاهد في كل ثانية منها حيث امتلأت بالصدمات الدرامية والحبكات الفرعية، وفي الوقت الذي جاءت فه خطوط البناء الدرامي بشكل غير تصاعدي أو تدرجي، غير أن ما ميز ذلك هو الحبكة المتوترة الهادئة والسريعة الإيقاع في آن واحد، إلا أن السيناريو في أحايين قليلة لم يعطنا تفصيلات كثيرة عن شخوص العمل بمن فيهم الأزواج السابقين وكان من المتوقع الاستغناء عنهم بعد الطلاق، لكنهم رجعوا وفرضوا أنفسهم كأبطال أساسيين وأخذوا أدوارهم، ومن هنا نقطة القوة في الفكرة التي بدت استثنائية وهو من أهم شروط السيناريو .
الفكرة إذاً قد تبدو غريبة لكن التعايش معها يجعلها أمراً قابلاً للحدوث، ففي مجتمعات شرقية أو إسلامية ينعدم الاتصال بين الزوج والزوجة بعد الطلاق، لكن المؤلف يبررها هنا باعتبارها تحدث في منطقة للمخالفات، ووفقاً لذلك فكل ما هو مخالف يحدث هنا .
إن دخول الكاميرا بلقطاتها إلى أعماق العشوائيات يعطي المشاهد جرعة إضافية من الواقعية، ليندرج النص تحت مسمى الأدب الواقعي ولاسيما في طبية العلاقات التي تربط بين الشخصيات، فهي علاقات إنسانية متحررة بامتياز، علاقات ليس لها الوجود الكافي .
جاءت الحارة نظيفة من المشاكل وبدت أقرب إلى المثالية، وهذه ناحية جيدة في النص، لأنه من المتعارف بين الناس بأن هذه الأحياء تمتلأ بالجريمة والإرهاب والدعارة والمخدرات ولاسيما في مصر، لكن المخرج لم يعرّج على ذلك، فصحيح أن الحارة فقيرة وملوثة وأن هناك امرأة شهوانية وهي جارة فوزية، لكن الأرواح والبراءة كانت الأسمى.



(فوزية) امرأة شعبية تقليدية تسكن في أحد الأحياء الشعبية ولديها حاجة للاستقرار النهائي بأي ثمن وفقاً لدوافع تتعلق بالأمومة على سبيل المثال، فتحاول إشباع الحاجة بأساليب عدة، وفي زواجها الأخير يحصل الاستقرار المطلوب، وكأن الرجل الذي يصغر زوجته في السن هو الأفضل، أما الآخرون الذين فشلت العلاقة الزوجية معهم فكان الصعيدي واليتيم والسّكير، وهذه المقارنة بين العوالم المختلفة كفيلة بخلق حلول إخراجية معادلة لحاجات الشخصية السيكولوجية .
ففوزية امرأة متسامحة وتتميز بقدر معقول من الجمال، وهي مشغولة على الدوام بصنع مربى الفواكه لبيعه، وبذلك تساعد زوجها، في حين أن الشخصيات الأخرى لم تكن معقدة، وهو متطلب مهم للفيلم السينمائي لأن التعامل معها سيكون سهلاً بالتأكيد .
الخلطة التي تصنعها لا تشير إلى تلك الوجبات الغريبة، لكن الدلالة تعود أيضاً لشدة اختلاط الأمور بعضها ببعض في حارة عشوائية كهذه، فهاهي تخلط بين الأزواج الخمسة وتسمح لهم بالمجيء كل يوم خميس، وهو يوم يعرفه كل الأزواج، وتخلط بالتالي في علاقاتها مع جيرانها، وضحكتها وصوتها بشكل عام لهو خلط معبر، أما الخلطة الأقوى فكانت بموت ابنها العاجز، وهذه الخلطات أو الاختلاطات أدخلت المتفرج في عمق شخصية فوزية وعمق البيئة المكانية المختلطة .
يجب تبيان مبدأ أن السينما هي محاكاة للواقع، لكن الأسلوب هو إعادة بناء الواقع من جديد، وهذه هي الواقعية في التعامل مع الأمور، وبناء الصورة السينمائية يعتمد بالدرجة الأولى على شدة ارتباطها بالواقع، لكن ليس الواقع كما هو، بل الواقع السينمائي عبر زوايا ولقطات تعكس موضوع الفيلم، وفي فيلم (خلطة فوزية) نجد أنفسنا أمام صورة بصرية معبرة عن أحلام صغيرة لهؤلاء المتعبين، فقد يكون الحلم هو بناء حمام صحي ونظيف أو شراء مرآة وهكذا ....
هذا الفيلم لوتم تجسيده بصرياً لكانت النتيجة أقوى، لكن كثرة الحوارات والصخب استفزت المشاهد بصوتها العالي، ففترات الصمت كانت غير محسوبة ، هذه الفترات ضرورية جداً لمنح المتفرج متسعاً للتخيل، فهذه الحوارات الطويلة والتي لم يخلو مشهد منها كان بالإمكان التخفيف منها .
ففيلم (خلطة فوزية) يقدم تلك الخلطة المركبة من مواد عدة خلال حارة عشوائية هامشية تفتقد للوجودية وتؤمن بالحياة المؤقتة طريقاً للحل النهائي، لكن ماذ1 لو تم اشتغاله تراجيدياً ؟ فحالات الموت والإحباط العديدة كان ستقدر على منح الفيلم بصمته التراجيدية، ففوزية بعد موت زوجها تحلم بغد مشرق رغم كل الصعاب، لكن السؤال هو : لو كان الفيلم تراجيدياً هل كان سينجح ؟

(خلطة فوزية) فيلم مصري من تأليف (هناء عطية) وإخراج (مجدي أحمد علي) وبطولة (إلهام شاهين) و(فتحي عبد الوهاب) و(غادة عبد الرزاق) و(عزت أبو عوف) و(هالة صدقي) و(لطفي لبيب) و(حجاج عبد العظيم) و(مجدي فكري) و(نجوى فؤاد) و (عايدة عبد العزيز)، سبق أن فاز بجائزة أفض ممثلة لإلهام شاهين في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي .


آلجي حسين
Alchy-husein@hotmail.com




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاقون عاما

27-أيار-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

لتدمنَ مدينتي مدينتِك

31-آذار-2013

وأنتِ تبكين

05-كانون الثاني-2013

أيا طلعة الفجر

11-أيلول-2012

معارك

06-كانون الثاني-2012

صهٍ يا قلبي

16-أيلول-2011

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow