Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

المديـنـــة المحــترقة / الكاتب السويدي هانس بيترسون ترجمة :

آرام كربيت

2009-01-17


الغيوم الرمادية الداكنة تجوب الفضاء, تسرح وتعبث في سماء مدينة يوتوبوري, تغطي صباحات الخريف والشتاء, تضفي على النفس الكآبة والحزن والإنكسار.
البحرهائج, يدفع الضباب, ليسوح في الشوراع, في الجادات والممرات الضيقة, ليرسم على العام /1880/ لون قاتم, مضلل بالمرارة.
استيقظ فيكوعلى صراخ الصغير/أوّلىَ/, الطفل الذي لا يتجاوزالخمسة أشهر من عمره. صراخه الحاد والمستمر, ينذر بإنه مريض جداً.
لقد استيقظ فيكو مرات كثيرة خلال تلك الليلة علىصوت بكاء الرضيع/ أوّلىَ/. احياناً كثيرة يشتد صراخه ليصل إلى سمع المرأة العجوز بلوم كرين, التي تقطن في الدور الأول من المنزل.
نزل فيكومن سريره, راح يزحف بصمت تام, دون أن يلفت انتباه سارة ومودس النائمان معاً على السرير. تابع زحفه إلى أن وصل إلى المطبخ.
جلست أم / أوّلىَ/ جانباً, وضعت طفلها الصغيرفي حضنها, راحت تهزه برفق وحنان. أخذت تمشي بصمت وهدوء, ذهاباً ومجيئاً. ذهب فيكوإلى المطبخ ليجلس بجانب أمه وأخيه الصغير. كانت الأرض باردة للغاية. سحب قميص النوم من الأسفل, ووضعه على أقدامه, ثم وضع يديه على كتف أمه.
ـ بالتأكيد ليس لديه مغص حاد, وآلام قوية في بطنه؟ قالها فيكو بحذر.
ـ ليس مغصاً عادياً, قالت الأم.
التفتتْ ناحية فيكو, تأمّلته بعمق, متوسمه منه أشياء كثيرة. حدقت طويلاً في عينيه. قالت في نفسها, ليس صعباً علي أن أعرف إنه يشبهني. الأن هوفي الثانية عشرة من العمر, قريباً سيصبح طويلاً مثلي.
كانت عينا الأم مملوءتان بالخوف والتعب.
ـ لن يموت / أوّلىَ/, قالت الأم موجهة كلامها لأبنها فيكو.
بالتأكيد, لم تنم الأم طوال الليل, بقيت سهرانة ترعى صحة وليدها الصغير.
وإلا لما بان عليها اليائس والحزن والقلق.
ـ أين والدي؟ سأل فيكو.
عدلت الأم من جلستها.
ـ قلت لسورين, عليه أن يذهب إلى الورشة, حتى يعمل. قلت له لا أن يشغل باله ب/ أوّلىَ/, وجوده في البيت لن يحسن وضع صغيرنا, أخيك أوّلىَ.
ـ نعم, أعرف, قال فيكو. لقد تأخرنا في نقل البراميل الخشبية الصغيرة إلى المديرفيسلي.
لقد اعتاد فيكو أن يمرعلى ورشة والده, الكائنة في الجادة الجديدة من المدينة, في طريق عودته من المدرسة.
كان أبو فيكو يقوم بصناعة البراميل والأحواض الخشبية, الصغيرة والكبيرة, المستخرجة من جدوع الأشجار. كان رجلاً نشيطاً وذكياً, تعلم هذه المهنة من والده عندما كانا يقطنان في الدنمارك.
كان طموح فيكو أن يكون مثل والده, يصنع البراميل والحاجيات المنزلية الخشبية. أنها مهنة نظيفة وعمل مريح. روائح الأخشاب مع القطران لذيذة ومنعشة.
ـ يجب أن تكون البراميل جاهزة, قالت الأم. وإلا لن يكون لدينا المال لنستقبل عيد الميلاد ورأس السنة.
ـ ما زال الوقت مبكراً للعيد ورأس السنة يا أمي.
ـ كارلسون سيأتي ليأخذ أحواضه الخشبية الكبيرة. إذا لم نكن مستعدون, جاهزين لتأمين طلبه سيعمل على خصم المبلغ, عندها سنكون مدينون له, قالت الأم هذا الكلام وهي تسحب من أعماقها تنهيدة قوية.
كارلسون لديه محل في وسط المدينة يبيع للناس سمك الرنكة والزبدة والملح وأشياء أخرى. أنه رجل بخيل, نكدي, مشاكس, ويتشاجرمع الناس, فيما إذا لم يدفع أحدهم في الحال.
نهض فيكو من مكانه وذهب إلى الخزانة, تناول مزماراً خشبياً, كان بجانب الصحون, ثم عاد وجلس على الكرسي مقابل أخيه الصغيروأمه.
بهدوء وتأن, مضى فيكو يمرريديه وفمه على نايه, يجود بألحانه الشجية, ويملأ الغرفة نغماً عذباً جميلاً.
لقد تعلم فيكو الكثيرمن الألحان من أمه وأبوه, أو من العزافين الجوالين في الشوارع. لم يكن في ذاكرته لحناً محدداً, لهذا ترك لنفسه أن تجود, أن تخرج المكبوت والدفين من داخل روحه وصدره.
عزف لحناً شجياً هادئاً, في هداءة الليل العميق.
بعد لحظة قصيرة, تناهى إلى سمع الطفل الرضيع, أوّلّىَ, صوت لحن جميل, ينبعث من ناي رقيق. كان يهلث من المرض, بصمت. بعد لحظة صغيرة, لم تدم إلا هنيهات, حتى أصبغ على وجهه اللون الأحمرالقانئ, والهدوء اليقظ. تحرك جسد الصغيركله, راحت يداه تلوح وتهزفي الأفق, في الأعلى والأسفل, مضى صراخ يأخذ سمتاً آخر, ووجعه يسترخي عند الحدود العادية.
ـ أوّلىَ, أوّلىَ, صرخت الأم. حاولت أن تهدأ حركات الطفل الصغير.
رفع الطفل الصغير رأسه وراح ينظرإلى فيكو.
ـ هل لكَ أن تضعه في حضنك بعض الوقت, قالت الوالدة. يجب علي ان أذهب إلى المرحاض.
لقد لفظت والدة فيكو كلمة المرحاض بطريقة مغايرة للسكان في هذه المدينة , لكونها قد قدمتْ من مدينة أخرى, اسمها / أوروست/, القريبة من يوتوبوري, المقيمة فيها حالياً.
يقع المرحاض في أسفل المبنى, بالقرب من فناء المنزل المجاور للاسطبل, والوتد الذي يربط عليه الحصان, وإلى جواره غرفة الحطب وبرميل الزبالة الخشبي.
جلس فيكوعلى الكرسي مسترخياً, في حالة انسجام مع أخيه الصغير. يرفع يدي/أوّلىَ/ إلى الأعلى, يناغيه ويلعب معه. يمسك به, يحرك أطراف أخيه مثلما يفعل مع القطة أو جرو الكلب. لم يكن وزن الطفل شيئ يذكر.
ـ طير وغني يا عصفور, طيروغني يا عصفور. كان فيكو, يدندن بعض الألحان, ويغني بصوت أقرب إلى الهمس, يهدهد بها الرضيع.
أغلب الأوقات كان جالساً حاملاً الصغيرعلى رجليه, يحاول أن يأخذه بين يديه, ثم يضعه بالقرب من قدميه في حالة اضطجاع, يهزه بهدوء, ويمررراحتيه على وجهه, وعلى شعره, ماسحاً العرق المتصبب على جبينه وخده.
شهق الطفل الصغير/أوّلىَ/ بعمق وراح يتنهد ويرجف. مرة بعد أخرى.
لبست الأم سترة صوفية في طريق عودتها من بيت الخلاء. في هذه الأثناء راح فيكويقطع المكان ذهاباً ومجيئاً, لكن دون جدوى أو فائدة من شفاء / أوّلىَ/.
بدأ الصغيرفي البكاء مجدداً.
ـ عليكِ أن تأتي إلى هنا يا أمي, عليكِ أن تجلبي له طبيباً.
ـ إلى أين سأذهب في هذا الوقت من اليوم, لأجلب له طبيباً. لا أعرف أي إنسان يمكن أن يساعدني على ذلك.
يوجد في منطقتنا يا أمي, الكثير من النساء الكبار في السن, حكيمات, يمكنهن أن يساعدوا المرضى. أعرف أن والدي لا يثق بهن, لهذا أنا أيضاً أميل إلى عدم الاعتماد عليهن. لكن عندما يتعلق الأمرب/أوّلىَ/ يجب أن نفعل شيئاً ما حقيقي, يمكن أن يخلصنا من هذا المأزق الصعب الذي نحن عليه. بعد قليل تذكر.
ـ الدكتور/ سكوك/ يقطن في شارع الاتحاد, قال فيكو.
ـ هذا ممكن, ردت الوالدة والألم يعصر فؤادها وقلبها. أنت تعرف أن هذا الرجل/ الطبيب/ لا يزورالناس العاديين, علاوة على ذلك أن الوقت جد مبكر. إننا في الهزيع الأول من النهار, ولا يمكننا أن نذهب إلى المشفى, لخوفي أن يودع أولّىَ عندهم, وهذا لا يمكن أن أسمح به.
كانت الأم في حالة صمت كامل, عندما فتح باب الغرفة على حين غرة. كانت سارة قد أستيقظت للتو, تمشي على غير هدى, تتمايل يميناً وشمالاً, وعلامات النوم بادية على ملامحها, على عينيها ووجهها, تلتمس الخطا من أجل أن تجد لها مكاناً في المطبخ لكي تكمل نومها على الأريكة الموجودة فيها.
تقدمت الأم إلى الأمام, وراحت تمسد بيديها على شعرها. بعد لحظات قليلة, شاهدت فيكو.
ـ أنت لطيف, قالت سارة. أنت على حق! ليس لدينا المال لندفع للدكتور, نحن ناس بسطاء, فقراء لا نملك المال.
فتحت باب المطبخ بحذر ومضت تنزل الدرج.
لم يخطر على بال فيكو إنه رأى أمه على ما هي عليه الأن, من حيث الحزن والخوف العميقان.
بحذر وانتباه كبيران, مسك فيكو الطفل الصغير, المريض /أوّلىَ/ بيد, واليد الأخرى مدت إلى الناي, ثم إلى الفم.
وراح يعزف.
لم يصرخ /أوّلىَ/ كثيراً عندما بدأ فيكو يعزف على الناي. لكن الألم الشديد جعله يتلوى ويئن, ويبان عليه التثاقل.
في داخل البيت, في الغرفة المجاورة, دقت ساعة الحائط الكبيرة ثمانية دقات, ببطئ وتأن.ٍ متزامنة مع خروج العمة بلوم كرين من الاسطبل, وفي يدها لجام الحصان تقوده, إلى الخارج. حوافرالحصان الثقيلة تدق الطريق الحجري القاسي. كانت العمة/ بلوم كرين/ تحمل على ظهره, بعض السلع والبضائع الأخرى التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية.
كانت العمة إنسانة مريضة, تبقى طوال الوقت في الدورالأول, مضجعة في غرفة المطبخ, نتيجة الآلام التي تعاني منها. تغسل السجاد الثقيل المصنوع من بقاية الأسمال والخرق البالية, مع الزمن وعبء الأعمال الكثيرة والثقيلة كسرظهرها.
ـ سارة, قال فيكو. ارتدي ثيابك بسرعة, سخني الطعام وإلا ستتأخرين في الذهاب إلى المدرسة.
ـ وأنت, قالت سارة. هل ستبقى في ثياب النوم جالساً هناك طوال الوقت.
ـ دبري أمورك في المدرسة اليوم من دوني, قال فيكو. أعرف أشياء كثيرة, أنهار نورلاند, القسم الشمالي من خارطة السويد, متى توفي الملك كارل الثاني عشر, حفضت على الأقل خمسين مقطعاً من المزامير, والوصايا العشرة, هذا كاف, حتى لا أذهب إلى المدرسة.
لم تجب سارة, ربما فهمت أن على فيكو أن يبقى في البيت من أجل مساعدة أمهم. علاوة على ذلك, هذا العام هو الأخير له في المدرسة. وقتها سيكون شاغراً طوال الوقت, يساعدها أو يعمل من أجل الحصول على المال.
عادت الأم من باب المطبخ, حاملة المفاتيح في علاقة طويلة.
ـ اعتقد أن هناك رائحة دخان يأتي من أعالي الجبل.
ـ ربما بعض الشباب الصغارأشعلوا النارفي الحشائش, قالت سارة.
ـ الحشيش مبلل ورطب, لقد أمطرت قبل قليل, لا يمكنه أن يشتعل في هذه الأقات, قال فيكو.
ـ ربما أشعلوا النار في العيدان الجافة, ثم وزعوها في كل مكان, ردت سارة عليه بهدوء. اعتقد أنهم سرقوا عيدان الكبريت من مكان ما.
كان لدى فيكو خوف دائم من النار, والحرائق. مرات كثيرة توقظه سارة من النوم, على أثراشتداد صراخه في الليل, لدى رؤيته حريقاً ما في حلمه.
لم تجب الأم, كانت تنبعث من عينيها بريق بللوري لامع, دموع مدرارة. تستغل فرصة ذهابها إلى المرحاض, لتبكي هناك بمرارة.
ـ سارة, تحدثت الأم بهدوء. جهزي نفسك الأن.
مررت سارة يديها على رأس وخد أمها. مررت يديها عليهما, تمسدهم بحب وحنان. بعد قليل نهضت من مكانها وذهبت إلى موقد النار, حاملة معها طنجرة الطعام, ثم وضعته جانباً. مضت إلى غرفة الحطب, أخذت حاجتها منه, كومة أخشاب يابسة, سارت إلى فتحة الموقد ووضعتهم فيه.
كانت سارة تخدم أمها في كل شيئ, في المطبخ, الجلي, الكنس والغسيل والطبخ. تساعد الطفل الصغيرمودس أبن الأربعة أعوام في كل ما يحتاج, تحمله, تهتم بشؤونه. تصعد معه إلى أعلى المبنى وتتركه ليتزحلق من هناك بخفة ورشقة, تلعب معه أطول وقت ممكن حتى يتسلى ويفرح.
حملت الأم, الطفل الصغيرالمريض, أوّلىَ بالمقلوب, رأسه وبطنه إلى الأسفل. علّ هذا الوضع يحسن من حالته. لكن لم يطرأ أي تحسن على المسكين. بقي يصرخ طوال الوقت, جسده يرتعش ويرجف.
دخل فيكوإلى الغرفة وجلب معه قميص نوم رجالي. توقف عند البناطيل والقمصان والستر والجوارب. كان الناي أمام عينيه, معلقاً على الجدار, بجانب السراويل. رأى أجزاء الخزانة من تحت, سحب درجاً منها إلى الخارج. تحت الثياب, وجد فيكوقطعة ورق مالية من فئة العشرة كرونات. مبلغاً كبيراً جداً من المال, كان قد تركها الأب عندما باع عدة براميل خشبية كبيرة فيما مضى من الأيام.
أخذ فيكوالمبلغ من المدير فيسلي في الصيف الذي مضى, عندما كان والده في السجن.
لقد سجن والده لمدة ثلاثة اشهرلأسباب سياسية, لمشاركته في مظاهرة, تناضل من أجل تحقيق بعض المطالب للعمال, كتحسين شروط مكان العمل في المصانع, تحديد ساعات العمل, أن لا يبقوا مدة طويلة في هذه الأماكن المملوءة بالغبار والضجيج.
في هذه الفترة, يعمل الكثير من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة, في أماكن عديدة صعبة, يغطون العجز المالي لعائلاتهم.
في طريق عودة فيكوإلى البيت, قادماً من زيارة أبيه في السجن, رأى صديقه سيمون مع حصانه, يسيروعلامات الحزن والألم والقهربادية عليه.
كان سيمون يعمل عند المديرفيسلي.
تطوع فيكولمساعدة سيمون, أخذاً لجام الحصان الذي يقطرالعربة وراءه عبر البوابة. دخلا مع بعضهم إلى البيت. أخذ سيمون يشكرفيكوعلى ما قدمه له من مساعدة, وعلى قطعة الكعكة المحلاة بالسكرالذي ضيفها له.
بعد أن ذهب صديقه, مضى فيكو يمشي مثل التائه أوالسكران, بأتجاه البيت الجميل والكبيرللمديرفيسلي. كان الأخير مسترخياً, مطرقاً الصمت في صالة الطعام الكبيرة والأنيقة. دخل فيكو, أخذ الناي الذي جلبه معه, وراح يعزف للسيد فيسلي وزوجته مقطوعة موسيقية جميلة. بعد أن انتهى من وصلته, تناول السيد الغني مبلغاً مالياً كبيراً, عشرة كرونات, وأعطاها له. كما تناولت السيدة حرمه, سلة مملوءة بالطعام بمناسبة مجيئ المولود الجديد, لأمه, أوّلىَ.
بعد فترة وجيزة, أخذت أم فيكو, السلة التي جلب أبنها الطعام فيها, وذهبت إلى بيت فيسلي, لتشكرهم على المعروف الذي قاموا به من أجلها وأجل ولديها الجديد. تقدمت من السيدة فيسلي بهدوء, طالبة منها, إن كانت تحتاج إلى المساعدة, بمناسبة حلول يوم زفاف أبنتهم.
ـ أستطيع أن أنقش أسم أبنتكم العزيزة على الشراشف واللحف, الوسائد والمناديل, والمناشف.
لم يكن للسيدة فيلسي, إلا ساعد واحد, لأن اليد الأخرى, قد فقدتها في حادث. لم يكن لديها القدرة على القيام بالتطريز أو الخياطة أو أية أعمال تحتاج إلى جهد كبير. لهذا جلست الأم, وأبنتها سارة بجانب الطاولة, ومضوا يطرزوا, غرزة وراء غرزة, نقاط صغيرة ودقيقة على غطاء الوسائد وكل الحاجات التي تهم زواج وعرس أبنة السيد فيسلي وزوجته.
دفعت زوجة فيسلي للأم وأبنتها ثمن أتعابهم من العمل المجهد الذي قاموا به. كان ذلك أتفاقاً مقبولاً بين الطرفين.
أعطى فيكو المبلغ الكبير, الورقة المالية من فئة العشرة كرونات إلى أمه, إلا أنها لم تقبل ذلك, لم تقبل أن تأخذها منه. طلبت منه أن يحتفظ بالمبلغ في حصالته. صحيح إنه حصل على المال لوحده, بمجهوده, لكنه كان ثروة كبيرة بالنسبة له.
ـ سيأتي اليوم الذي نكون فيها بأمس الحاجة لهذا المبلغ, قالتها الأم. في يوم من الأيام, سيلزمنا المبلغ.
اليوم حدث ما كانت تتوقعه, جاء الوقت الذي يحتاجون فيه إلى المال.
خرج فيكو من المطبخ, مادا خطوات واسعة إلى الأمام, منتعلاً حذائاً جديداً, كان والده قد حصل عليه من أحد أصدقائه المقربين إلى قلبه. في الواقع كان الحذاء, واسعاً على مقاس قدم فيكو فيما مضى من الأيام. الأن أصبح فيكو كبيراً, إلى حد الذي يمكنه من لبس هذا الحذاء الكبير والواسع. كما تناول من على العلاقة معطف أبيه الجلدي القديم.
بعد أن لبس المعطف, قال:
ـ أنا ذاهب.
لقد ساورها الشك, أن أبنها ذاهب إلى المدرسة, أوإلى ورشة والده, كي يساعده.
وقفت سارة حائرة, تنظر إليه خلسة.
عندما نزل فيكو إلى فناء المنزل, أسرع في السير إلى الأمام, مجتازاً البيت ذي الاضلاع والسقف الرباعي. في الجادة الضيقة, لم يكن هناك شيئ غير عادي أويلفت الانتباه. كل شيئ يسيربشكل سلس ومألوف, الناس, الخيول التي تجر العربات, بعض القطط الأليفة, هنا وهناك.
راحت الأنوار الخافتة, تنثرضوئها الخافت على الشوارع الصغيرة والضيقة. من خلال السديم الرمادي المضضب, بان لفيكو البيت القديم, أكثرشحوباً وحزناً عما كان عليه في الماضي.
مضى الصيف, بجماله وبهجته, بهوائه العليل. روائح الليلك المنبعثة من خلف السياج الخشبي القادم من بعيد. ورود الهندباء البرية تزهر, تلمع أوراقها بين الحجارة والصخور.
وقف فيكو, لحظات طويلة في مكانه, يلتفت وينظرفي كل الأتجاهات. كانت رائحة الدخان حقيقية, تنبعث من مكان ما. لم يكن الحريق كبيراً, لكنه كان كاف, أن يجعل فيكو قلقاً جداً. لكن هذا القلق, لم يصل إلى الدرجة التي تجعله يخاف, أكثرمن خوفه, على أخيه الصغير, الرضيع أوّلىَ.
مد فيكو بصره بدقة واهتمام كامل على طول الجادة التي وقف فيها, راقب البيوت والممرات, هجس في داخل نفسه قائلاً:
ـ يبدو أن كل شيئ هادئ ومألوف, ولا يشيرإلى حدوث ما لا تحمد عقباه. لأن, أغلب مواقد الحطب في البيوت, تنبعث منها هذه الرائحة المعروفة, رائحة احتراق الخشب, والنارالبطيئة فيها.
انعطف فيكو يميناً, راح يمشي مواصلاً سيره إلى الأمام, وصل إلى رأس الزاوية, التفت يميناً وشمالاً, حدق في البيوت مرة أخرى بدقة واهتمام, ليتأكد أين يقع منزل الدكتورسكوك.
في أوقات الفراغ, كان فيكو معتاداً أن يتمشى في هذا المكان, يدورويسرح في جاداتها وشوارعها. مرات كثيرة يتابع سيره, قاطعاً الجسرالربط بين الحي الذي يعيش فيه, ليذهب إلى حي هيسنين, وعندما يتعب يجلس على ضفة النهر, يعدل من مكانه, ثم يتناول الناي ويعزف.
وقف فيكو في مكانه للحظات, حائراً, لا يعرف ماذا يفعل. نظر إلى أسفل الهضبة, إلى اليسارمن الشارع الواقف عليه, إلى المكان الذي يقطن فيه الدكتورسكوك. كان المنزل جديداً وكبيراً وبني اللون. راح فيكو يهجس مرة أخرى في داخل نفسه:
ـ ربما تقترب الساعة الأن من التاسعة صباحاً, لا اعتقد أن الدكتورسكوك يستطيع أن ينام لمدة أطول من هذا الوقت.
وقف فيكو على باب منزل الدكتورسكوك, للحظات, تنهد بعمق, ملتقطاً أنفاسه, ثم قرع الجرس. في البدء لم يبدرأي شيئ غير طبيعي, بقي الصمت مخيماً على المكان, مدة طويلة من الزمن. بعد قليل فتح الباب من قبل السيدة حرم الدكتورسكوك.
ـ ماذا تريد يا فتى, طرحت المرأة هذا السؤال وهي تتثاءب.
ـ يجب أن أتحدث مع الدكتورسكوك, قال فيكو.
ـ في هذه الساعة المبكرة.
ـ أخي الصغيرأوّلىَ يقترب من الموت, ولا أعرف ماذا أفعل. أعرف أن الوقت ليس مناسباً, لكن الظروف الصعبة التي نمر بها أجبرتني على المجيئ.
ـ الدكتور سكوك في المستشفى منذ أكثر من ساعة, قالت السيدة حرم الدكتور. عليك أن تأخذ أخيك الصغير إلى هناك, إلى المشفى.
ـ على الأرجح أن علينا أن نجلبه إلى هنا, إلى بيتكم. لأن عمر أخي أوّلىَ لا يتجاوز الخمسة شهور ونحن مستعجلون جداً, ولا يمكننا أن نغامرونأخذه إلى المشفى. بالإضافة إلى ذلك, أن أمي قلقة جداً من وضع أخي المريض, لدرجة لم أعهدها عليه من قبل.
وقفت زوجة الدكتوربضعة لحظات تفكروتنظر إلى وجه فيكوالقلق والحزين, متزامنة مع مجيئ رجل, من أسفل الدرج. وقع خطواته يصل إلى سمعهم, من الطرف الأخر, من قاعة البهو. كانت ملامحه تميل وتقترب من عمر والده, مما دفع هذا الأمر, أن يقدر, أن هذا الرجل الكبير في السن هو الدكتور سكوك.
ـ مع من أنتِ واقفة, طرح الدكتورسكوك هذا السؤال بلطف جم.
ـ يقف إلى جانبي شاب, يريد منك أن تأتي إليه, قالت زوجة الدكتورهذا الكلام وعلامات التعب بادية عليها.
اقترب الدكتورسكوك من الباب ووقف إلى جانبهما.
ـ هل تريد أن تقابلني, طرح الدكتورهذا السؤال.
نظر فيكو إليه بأهتمام تام.
هناك بعض الناس ليس لديهم أي اهتمامات في الحياة, وليس لديهم أي شيئ مثير ليتحدثوا عنه, مثل السيد كارلسون صاحب البقالية أويوهانسون الذي يطيب له البقاء في هذه الأماكن دون أن يهتم بشيئ. هؤلاء البشر لا يريدون ان يعرفوا أي شيئ أو يفهموا ما يدورحولهم.
أما الدكتور, فيبدو إنه يفهم ما يحدث حوله من أشياء. إنه هادئ, رزين ولطيف. لكن لا فائدة من ذهابه معه إلى أمه وأخيه الرضيع أوّلىَ.
ـ على أي حال, قارب أخي الصغير على الموت يا دكتور, هكذا طرح فيكو سؤاله.
ـ لماذا تعتقد ذلك يا فتى, قال الدكتور.
ـ يكاد أن يختنق طوال الليل, يبكي ويصرخ ولا يهدء أبدا

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

رائحتك

18-شباط-2017

كَتَبَتْ على صَفْحَتِهَا في الـ"فِيْسْ بُوْكْ": " لِلغيابِ رائحةٌ كما لِلحُبِّ. ولِكُلِّ رائحةٍ زمنٌ حَيٌّ تولَدُ مِنْهُ، وتعيشُ فيهِ، ومعَ استنشاقِها في زمنِها الَّذي بَزَغَتْ فيهِ تسكُنُ في الذَّاكرةِ كالأيَّامِ، ببساطةٍ...
المزيد من هذا الكاتب

الخروج من الذاكرة

30-تموز-2010

من تاريخ ملوك السويد / الملك السويدي كوستاف الثاني أدولف

17-تموز-2010

الملك السويدي كوستاف فوسا للكاتب السويدي هانس بيترسون

02-آب-2009

إيليـــــن / للكاتب السويدي هانس بيترسون ج3 ترجمة:

21-تموز-2009

إيليـــــن / للكاتب السويدي هانس بيترسون ج2 ترجمة:

15-تموز-2009

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow