Alef Logo
ضفـاف
              

كيف تتبدّى ملامح الأفكار الذكية في الأفلام السينمائية ؟

آلجي حسين

2009-02-20


تدفعنا الفكرة الغريبة التي يدور حولها مضمون أي فيلم إلى البحث عن مكنونات وتفاصيل أخرى تقودنا في النهاية إلى الوصول إلى الحقيقة المطلقة، فالفكرة التي يحملها الكاتب في ذهنه إلى المخرج الذي يقوم بتحويل النص إلى صورة هي المرحلة الأصعب والأرقى في نفس الوقت، لأن عالم السينما إضافة إلى تقنياته الهائلة إنما يبحث اليوم عن أفكار جديدة غريبة والأهم من كل هذا وذاك ذكية .
الفكرة الذكية تبدو غالباً أكثر خطورة من غيرها من الأفكار الموجودة أساساً، والفكرة الجديدة لا تعني أن الواقعة ليست موجودة أساساً وإنما ابتدعها الكاتب من خياله، وقد يكون ذلك، لكن الموهبة تكمن في مقدرة المؤلف على استنباط الأفكار الجديدة المخفية في طيات المجتمع التي تحتاج إلى تسليط الأضواء عليها، باستثناء بعض الأفكار التي تعتمد على الخيال العلمي، لكنها بالضرورة لا تبتعد عن معطيات حياتية موجودة أساساً تبنى على أساسها الأفكار الجديدة .
كتّاب الأفكار أو رجال الأفكار (ideaman)، هؤلاء أشخاص معروفون على مستوى هوليوود، وقد يحصل أحدهم على ثمن فكرته وهو يلقيها شفاهياً، إذ أن البراعة هي في كونهم يستخرجون من عمق المجهول ما يريده الجمهور وما يقبل عليه بنهم، فالنمطية والروتين لا مكان لها في عالم السينما ربما، وكم من أفلام حملت أفكاراً ذكية جداً .
لا يصح القول هنا دون إعطاء أمثلة توضح صحة هذا القول، ففيلم (منزل البحيرة the house of the lake ) الذي يجسد فكرة الزمن ويبدو عدم الوضوح السمة البارزة عليه للوهلة الأولى وتسيطر عليه غموض الحبكة الدرامية، لكن التركيز الذي يلزمه كفيل لفهم المحتوى بشكل جيد، وهذا الفيلم يحدثنا عن الصراع بين شخصين (شاب وفتاة)، وهذا الصراع الدرامي هنا ليس بين الخير والشر أو البقاء والفناء، بل بين العمر والزمن، وماهية العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل من جهة وتأثير ذلك على الإنسان من جهة أخرى .
يصل جمالية الفيلم السينمائي إلى ذروته عندما تتلاحم الفكرة الذكية وتقترن بنص وسيناريو مبدع وخلاق وتتجسد عن طريق ممثلين موهوبين، دون نسيان العوامل الفنية الأخرى، أي الالتصاق التام بين الفكرة والموارد المادية والبشرية أيضاً .



إن مشكلة الأفكار الذكية تكمن أحياناً في بعض الأفكار التي تعتمد على الخيال الصرف دون إعطاء أية أهمية لمجرى الحياة المعاشة، وتصل هذه الفكرة بشكل أو بآخر إلى مستوى عميق من التعقيد الدرامي العصي على الفهم، وتختلط الأوراق (الحابل بالنابل) كما يقال، وهذه الإشكالية تعود إلى نقطة ضعف يعاني منها المؤلف أو مبتدع الفكرة .
ابتكار الفكرة يشبه بصورة ما اختراعاً علمياً، ففي حين أن الأولى تؤثر على عقول الملايين من خلال المشاهدة في وسائل الإعلام الجماهيرية المختلفة، تنفرد الثانية بخصوصية فريدة من نوعها تتجلى في التغيير الكبير الذي يفرض نفسه بقوة على الإنسان الذي يجب أن يواكبه .
والسؤال الذي يبحث عن إجابة مناسبة في عالمنا العربي هو : ما مدى استخدام الأفكار المبتكرة في صناعة الأفلام السينمائية ؟
الجواب يتضمن شقين، فأما الأول فهو في ابتعادها النسبي عما يسمى بابتداع فكرة ذكية نظراً لعدم توافر الإمكانيات اللازمة المادية منها والبشرية، في حين أن الثاني هو الميل نحو التفنن في استخدام الكاميرا لمضمون نصي فارغ غير هادف، أي الانجذاب نحو إبراز عضلات المخرج .
إذاً أن ابتداع الفكرة الذكية لا يولد من رحم نص المؤلف فحسب، بل من عمق نظرة المخرج الرؤية الإخراجية )، فأي خلل أو نقص في مجرى النص يتكفل المخرج بسده بعد المشاورة العلمية الدقيقة مع المؤلف والطاقم الفني بمجمله .
المخرج ذو نظرة حادة تكشف التفاصيل حتى في أصغر قطعة ديكورية، واختيار اللقطات بحد ذاته ذكاء، وهناك مقولة تؤكد أن عشرة نصوص غير منتجة تتحول إلى عشرة أفلام بوساطة عشرة مخرجين، ولكل واحد منه توجهه ورؤيته الإخراجية والفنية والجمالية فيما يتعلق بالصوت والماكياج والأداء والفضاء الدرامي و ......
المؤلف والمحرج والممثل ذلك الثلاثي الهرم كل منهم يمتلك فكرة أحادية، وعند اجتماع هذه الأفكار يتم التوصل إلى صيغة متكاملة تضفي بعدً نفسياً ودرامياً وجمالياً سواء للصراع الدرامي أو للعمل ككل .
درجت العادة هذه السنوات سواء من قبل المؤسسات الإعلامية أو حتى شركات الإنتاج السينمائي والتليفزيوني على اجتذاب هؤلاء الذين بحوزتهم أفكاراًً جديدة، فلم تعد الصحف التي تعتمد على الكليشيهات الثابتة تقرأ ولم تعد الأفلام ذات المضامين الروتينية والنمطية تشاهد، فصارت الحاجة إلى هؤلاء في مقدمة سياسات المؤسسات والمنظمات الولية فيما يتعلق بمجال العلاقات العامة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مستقبلها سواء في اكتساب أكبر عدد ممكن من الجماهير وبالتاي جذب كميات كبيرة من الإعلانات، أي الربح المادي .

