Alef Logo
دراسات
              

في صناعة الأفلام السينمائية / الصراع بين الموارد البشرية والمادية

آلجي حسين

2009-02-11


عندما نشأت السينما تلك النشأة الكيميائية المتواضعة في فرنسا، لاقت الرواج الأعظم ما بين الناس المتعطشة لهذا الفن العظيم ،ولم يكونوا يتخيلون أنها في يوم من الأيام سوف تحتل العقول والقلوب أيما احتلال، وستعود على الدولة بأرباح اقتصادية وسياحية لا حصر لها .
العقل البشري بالطبع كان السبب في ظهور الفن السابع المعتمد على البحث العلمي الدقيق عن مكنونات الأمور وسرّ تفاصيلها الحيوية، لتساهم بشكل فعال في الترويج لحضارة ولغة وثقافة شعب من الشعوب ولو على حساب ثقافة الآخر المنهزم .
عند الحديث عن السينما يتبادر إلى الذهن فوراً مدينة (هوليوود)، تلك المدينة السينمائية الهائلة المليئة بالمخرجين والكتاب والممثلين والمنتجين والفنيين الآخرين وغيرهم، هؤلاء الذين مهدوا للسينما الأمريكية وأعطوها بعداً يكاد يقترب من الكمال الفني والجمالي .
إن ذلك العقل البشري الخصب لدى كتاب (هوليوود) مكّنهم من الولوج إلى أقصى تجليات الخيال الذي يعكس بشكل واضح في الأفلام التي نشاهدها، وليس القصد هنا أفلام الخيال العلمي بقدر ما هو الخيال الفانتازي الذي لا زمان أو مكان له، وإن مسيرة هؤلاء تبدو صعبة للغاية في بحثهم الدائم عن أفكار ذكية تقيم العالم ولا تقعدهم، لتبدأ سلسلة من المفاجآت والصدمات الدرامية فيما بعد .
المؤلف بطبيعة الحال هو الفكر النيّر والعقل المدبر الذي يختار فكرة الفيلم ومضمونه ورسالته وحتى جمهوره المستهدف ليوجه المخرج فيما بعد، لكن السؤال هو: من أين يحصل الكاتب على تلك الأفكار الذكية الجديدة التي لم يتطرق إليها أحد بعد ؟
كما هو معروف في (هوليوود) فأن هناك أصنافاً عديدة من الكتّاب منهم (كتّاب الأفكار idea man) هؤلاء يبيعون أفكارهم وأغلبهم يحصل على ثمنها وهو يتحدث أمام اللجنة شفهياً، فضلاً عن (كتّاب السيناريو drama man) و (كتّاب الفكاهات gag man) و(كتّاب المواقف ) وغيرهم كثيرون .
إن هذه المسألة المعقدة تدل على عمق القراءة هناك وعشق الكتاب، في وقت استولت فيه السينما على ألباب الجميع، إلا أن الكتاب مازال يمتلك تلك الخصوصية الصدقية، التي تعتبر مصدراً هاماً من مصادر الكاتب في الحصول على معارفه، إضافة إلى وسائل الإعلام الجماهيرية والمعايشة المباشرة مع الناس، فضلاً عن خيال الكاتب السالف الذكر .
إن الفكرة الجديدة تستهوي المشاهد قبل كل شيء، أما طريقة اختراع عقل الإنسان لها فذاك أمر علمي ونفسي بحت، وتتحول الفكرة المكتوبة على الورق إلى حادثة مصورة بجهود المخرج، ذلك الإنسان الذي يمتلك نظرة خاصة ورؤية هي سر وصوله إلى عمق مهنته هذه، وهذه الرؤية ناتجة عن دماغه المتعود على الممارسة اليومية في التعايش مع طاقم فني هو يعلم جيداً تصرّفاته وميوله وطاقاته .
هذا يدلنا بشكل أو بآخر إلى مسألة التقنيات التي يستخدمها المخرج ليعبر بها عن أفكاره الجديدة، ولتكون ساعده الأيمن في إخراجه للنص الموجود بين يديه، والمشكلة تكمن هنا، فهذا الممثل المبدع بكل غناه الفني الإيحائي يصبح لاشيء أمام التقنيات رغم أنها مصنوعة بيدي الإنسان، وهذا الممثل الإنسان هو المورد البشري الوحيد الذي يساهم في نجاح الفيلم، فهذه التقنيات تلعب دوراً مزدوجاً، فهي مفيدة جدا وأحيانا يساء استعمالها، وعند اعتماد المخرج المبالغ فيه عليها تكون قيمة الفنان قد انحدرت دون المستوى المطلوب ليتراجع العنصر البشري في هذا الصدد، ولعلّي استطيع أن أضرب مثالاً ألا وهو (أفلام الأكشن) التي يكون الإنسان آخذاً دوراً ثانوياً يأتي بعد التقنيات، هذا بلا شك استخفاف بمقدر الإنسان على صنع المستحيل .
إن هذه الأفلام تعتمد على عنصر الفرجة البصرية فقط دون الدخول إلى أعماق النفس البشرية، وهي في سعيها تعتمد على إبراز عضلات المخرج كما هو الحال في المسرح التجريبي والعبثي .
إذاَ، هناك أفكار ذكية وجيدة عديدة تعتمد على العنصر البشري في صناعة الأفلام وتحقق أرباحاً معنوية ومادية تفوق المستحيل، دون إعطاء الكثير من الدر للمؤثرات والتقنيات السمعية والبصرية، فهي أفلام كثيرة احترمت العقل الإنساني وقدمت مضامين إنسانية تهدف إلى تعزيز القيم السامية في المجتمع، من أشهرها فيلم (منزل البحيرة the hoose of the lake) الذي يعالج فكرة الزمن وعلاقته بحياة الإنسان، وفيلم (الجنة الآن paradise now) وفيلم (سيريانا syriana) وغيرها، هذا يدعون للقول بأن عملية المشاهدة تتحول إلى لعبة من ألعاب (play station) كما هو فيلم (300 جندي أسبارطي) وفيلم (سيد الخواتم) الذي سيطر الكومبيوتر فيه على المضمون الإنساني فضاعت النكهة الدرامية .
قد يقول البعض إن استخدام برامج الكومبيوتر في صناعة الأفلام أداة مهمة من أدوات المخرج ولا ضرر في ذلك، لكن الفنان إذا ما تعود على ذلك فلن يعود ليظهر مواهبه التمثيلية الفنية بعد ذلك، وحتى أكون موضوعياً يمكن الاستعانة بالتقنيات إذا ما تطلب الأمر ذلك، شريطة عدم استخدامها بما يضر البعد الجمالي والفني للفيلم ، والأهم هو البعد النفسي .


إن استخدام المخرج المفرط لتلك التقنيات يفقد العمل من مضمونه الإنساني البشري، فهناك الكثير من الأفكار الجيدة ذات المضامين الغنية لكن كثرة التقنيات – كما قلنا – أفقدها ذلك البريق، وكانت تعتمد على الإثارة والتشويق لكسب جمهور غفير لا يفقه من الثقافة السينمائية شيئاً، وموضوع الثقافة يحتاج إلى حديث موسّع .
عندما قام المخرج الراحل (مصطفى العقّّّاد) بتصوير فيلميه العظيمين ( الرسالة ) و(عمر المختار ) تحمل الكثير من المعاناة حتى نال ربع ما يريد، فقد اعتمد على التقنيات الخفيفة التي تساعد الممثل وليس العكس، فها هو (|أنطوني كوين) بكامل رباطة جأشه يتنقل أمام الكاميرا ليظن المشاهد أنه يتابع – للوهلة الأولى – عرضاً مسرحياً مباشراً لشدة الاتصال والتأثير المتبادل ما بين المرسل والمتلقي .
إن (العقّاد) أدرك مدى أهمية العقل البشري في الصناعة السينمائية، فقام باستدعاء طاقم فني أمريكي ساعدوه بعقلهم وإمكانياتهم المتواضعة، وهذا المثال خير دليل على نجاح فيلم سينمائي ذي أفكار تضخ قوة وكمالاً .
الحاسوب بكل تجلياته يفقد الفيلم من عناصره الواقعية، ليعطيه سمات أخرى، فالفيلم الذي يعالج فكرة جيدة وتنبع من عقل بشري خصب متمكن، سينتج أيقونة فنية وجمالية، وهذا يقودنا إلى مسألة تقسيم العمل ضمن الإطار السينمائي للحصول على صورة متكاملة، فليس من إنسان قادر على الإلمام بكل تفاصيل الحياة بمفرده رغم مناداة البعض بالعمل الفردي أو الفكر الفردي، لكن حقيقة تقسيم العمل في عصرنا الحالي واضحة، فهي بمثابة إراحة وتنظيم عمل الدماغ من جهة، ثم أن من لديه فكرة سوف يحتاج إلى دعم وتسويق وترويج ووو... من جهة أخرى .

آلجي حسين
Alchy-husein@hotmail.com

خاص ألف



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

لتدمنَ مدينتي مدينتِك

31-آذار-2013

وأنتِ تبكين

05-كانون الثاني-2013

أيا طلعة الفجر

11-أيلول-2012

معارك

06-كانون الثاني-2012

صهٍ يا قلبي

16-أيلول-2011

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow