Alef Logo
دراسات
              

مهرجان العجيلي الرابع / الرواية المؤامراتية في الأدب التركي

صالح زكي طومباق

2008-12-09

تأتي الرواية بالدرجة الثانية بعد الشعر على صعيد طول عمرها. وإذا كان أحد أسباب تحقيقها هذا النجاح تقديمها الإنسان وجعله محورها، وتنوع أساليبها، فإنها استطاعت في الأوقات كلها أن تحافظ على ديمومتها من خلال نماذج جيدة. لقد غدا الإنسان بمخزونه الطيب والسيئ، وحالاته التراجيدية، وإرادته، وغناه النفسي الموضوع الأساسي للرواية، وسمت مع تاريخ الحداثة بوصفها أيضاً جنساً أدبياً أخرجت الإنسان من كونه شخصاً عادياً مسلوب الإرادة مبايعاً الملك والسلطان والإمبراطور والسلطة الإقطاعية والكنيسة. نعم، إن الفترة التي تظهر فيها الرواية كأكثر الأجناس الأدبية جذباً للاهتمام، وانتشاراً اجتماعياً، تتوافق مع الفترة التي حضرت نفسها الرأسمالية لتكون نظاماً عالمياً.
أما السبب الثاني لصمود الرواية، ومحافظتها على إمكانية انتشارها الاجتماعي، فهو أنها جنس أدبي يفسح في المجال أمام أجناس فرعية مستقلة بأن تطور ذاتها. وبقاء روايات الحب، والبوليسية، والفنتازيا، والخيال العلمي، والجاسوسية، والرعب من التصنيفات ضمن البنى الدنيا للرواية تثبت أنه ثمة جانب من جوانب الحياة يفرض نفسه أكثر من الجوانب الأخرى في قضية التطوير، كما يثبت إمكانية توافق الرواية إزاء التحولات الحياتية والاجتماعية. وهذه التناقضات في الوقت ذاته تبين حاجة المجتمع لتأسيس علاقة بالأدب، والرواية من أجناس هذا الأدب.
من المؤكد أن الأنواع الدنيا تعيش مشكلة البقاء التي تشكل خطورة على صعيد العمل الأدبي بإبرازها جانباً من جوانب غنى الحياة ومضيقة لهذه الحياة. ونحن نعلم أن لدينا أعمالاً رائعة من روايات العنف، والخيال العلمي، والفنتازيا تصدت بنجاح هذه الخطورة. كما يعلم الجميع أن هناك أعداداً لا تحصى من الروايات التي تحاول تلبية رغبة القارئ بالعنف، والفضول، والفنتازيا، والحب، والجنس عبر النص المكتوب، وهكذا تذهب نحو فضائحية أكبر لتلبية الغرائز، وتتنازل عن القيم الأدبية، وتصبح نوعاً من "البورنو" إن جاز التعبير.
يمكننا القول أن هناك أعداداً لا تحصى أيضاً من روايات المؤامرة أحد فروع الروايات الدنيا كتبت ونشرت في مختلف دول العالم. ويروي هذا النوع الفرعي، بأن السياسية تتقدم عبر المؤامرات، أو أن المؤامرات هي التي توجه النهج التاريخي على الصعيد الوطني، أو العالمي. وللرواية أبطال بالتأكيد. ويمكن القول إن أبطالها أكثر خيالية من أبطال الروايات عموماً، وأنهم صيغوا بطريقة تجعلهم أبعد عن الواقع. يُسلِّح الكتاب أبطالَ روايات المؤامرة كافة بإمكانيات لا يمكن للإنسان أن يمتلكها كائناً من كان، وبقوى خرافية أحياناً.
كتابة رواية مؤامرة غير ممكنة دون "سر". والبطل سيكشف هذا السر، ويحارب "الأعداء" أو "القوى الظلامية" التي لا يمكن أن تكون الرواية رواية من دونها. ويمكن أن يكون العدو دولة أجنبية، أو طريقة سرية لعقيدة، أو تنظيم ماسوني، أو مافيا دولية، أو شركة متعددة الجنسيات. وهكذا تكثر الأسرار، وتنشأ قرابة مع جنس فرعي آخر وهو الفنتازيا. وبالتأكيد أن رواية المؤامرة في الوقت ذاته تتقاطع مع قطاعات معينة مع العنف، والجاسوسية، والجريمة.
وبما أن "بطلنا" سيقاتل القوى العظمى، ويفشل مؤامرة كبيرة، ويحاول تغيير مجرى التاريخ، فمهما منحه الكاتب من القوى والمواهب العظيمة، لابد أنه بحاجة قوة صديقة. وتكون هذه القوة "القوى الزرقاء" مثلاً، أي "عالم الديمقراطية" وهي دولة أجنبية، أو جيش ضمن هذه الدولة له فعاليات سرية، أو قوى مخابراتية، أو منظمات أمنية. وأحياناً تكون هذه القوة في عمق تلك المنظمات، أو على شكل "غلاديو" دولي، أو تنظيم على الصعيد الوطني. ولا يمكن إهمال "وسائل الإعلام" باعتبارها قوة صديقة.
حسن، حول ماذا تدور الحرب؟ لكل دولة مصالح اقتصادية، أو خلافات تاريخية أو ثقافية مع جيرانها. تكتب رواية المؤامرة على الأغلب حول ثروات اكتشفت حديثاً، أو حاجات ظهرت تواً. وهذا يشبه معدن "بور" في "رواية العاصفة المعدنية) المتحول إلى أسطورة تحل كل المشاكل في تركيا. ويمكن أن تكون هذه الأسطورة ثروة باطنية لا أحد يعلم الجزء الحقيقي والجزء المتخيل منها، ولم يتم اكتشاف هذا بسبب العلماء المحملين بأيديولوجية زائدة. كما يمكن أن تؤسس الرواية على احتمالات حروب المياه التي تنشب نتيجة "ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية". كما يمكن أن تبنى على "اختراع" يحاول التخلص من الحاجة إلى الطاقة.
ثمة مخزون ناجم عن تاريخ تركيا. فهي طوال قرون دولة واقعة "في أقصى غرب الشرق"، وصانعة الفتح "ضد العالم المسيحي"، أو دخلت في مرحلة لم تعد تستطيع القيام به طوال قرون أيضاً. وتقوم بمهمة "درع طليعة الشرق المقاوم ضد الغرب الاستعماري"، وباختصار بدأت الدولة العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر تخسر أراضيها خطوة خطوة، وعاشت حروباً مستمرة بعد أن لعبت دور الدولة العظمى التي تحمل سيف الشرق. وأخيراً تتعرض للموت..
وفي نهاية هذا التراجع الطويل، والخسائر الفادحة، والموت، نقلت الجمهورية الكمالية تركيا من أقصى غرب الشرق، إلى أقصى غرب الغرب. كانت جهود "التغريب" قبيل الجمهورية منصبة على التعلم من الغرب من أجل استمداد القوة، حالمة بأن يأتي يوم تحقق فيه النصر. تركت الجمهورية خيال تحقيق النصر على الغرب، وهدفت لأن تكون جزءاً من العالم "الرأسمالي/ الإمبريالي".
وليس من الصعب توقع ما خلقه قرنان من التضاؤل، والتفتت، والهزائم، والتفكك من رواسب في الوعي الباطن للمجتمع التركي.. فالحالة النفسية المتناقضة التي كانت تركيا تعيشها من خلال رغبتها أن تكون جزءاً من العالم الغربي من أجل حماية وجودها، ومشاعر العداء التي تكنها للغرب في آن واحد، كثيراً ما طفت على السطح في مراحل عديدة من تاريخ الجمهورية. فقد قوبلت انتصارات "الجنود الألمان على الإنكليز" بالفرح، وأنتجت "نظريات مؤامرة" عديدة تقول إن هتلر هو المهدي، وأن اسمه الحقيقي هو "حيدر". وفي هذه الأثناء أيضاً تشيع همسات بأن ولي عهد إنكلترا هو "مسلم سراً".
ولابد من القول إن رواية المؤامرة تطرق التاريخ دائماً، ولكنها بدلاً من الاستفادة من الوثائق التاريخية الحقيقية، يغدو التاريخ خلفية، وركاماً قابلاً للنهب، ويلفق تواتراً من أجل تناوله كأرضية.
ومنذ تأسيس الجمهورية، وخاصة في فترة الحرب الباردة، عاشت تركيا عدم اهتمام عميق إزاء جغرافية الدولة العثمانية السابقة. كأن هناك اتفاقية سرية غير مكتوبة مع الإمبريالية الإنكليزية بأن "لا تتدخل تركيا بما يحدث على الأراضي العثمانية السابقة". وفي كل صراع تضطر فيه للتدخل، لم تتخذ موقفاً إلى جانب شعوب المنطقة، بل إلى جانب الغرب المتصارع مع هذه الشعوب. هذا ما حدث عند احتلال قناة السويس في العدوان الثلاثي، وهذا ما حدث أيضاً في نضال الشعب الجزائري الاستقلالي ضد المستعمر الفرنسي. ولم تقف تركيا ضد وجود إسرائيل عندما تأسست كمشروع صهيوني برعايةٍ إمبريالية على الأرض الفلسطينية، وفي المرحلة اللاحقة. وبعد موت اتحاد الجمهوريات السوفياتية، وانتهاء الحرب الباردة، حافظت تركيا على كونها جزءاً من حلف شمال الأطلسي، وحاولت خلق عمق استراتيجي لهذا الحلف. وأعادت تأسيس علاقاتها مع الدول الإسلامية، وطورتها، وحاولت حل خلافاتها مع جيرانها بشكل خاص، وطورت متنفساً جدياً مع شعوب الدول المجاورة، وأنظمتها. وهذا ما أعطى تركيا إمكانية المبادرة إزاء التحالفات التي تشكل عنصراً أساسياً فيها مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، واتخاذها مواقف مختلفة عنها في بعض المواضيع. ولكن هذه المواقف الخاصة، والحرية تسببت بأزمات حادة جداً في العلاقة مع أقرب حلفائها.
في هذه الفترة بالضبط، فإن الأزمة الاقتصادية الحادة، وكارثة زلزال كانت آثاره مؤلمة جداً، وما عيش إثر "أزمة مذكرة الثالث من آذار" الشهيرة المتعلقة بطلب الولايات المتحدة الأمريكية استعمال الأراضي التركية من أجل شن حرب العراق عبر جبهته الشمالية، وخاصة حادثة تلبيس رؤوس عناصر الوحدات الخاصة التركية أكياس خيش في السليمانية، فتحت المجال أمام انفجار في رواية المؤامرة: الراوسب التاريخية، نعم، لقد برزت كرواسب صافية دون أن تمتلك انسجاماً داخلياً، وعمقاً سياسياً.
فعشرات روايات المؤامرة المتشابهة فيما بينها، شغلت واجهات المكتبات، وبسطات الكتب في كراجات الحافلات، ومحطات القطارات، والأزقة، والأقسام المخصصة لبيع الكتب في أكشاك الصحف في المطارات.
هذه الكتب كلها تقريباً لا تحمل قيمة أدبية. ومن الواضح أن بعضها قد كتب بأقلام أشخاص لا يعرفون قواعد النحو التركي. ولكن كان ثمة شركاء آخرون في هذه الروايات.
يشكل الساسة المدنيون عميان البصيرة، والغافلون، والمتخبطون في العمالة والخيانة، والسياسة المدنية ذاتها النقطة المشتركة لهذه الروايات كلها.
نادراً جداً ما يظهر "أشخاص سيئون" بين صفوف القوات المسلحة التركية، والأمن، وتشكيلات المخابرات القومية، والمنظمات المخابراتية المشابهة، ويمكن مصادفة "أفراد" غافلين وعملاء وخونة، ولكن هؤلاء الأشخاص هم الاستثناء، وحالاتهم فردية. أما المؤسسات فهي نظيفة، وقوية. وأن المجتمع التركي مستقيم ونظيف. وإذا كان في الصحافة بعض نماذج الغفلة والخيانة الفردية، فمثلها مثل المؤسسات الأساسية للدولة، والمجتمع مستقيمة ونظيفة.
أما المتخاصمون فهم تصنيفان. تشكيل مناهض للإمبريالية مفرغ من الداخل، ومرقع إلى أقصى الحدود من الناحية الأيديولوجية، وغير منسجم، ومن الجهة الأخرى هناك الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأساسي. وفي نهاية أكثر روايات المؤامرة شهرة، ومبيعاً: "العاصفة المعدنية"، لم تكن الولايات المتحدة أو الإمبريالية الأمريكية هي السيئة، بل الأشخاص الخطأ الذين وصلوا إلى سدة الحكم في هذا البلد. وفي هذه الرواية تهاجم الولايات المتحدة الأمريكية تركيا بأسلحة ذات تقنية عالية جداً، وتحتل البلد، وتخربه، ولكن بعد الصدمة الأولى، لم تستطع الثبات أمام حركة المقاومة التي نشأت بعد الاحتلال، وفي هذه الأثناء تتغير الإدارة الأمريكية، وتحاول الإدارة الجديدة أن تصلح هذا الخراب.
أما الأعداء في التصنيف الثاني فهم اليهود والسبتائيون، والمبشرون، والأرمن، وخاصة التنظيمات الأرمنية، واليونان الذين لم يشبعوا طوال التاريخ من نصب الشراك لتركيا، والحركات السياسية الكردية "ستارة الإمبريالية"، والأكراد، وكذبة "العرب الذين يطعنون تركيا في الظهر دائماً"، وقد غدوا أدوات مقياسية تستخدم دائماً في أدب المؤامرة.
وخلال محاربة الأبطال من أجل إفشال "مؤامرات الأعداء"، لابد من قتل "السيئين"، وتفجير القنابل، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب.. باختصار، يرتكبون جرائم لا تحصى. وعدم ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم، وحماية القوى الأمنية لهم وعدم تقديمهم إلى المحاكم، وعدم إحالتهم إلى القضاء إذا ما قبض عليهم، وإطلاق سراحهم إذا أحيلوا إلى القضاء ينبع من كون الأمن والدرك وتشكيلات المخابرات القومية، والقضاء والجيش لديهم ذهنية "الأبطال" ذاتها. وهكذا كلما ازدادت بطولات الأبطال، فإن المؤسسات التي تساعده، وتغض الطرف عنه تغدو أقل تدخلاً، وتشرعن جرائم مثل الخطف والتعذيب، والقتل، وتخلق احتراماً إزاء البطل الذي يرتكب هذه الجرائم.
ليس ثمة إبداع في أبطال هذه الروايات الذين يرتكبون هذه الجرائم التي كانت ترتكب بكثرة ضد اليساريين خلال الحرب الباردة، وضد منتمي الحركات السياسية الكردية وعائلاتهم اعتباراً من عام 1980، ويُحمى منفذوها كما هو معروف. ولكن روايات المؤامرة هذه تساعد بأن يحظى هؤلاء المجرمون بالتقدير الاجتماعي.
من جهة أخرى فإن ما تفعله روايات المؤامرة هذه، تفعله المسلسلات التلفزيونية مثل "وادي الذئاب"، "برد شباط"، "الغرفة المخبوءة". وكما تبيع هذه الروايات أكثر بكثير جداً من الأعمال الأدبية الحقيقية، فإن هذا النوع من المسلسلات التلفزيونية أيضاً يحطم الأرقام القياسية في نسبة المشاهدة.
بالنتيجة فإنه من الواضح أن هذا الأدب عبر ما يتضمنه من أيديولوجية قومية بشكلها الأكثر فجاجة وعرياً، يحاول جعل وجود منظمات الجريمة المرتبطة بالدولة والنظام السياسي القومي والدولي مقبولاً ومحبوباً من قبل المجتمع. وهكذا فإن روايات المؤامرة، والمسلسلات التلفزيونية المعدة عنها، ووسائل الإعلام تحاول شرعنة الجرائم المرتكبة باسم المحافظة على وجود الدولة. وتتدخل الدولة مع المجتمع على هذه الأرضية. وتشكل البدائية والقومية والعرقية والتفاهة والجهالة، والسخافة كما يُرى في كثير من نماذج روايات المؤامرة عناصر مكملة لهذه الأرضية.
* * *

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة

تعويذة عشق

18-تشرين الثاني-2017

َهلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

25-تشرين الثاني-2017

ضرورة التأويل في الفكر الديني

25-تشرين الثاني-2017

ولكن لماذا الحسين الآن؟

25-تشرين الثاني-2017

الغوطة الشرقية والكذب الحرام ـ هنادي الخطيب

18-تشرين الثاني-2017

الاحتلال الإيراني

18-تشرين الثاني-2017

لم يكن النبي محمد يوما قاتلا

02-كانون الأول-2017

سورية.. نهاية مسار جنيف

02-كانون الأول-2017

منجم سليمان عوّاد الذهبيّ

02-كانون الأول-2017

الإبداع كفعل شهواني

25-تشرين الثاني-2017

Down Arrow