لا يخفى على أحد حجم ما تقدمه شركات الإنتاج السينمائية من أفلام ذات محتوى هابط مقارنة مع مثيلاتها من الأفلام الراقية، والفرق والجهد ما بين هذين المنتجين واضح وضوح الشمس في كبد السماء، نظراً لمدى التعب الذي يحتاجه المحتوى ذو الفكرة الجديدة .
فكرة الزمن، فكرة الصراع، فكرة الأمل، فكرة الخير، فكرة البقاء والخلود، فكرة الإيمان بالله، وغيرها من الأفكار يتم التطرق إليها بأكثر من صورة في الإنتاجين العربي والعالمي، وعلى النقيض من ذلك تنفرد السينما الهندية مشكلة لوحدها غطاء فكرياً خاصاً بها، ربما يساهم في تعميق الكثير من القيم في مجتمعاتنا الشرقية ، فالفكرة التي يطرحها أي فيلم هندي معروفة منذ البداية، ولا سبيل إلى الاجتهاد والتكهن في مستقبلها، ويكتفي الإعداد لمجموعة من الروتينيات داخل مضمون الفيلم مع نوع من الصراع على حبيبة العمر دون منح الفرصة لمكونات فنية أخرى – رغم تطورها التكنولوجي – تعبر عن نفسها، مع العلم أن السينما الهندية تطورت في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بالمضمون الفني مع قليل من العنف (الأكشن) .
رغم ما تشهده سوق السينما العالمية من التنوع الهائل في أفلامها، إلا أن الندرة واضحة في تلك التي تحتوي أفكاراً ذكية يخترعها الإنسان الكاتب والمخرج في عصرنا هذا، وتبقى الحاجة ماسة إلى صناعة سينمائية تعتمد على الأفكار كأساس للنجاح المرتقب، وللوصول إلى هذه المرحلة يجب التوجه نحو تخطيط متجانس يعتمده العقل الإنساني على البحث عن مكنونات القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والحياتية كافة لتكون خير دليل على واقع الإنسان المعاصر في رحلة بحثه وصراعه الدائم مع الحياة والقدر، وهذا التخطيط يصطدم بنظريات تتعلق بالفكر الفردي والجماعي، فهناك من يرى في الشخص الواحد أصل النجاح، في حين ينظّر الآخرون مفهومهم للعمل الجماعي وبأن الحياة قائمة أساساً على الاجتماع فالإنسان لن يستطيع العيش منعزلاً عن الآخرين، ولكل نظرية من هذه النظريات وجهتها النظرية العلمية التي تبرر أقوالها وأفعالها بين الفكرة والممارسة .

آلجي حسين
Alchy-husein@hotmail.com





تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الضحك على الله

16-أيلول-2017

سحبان السواح

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

لتدمنَ مدينتي مدينتِك

31-آذار-2013

وأنتِ تبكين

05-كانون الثاني-2013

أيا طلعة الفجر

11-أيلول-2012

معارك

06-كانون الثاني-2012

صهٍ يا قلبي

16-أيلول-2011

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

قول في الفيلسوف

02-أيلول-2017

نصف مليون مريض نفسي فقط في سورية

26-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow