Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

مفاتيح و أقفال و أبواب مفتوحة قصة : جين ويليس هيكس / ترجمة

صالح الرزوق

2009-01-10


( 1 )

ـ أغلق فم الكلب ، اربط المهر في البيت ، و أغلق الأبواب في وجه الظلام.
كل ليلة نستمع و نطيع تعليمات بابا ، و كل صباح نستيقظ بأمان من غير أية ذكرى عن الرعب الليلي الذي تبدده أشعة الشمس الدافئة و خبز الفطور. و لكن ماما نامت على فراش المرض ، و ساقها بابا إلى عيادة بيدي ماكبيس ليباركها بيديه. قال لـ " روي " بلهجة الآمر : اذكر دائما أن تحكم إغلاق الثغور ، و تأكد من ذلك مع هبوط الظلام . و قد سمعت شقيقي الأكبر يقول ( أعدك بذلك يابابا ) . و لكن حينما حان وقت العتمة ، تبع إلى العراء لوسي لوفدانس ، و استلم سيم زمام الأمور . و كان سيم أقل اهتماما بالتعليمات.
ـ إنها مضيعة للوقت أن تقفل الأبواب . هذا يقرفني مثل التبول في النونية . و يزيد من قرفي ضرورة التنظيف في الصبح التالي .
لقد ابتهلت إليه كي يستمع إلى نصيحة الوالد ، غير أنه سخر مني . هكذا كان شأن سيم . و بناء على ذلك كنت آوي إلى فراشي مع الأولاد ، بعد أن أستوثق من إغلاق باب حجرتي و إرتاج أباجورات النوافذ . و لكن في الصباح حينما نهضت لأخبز في الفرن كنت ألاحظ أن الباب مفتوح على مصراعيه ، و ما من علامة أو أثر يدل على سيم. و لما فتح روي عينيه الكسولتين و الفظتين ، أخبرته بذلك ، فذهب ليبحث . و كان لا يزال في الخارج حينما رجع بابا حوالي الظهيرة ، أعدت تفاصيل الأحداث بحضوره ، و هو بدوره استمع لي بوجه كظيم. و لكنه هز رأسه حينما سألته إن عزم على الخروج ليطارد ابننا سيم. قال (الآن جهز الغداء).
عاد روي حينما كنا نتناول آخر لقمة من الشواء . كمّ بابا فمه بقسوة و لم يسمح له بالكلام أو أكل الشريحة التي احتفظت له بها. ثم سعل بابا و شخر من حنجرته ، و حينما نقلنا أفكارنا إليه أخبرنا أن ماما ماتت مع غروب شمس النهار . و هي طريحة فوق مصطبة الكنيسة عند بادر فيلتون ، لتدفن في حفرة في الغد. ثم سلمني حلقة فيها مفاتيح البيت. و قد راقب روي ذلك كله بعيون بصاصة و يقظة ، و هو على يقين تام أن المهمة ستنتقل إليه بحق السن. تمسكت بالمفاتيح ، و تحملت بكلتا يدي برودة المعدن و أثقاله كيلا أسمح للجاذبية بأن تهزمني و تسرقهم مني إلى الأرض. لقد تمسكت بهم و تفحصتهم . و لاحظت أن كل مفتاح ، كبيرا كان أو صغيرا ، مثبت بإحكام بالحلقة الحديدية . لقد صمدت حيث كنت ، و في يدي مفاتيح كل صندوق و كل باب من أملاك بابا. و اعتبرت أن هذه مسؤوليتي إلى أن يعزلني منها الوالد . إنني الآن الحارس ، هكذا قال ، و برأيه أنني بلغت سن النضج العقلي لأحافظ على سلامة "الصغار" ، و لأحول كلماته إلى وقائع ، لا كما فعل آخرون توقع منهم أداء أفضل.

( 2 )

منذ أول خيط ضوء حمل بابا الجاروف و قاد البنات إلى العربة . أمسكت ماي بالرسن ، و تمسكنا أنا و بابا و روي بالأطراف . حينما وصلنا إلى المقبرة أنا و بابا و روي قمنا بعدة محاولات لنفتح في الأرض شقا ، أما الأولاد فقد شردوا من حولنا ليبحثوا عن عطايا مباركة يضعونها في حفرة القبر. بعدئذ بابا و بادر وضعاها هناك. رتل بادر الكلمات المقدسة. و ترنمت شقيقاتي الثلاثة بصوت قطة تموء ، و ألقين ما بأيديهن من براعم مشرقة فوق الكفن المصنوع من الموسلين. و أخيرا حان دوري أنا و أخي لنهيل التراب مرة أخرى ، حتى يتمكن بابا و بادر فيلتون من وضع الشاهدة الطاهرة فوق مرقدها ، حتى لا يمسها سوء. في أعقاب ذلك كله و بعد أن تحمل بابا مشاق الدفن ، عدنا على أعقابنا إلى البيت.
في هذه المرة أمسكت كل من إيف و سايانس بالرسن. و سار الآخرون على أقدامهم شفقة على البغل المسن. ما أن وصلنا إلى البيت حتى وضعت القدر على النار و أ كلنا الشواء. بعد تناول الطعام عمل بابا و روي بالأرض ، و أنا بمعونة شقيقاتي ، نظفنا وخطنا و خبزنا. و في نهاية اليوم تفحص بابا طريقتي في إقفال الأبواب و إغلاق الأباجورات بوجه الظلمة القادمة ، و وافق على ما فعلت مطمئنا لحسن تدبيري .
و في تلك الليلة و المفاتيح تحت وسادتي الخفيفة المحشوة بالريش ، سمعت الأصوات بوضوح لأول مرة. لقد كانت نبرتها عالية و بلا معنى خارج نوافذي الموصدة تهيب بي أن أنهض و أتبعها. واحد من تلك الأصوات كان لشقيقي سيم ، و آخر كانت له نبرات ماما الناعمة. و لكن التزاما بتعاليم الوالد تمسكت بالمفاتيح و حافظت على الأباجورات وراء قضبان مغلقة. بالتدريج تلاشت الأصوات و أخلدت إلى النوم. بعدئذ شعرت كأن ماما و سيم لم يكن لهما وجود على الإطلاق . لم يتحدث بابا عنهما أبدا ، و لم يرد على أي سؤال بخصوصهما ، و لم يتكلم مجددا مع روي سواء إيجابا أو سلبا . بعد شهر من هذه القطيعة هجرنا روي ليتزوج من لوسي ماكبيس. و قد أهدر قواه في العمل مع والدها في طاحونة الدقيق. راقبت كيف كان وجه بابا يتحجر ، و كيف تحفر الأخاديد خطوطها على بشرته ، و استدعى ذلك مني جهودا مضاعفة لأعوض حصة شقيقي من العمل ، ثم لأطبخ و أخبز في ختام كل يوم. و كانت شقيقتي ماي تقوم بواجباتها المنزلية و الأخوية كل يوم.

( 3 )

منذ أن ابتعد روي عن مسكننا نقل بابا كل أعماله إلى طاحونة مارلين. و فوقها كانت هناك في الوادي التالي . كان حمل الحبوب يأخذ دربا أطول ، ينهك بغلنا المرهق. من ناحيتي ، في معظم الليالي كنت أصغي إلى الأصوات . قال بابا إن الأصوات هي في رأسي فقط. و قد أعطاني كينين مع العسل ليجبرني على النوم ، و لكن الطعم كان فظيعا و له تأثير منوم حتى طوال اليوم اللاحق. كنت أتظاهر أنني أشربه لأتجنب العواقب. و لكن تساؤلاتي كانت تفور و تغلي في أفكاري إلى أن عبّرت عن ذلك بصراحة أمام بادر فيلتون ، و ذلك بالاستفادة من توقيت ساعة الأسرار. و قد رفض أن ينظر في عيني مباشرة ، و أخبرني عن الشياطين و عن قدرتها في الإغواء. غير أنه لم يحفظ القسم المقدس و أفشى تساؤلاتي إلى بابا . و قد فرك بابا فمي بالثوم المدقوق و ضربني حتى التهب جلدي و تشقق . ثم انتشل مني المفاتيح ليحملها حتى أستعيد القدرة على المشي.
ما أن أصبحت المفاتيح في يد بابا ، حتى غرقت في النوم الليلي الهادئ. لم أسمع صوتا ، و لا حتى نأمة خافتة ، و استغرقت في نوم هانئ. حينما عادت لي العافية ، حملني أمانة المفاتيح ، و أول ليلة رقدت فيها على هذه الكومة ، سمعت خربشات على الأباجورات الخشبية و نواحا قد يكون بفعل الريح. و مع أول ضوء و أنا في الطريق إلى النبع لأغسل النونية ذهبت من الدرب الأطول ، مرورا بجوار نافذة مقصورتي، و هنا لمحت عددا من العلامات و الخدوش العميقة في أباجورات الأبانوس الخشبية. شعرت ببرودة الليل في عظامي على الرغم من الشمس الدافئة . غير أنني تمالكت زمام الأمور إلى أن استبدل بابا الخشب عند الظهيرة . في تلك الليلة احتفظت بالكلب في حجرتي ، و ربطته بقوائم سريري. و مع ذلك سمعت صوتا وحيدا ينوح و يتأسى و ينادي باسمي و لكن الكلب لم يتحرك.
مرت أسابيع و تعلمت أن أنام و سدادات في أذني. شبت ماي و الأولاد عن الطوق بسرعة مخيفة ، و نادرا ما كان بابا يبوح بشيء خارج دائرة الاجتماعات المنزلية ، و اعتاد على قراءة كتب ابتهالات دينية. لم أكن أحضر تلك الاجتماعات على أية حال . و قد تجاهل بابا انسحابي. كان مرتاحا لمستوى العمل الذي أقوم به ، و ليقظتي فيما يتعلق بحفظ الأمن.

( 4 )

في وقت لاحق رقدت ويدو راينج طريحة الفراش. كانت هي و ابنتها تعيشان على مبعدة حقلين منا ، و قد طلب مني تيلدي المعونة للاعتناء بهما و أخبرني بابا أن هذا واجبي. أعطيته المفاتيح و ذهبت لأرقد مع تيلدي ، و لكن مثلما حصل مع ماما تراجعت صحة ويدو بسرعة ، و ماتت بغمضة عين و كأنها شمس أذنت بالغروب. قبّل تيلدي يدي لأرافقها إلى الكنيسة ، و لأعتني بها حتى ينتهي العزاء. و هكذا ذهبت إلى الكنيسة بصحبة بادر فيلتون و كان المساء على الأبواب.
مرت تلك الليلة الطويلة في ظل الموت البارد الأصم. لم أسمع أصواتا من الخارج ، لا نواح و لا زعيق الريح. إنها صلوات بادر فقط و بها كان يشكر الرب لأنه سخّر لنا الخشب القوي و الحجر الصلب كي يحمينا من كل أذى. دفنا ويدو راينج ، مثلما فعلنا مع ماما ، حالما سطعت الشمس من فوق التلال. أنا و تيلدي حفرنا الأرض و لكن ثلاثتنا جروا الحجر الثقيل فوق الضريح. ارتدى بادر واقيات جلدية ، و لكن أنا و تيلدي أدينا واجبنا من غير ذلك. لقد كان عملا مرهقا تدمى له و تتورم الأبدان. و مع ذلك تحمل العناء كله بيديه القويتين المحميتين بالقفازات ، و اتضح أثر ذلك لنا بعد إتمام إجراءات الدفن. ثم حملنا بعربته و أقلنا إلى منازلنا و هو ينشد صلواته . و في تلك الليلة ، و المفاتيح مرة أخرى تحت وسادتي ، سمعت الأصوات تنادي في الظلام ، و أطولها كانت لها نبرات صوت ويد راينج.
حرصت أن أحضر تجمعا مع بابا و الأولاد في العزاء التالي ، و لكنني انسحبت من بين الحضور قبل الأوان لأسباب تتعلق بالمثانة. ثم مشيت إلى ضريح ويدو راينج و لاحظت أن قلنسوته الحجرية مائلة. حاولت أن أصحح ذلك عبثا ، و لم أحسن صنيعا. و الآن ، في هذه الليلة ، جلست بانتظار الأصوات. الأباجورات مفتوحة على مصاريعها ، باب غرفة النوم غير مغلق ، و حلقة المفاتيح تائهة في أعماق النبع. لقد تركت البيت عرضة للنوائب المتوقعة . و أخذت أهبتي لملاقاة العواقب.
سوف أصغي إلى هذه النداءات . و سوف أغادر الحجز الذي فرضه الوالد على المنزل ، و أنضم إلى نداء المجهول الذي ينتظر في العراء. و ما أن سرت بهذا الاتجاه ناديت على الصغار ، شقيقاتي ، لتبحثن معي عن حرية غير مقيدة.


هذه هي الترجمة الكاملة لــ :

Jane Wallis Hicks ( 2004 ) , Keys And Locks And Open Doors, published in : East Of The Web, Short Stories, Horror Fiction, U.K.


• كاتبة أسكتلندية لها نماذج من القصة القصيرة منشورة على الويب.


ترجمة : صالح الرزوق













تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow