Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

قصة اليقين لوليام تريفور ترجمة:

صالح الرزوق

2008-08-18


كانت امرأة شديدة المراس ، و في طفولتها كانت مدللة ، بنتا متقلبة المزاج و تمر بنوبات في سلوكها ، و في وقت لاحق أصبحت حادة الطباع و تشك بكل شيء. كانت هيستير تقول : إن الناس لا يعلمون دائما ماذا يفعلون . كانت تفصح عما يرد في خاطرها بسهولة ، و بالأخص في حضور شقيقها بارتولميو. و كان لها من العمر اثنتان و أربعون سنة ، أما شقيقها فهو أصغر بثلاث سنوات. و لم تكن متزوجة ، و لم ترغب بذلك أبدا.
لقد كان بينهما تاريخ مشترك : أثرت به هيستر تأثيرا بالغا لأنهما عاشا معا في منزل مزدحم فوق حانوت للخبز في منطقة محترمة من دبلن. و كان الوالد موظفا في مستودع ياروث للأخشاب ، و كانت الوالدة خياطة ماهرة بالتطريز. كانوا جميعا من فقراء الطائفة البروتستانتية ، يعيشون بتواضع وراء شبكة من الستائر في شارع موندير ، و لكن لم يفقدوا الإحساس بالكبرياء و التقوى ، لقد كانت لهم ثقة بأنفسهم. و كانت هيستير تقول إن من واجبها أن ترعى بارتولميو.
و حينما أزفت الساعة ، لم يتزوج بارتولميو كذلك. لقد كان شابا قويا لا تعوزه الجرأة ، و عندما انتسب إلى كنيسة أيرلندا وقع في حب سالي كاربيري ، و لدى طلب يدها قبلت به . بالضرورة كانت الخطوبة طويلة ، و ترك التأخير آثاره على الخطوبة ، لكنها في ليلة الزفاف تلقت ضربة حاسمة ، و هذا تسبب لبارتولميو باليأس الذي لم يشف منه. كانت سالي كاربيري تتمتع بروح مرحة و عزيمة صادقة ، لقد منحته مصدرا من العزاء الذي لا ينضب طوال فترة علاقتهما ، و كانت جميلة بالمعنى الخاص لهذه الكلمة ، و في النهاية اقترنت برجل من معمل بسكويت يعقوب.
انتسبت هيستير لوظيفة في شركة للوقود ، ثم اعتزلت العمل لتشرف على صحة والدها بعد أن ترمّل ، و بدأ يعاني من مرض باركنسون لمدة آخر تسعة أعوام من حياته. هكذا كان أسلوبها ، و هكذا كانت طبيعتها . لقد كانت تعوض عن أخلاقها الصارمة كما قال الناس. و استحسن الجميع تضحيتها. و في يوم جنازة والدها مساء قالت هيستير : " تخطينا الظروف في السابق معا، أنا و أنت يا بارتولميو ".
لم يعترض. و لكنه أدرك أن هناك شيئا غائبا في الطريقة التي عبرت بها شقيقته عن المسألة. إنهما يتجاوزان الظروف ، بالرغم من العقبات ، لأنه يرغب بالنظر إلى الأمر من هذه الزاوية. كان شكل بارتولميو الأنيق و الناعم بالشعر الرقيق و العينين الزرقاوين يقف وراء محبة العائلة له ، و لكن ليس بالنسبة لهيستير ، هذا التناسق و الاعتدال لم يكن يناسب امرأة. بالخلاصة – كان لا بد لهما من إجراءات عاجلة ، و إن ضرورة التجاوز يجب أن تبدأ بخطوة منه ، و من غير انتظار مكافأة.
لم يكن لبارتولميو كنيسة خاصة به. و لكن بالمقابل قدم يد العون في كنيسة تقع في شمال المدينة ، بالقرب من شارع موندير : زيارة العجائز ، الاهتمام برعاية الشباب و نوادي الشباب و إدارة مركز للشباب. و في أيام السبت كان يقود حفنة من الأطفال لتسلق جبال دبلن أو للسباحة في حوض الضاحية الشمالية. ثم اقتسم مع هيستير ممتلكات العائلة حينما أصبح من الواضح أن البيت الذي يقع فوق حانوت الخبز غير ذي جدوى. وجد بارتولميو غرفة في الكنيسة التي يعمل فيها ، و بدأت هيستير بالبحث عن غرفة لها. استفسرت أولا في شركة الوقود عن إمكانية الحصول على وظيفة تشبه السابقة ، و لكن في الوقت الراهن لم تسنح أية فرصة. ثم اكتشفت أوسكاري.
كانت ضاحية في جبال ويكلو ، بعيدة و شاحبة ، و ذات يوم كانت معروفة بوجود بيت أوسكاري على أراضيها. و لكن لم يتبق منه اليوم أثر. غير أن الكنيسة التي تعتبر آخر أطلال البيت و التي شيدت في الزقاق الخلفي ، لراحة العائلة و أتباع الكنيسة نفسها ، لا تزال صامدة . و إن بقايا العقار الموزعة هنا و هناك : حارس الكلاب و باحته و وكره ، و بيت الحاجب ، ثم البيت المنحوت الخاص بالوسيط العقاري ، تلقت نوعا من الترميم و أصبحت مأهولة. و كان هناك عند تقاطع طريق أوسكاري مستودع للأغذية ، و محطة وقود إيسو ، و مكتب بريد ترسل منه الرسائل حتى عدة أميال.
قاد بارتولميو أخته بالسيارة إلى أوسكاري حينما طلبت منه ذلك. انطلقا يوم الإثنين ، و هو يوم عطلته ، و غادرا منذ الصباح الباكر لتلافي زحمة دبلن . لم يكن يعلم الغرض من هذه الرحلة ، لأن أحدا لم يخبره بعد ، كانت هيستير غالبا تكتم نواياها ، و لكنه على يقين أنها في النهاية سوف تخبره. و لم يخطر له أن يربط الأمور .
ثم قالت هيستير في السيارة ، و هي تقرأ الاسم الذي كتبته على قطعة من الورق : " هناك رجل يدعى فلويت. و هو سوف يخبرنا بكل شيء".
" بخصوص ماذا يا هيستير ؟".
و هنا أفشت السر – القليل ، ليس الكثير ، ليس كل شيء. كانت كنيسة أوسكاري التي أدت دورها في الماضي ، قد أصبحت موضوع الكلام. إنها كنيسة محرومة لا يأتي إليها سكان ايرلندا ، و ينتمي لها نسل من خدم المنازل و حدائقيون و عاملون في مجال العقارات ، لقد كانت بلا وسائل تساعد على العبادة.. عبارة عن مبنى مهمل ينحدر باستمرار إلى النسيان.
مرا من بليسنغتون ، انبعث من شاحنة بارتولميو القديمة نوع A- 30 ، و التي يستعملها غالبا لرحلات يوم السبت إلى الجبال ، صوت خافت لم ينتبه له قبل الآن. لم يكترث و تابع ، على أمل أنه أمر طارئ.
قالت هيستير : " خطر لي شيء ".
" ماذا ، فلويت ؟".
" بل شخص في الجوار ".
و لم تذكر له كيف سمعت باسم هذا الرجل ، و لم تسرف في المعلومات. و لكن تابعت تقول : " سوف نرى ماذا يقول السيد فلويت عنه ".
كان الحوار مع هيستير دائما بهذا الشكل ، و قد اعتاد بارتولميو عليه. يتم التستر على التفاصيل ، و يعزى للقليل من الأخبار أهمية قصوى ، كما لو أنها تشحن الحوار بقدر من التشويق. كان الأغراب يعتقدون ذلك ، و لكن لاحقا يدركون أن هذا ليس هدف هيستير ، لقد كان ببساطة أسلوبا – لا هدفا – و هي تلجأ إليه لتعقيد التواصل. و لم تعلم من أين جاءها ذلك ، و لم تجهد نفسها بالتكهن.
سأل بارتولميو رجلا في مرآب السيارات حيث توقف للتزود بالوقود : " ما رأيك ؟".
رد الرجل قائلا إن الأصوات الخفيفة تدل على أشياء لا حصر لها.
قال و هو يفتح غطاء العربة بعد أن انتهى من مضخة الوقود : " هل تفحص المحرك إن تكرمت ؟.".
قال ليرشده عما يفعل : " دعه يدور بكل قوته يا سيدي ". ثم أضاف : " هل تحزر ماذا أعتقد يا سيدي ؟. الكرباراتور القديم في هذه السيارة متأثر قليلا . هدئ من الحركة الآن يا سيدي حتى آخذ نظرة ".
فعل بارتولميو كما قال ، ثم أطفأ المحرك. كما لاحظ كان الكارباراتور غير مثبت تماما . عدل الرجل من وضعه بواسطة صمنة ، و قال إنه بحاجة لثانيتين لينتهي منه ، و بعد أن أتم عمله لم يطلب أجره ، و لكن بارتولميو أصر.
و حينما واصلا الرحلة قالت هيستير بالإشارة إلى المجلة التي منها تحصل على أنباء كنيسة أيرلندا : " هناك سطر أو إثنان حول أوسكاري في المجلة. إنهم يسجلون نشاطاتها".
و انخرطت في التفكير. الأمور كما هي دائما ، بارتولميو يقدم للرجل النقود مع أنه لم يطلبها. إنه لمسة العائلة الناعمة ، هكذا كان الوالد يقول عنه ، و قد استخدمت نفس التعبير ، و هي تضحك قليلا ، حينما رغب بارتولميو لأول مرة أن يتحول إلى رجل دين. و بالرغم من ذلك لم يتعكر مزاجه ، و شاطرته والدته نفس المشاعر ، و هيستير أيضا. إن مهنة بارتولميو تناسب شخصه تماما ، تكمل صورته ، و تحميه ، مثلما فعلت هيستير و لكن بطرق مختلفة.
قال : " من حسن الحظ أنني توقفت هناك". و رجحت هيستير أنه الآن يعلم لماذا هما في الطريق إلى أوسكاري. لقد اكتملت أجزاء الصورة لديه ، و لهذا السبب هو يشير إلى أسباب التوقف عند مرآب السيارات ، إنه غالبا لا يرغب بالكلام حول ما يجب الكلام عنه ، على أمل أنه سوف يتلاشى مهما تعددت أشكاله. و لكن هذا شيء لا يجب أن نسمح له بالتلاشي ، مهما كان غريبا و صعبا.
قال : " رغبته بالمساعدة تدل على طيب معدنه ". و هنا شاهدت هيستير سربا من الغربان تطير من شجرة و هما يبتعدان عنها.
غادر الشارع الرئيسي ، و قاد السيارة في متاهة من الشوارع الجانبية. هنا و هناك ، رأى شارات مرور. و شاهدا الكنيسة تقريبا بعد الدخول في الزقاق الخلفي لبيت أوسكاري ، كانت قديمة ، و لها أضرحة من الصعب أن تسميها مقبرة : إنها لا تزيد عن شريط ضيق من الأرض قرب ممر قريب من الكنيسة نفسها ، و تلتف من حولها. أحد الأضرحة ، كان بلا شاهدة ، و هو حديث بالمقارنة مع سواه. كانت الكنيسة صغيرة ، مشيدة من حجار داكنة ، سوداء تقريبا ، منحتها جوا تحريميا.
قال بارتولميو : " هذا دير للغفران على ما يبدو".
قالت : " لدى السيد فلويت التفاصيل".
في الداخل كانت الكنيسة مهجورة ، مع علامات بشرية. كانت الأواني فوق المذبح فارغة ، و لكن أنت ترى علامات ترقيم متوالية – 8 ، 196 ، 516 – كانت منقوشة على لوح الأناشيد. و نحاس الشمعدان كان صدئا ، و كذلك نحاس صحون المراسم. أما أغطية المذبح فهي ممزقة و قذرة. فكر بارتولميو بسره : هذه ليست كنيسة حقيقية، و لكن لم يفصح عن ذلك.
كان السيد فلويت طاعنا بالسن كما توقعت هيستير. قال إنه يعتمد على نفسه في هذه الأيام ، و كان يحمل الشاي على صينية مع بسكويت في صحن من التوتياء. في البداية رحب بهما عند باب القاعة ، و هو يتفحصهما عن قرب قبل أن يدعوهما إلى الداخل.
ثم قال : " لدينا سجلات بنشاطات الكنيسة طبعا. و أنا مسؤول عنها . و هي تتعلق بصلاة الصباح فقط".
كانت كنيسة أوسكاري واحدة من بين عدة كنائس ، أبعدها على مسافة سبعة عشر ميلا. قال : " هذا بعيد جدا بالنسبة لكانون فيرني ، و هناك عدد منها بلا سجلات، لذلك هم يرحلون إلى كانون في كلونباير أو نيد. من جهة أخرى معنا دعم السيدة وارتون ، طبعا ".
و احتاج ذلك لبعض الوقت للتفسير. فالسكان قليلو العدد في أوسكاري ، و هم مزيج من الفقراء و متوسطي الحال : بالإضافة إلى بقايا عوائل المنطقة ، و قادمين جدد. و كانت وارتون ، و هي ليست على قيد الحياة ، من الفئة الأخيرة. و قد أوصت ببيتها و جزء من الثروة لمصلحة كنيسة أوسكاري ، و بهذه النقود توفرت خدمات مناسبة ، أما البيت فقد أصبح صومعة في أوسكاري.
و تابع السيد فلويت يقول و هو يصب المزيد من الشاي : " هذا كل ما في الأمر ".
هزت هيستير رأسها و قالت : " سمعت طرفا من هذا الحديث. ربما من شاب أصغر..."
" فعلا ".
تعكر مزاج بارتولميو . كانت هيستير دائما تذهب بعيدا بتصرفاتها. لقد أدرك في هذه الكنيسة الحزينة و الصغيرة و الحالكة كيف أن خيالاتها في حالة غليان حتى الآن ، و لكن فقر المكان كانت له الكلمة الحاسمة. على الرغم من محاولات التستر تجد هنا إهمالا فاضحا . لم يبذل أحد جهدا مخلصا لتحسين هذه الصورة المتدهورة.
قال السيد فلويت : " كنيسة أيرلندا تتحرك ببطء. بوسعنا أن نتفق على ذلك. و السيدة وارتون ماتت من خمس سنوات فقط. و الزمن يقضم من النوايا الحسنة. لا بد من احترام وصيتها. و هي مدفونة في مقبرتنا المتواضعة".
قال بارتولميو : " أعتقد بمقدورنا ملاحظة ذلك ".
" يبلغ كانون فلوري الواحدة و السبعين من العمر. ليس لديه نية في التقاعد و لا يوجد سبب لذلك. إنه رجل طيب و لا أحد يرغب منه أن يختفي. و لكننا نخشى ، إذا رحل ، من انضمام كلونباير و نيد إلى أوسكاري من جديد ، و ربما سوف تهمل أوسكاري في هذه الحالة ، و لكن ما زلنا بعيدين عن ذلك. إن بيت السيدة وارتون يلائم الإدارة أكثر من البيت القائم حاليا في كلونباير ، و نحن نسعى للاستفادة من كرمها ".
قال بارتولميو : " كم أنت طيب المعشر يا سيد فلويت. هذا من دواعي سرورنا. لقد استهلكنا فترة من وقتك الثمين ، و يجب أن نسرف في ذلك".
" في الحقيقة كلا. لم تبذروا وقتي إطلاقا".
" أتمنى أن تنجح مساعيك".
" كلنا في أوسكاري نأمل ذلك".
وقف بارتولميو على قدميه. و مد يده ، ثم صافح السيد فلويت يد هيستر ، أيضا. و قال : " لقد عبرت عن ذلك في رسالتي. احضري في أي وقت. أنا دائما بالانتظار. و قدومك يسر الموجودين".
هزت هيستير رأسها. كان بمقدورها أن لا تبتسم حينما يتطلب الأمر ذلك. و لم تبتسم الآن. هزت رأسها مجددا ، و كأنها على وشك أن تتخذ قرارها. و في السيارة قال بارتولميو : " ماذا عن الرسالة ؟".
لم ترد هيستير. كانت تفكر ، و هي تغادر. كان الوقت في شهر شباط ، و ما زال الربيع بعيدا ، مع ذلك إن الطقس ممتاز.
" هل كتبت له رسالة يا هيستير ؟".
" كانت المقالة المقتضبة المنشورة في المجلة تتحدث عن تلك المرأة التي تركت النقود و البيت وراءها. و فيها ورد اسمه ".
لم ينبس بارتولميو بكلمة. كانت شقيقته تسعى للأفضل حسب علمه. و مع أن ذلك غير واضح ، فهو على يقين .
قالت : " هل نأخذ نظرة أخرى من الكنيسة ؟".
اقترب منها حينما سنحت الفرصة. الأكوام الترابية التي لاحظاها ، الأضرحة الجديدة ، كانت على وشك أن تكتسي باللون الأخضر ، و كانت الأعشاب تنمو حولها في شكل مساحات مضلعة. قالت هيستير : " أعتقد أنهم يدركون ماذا يفعلون". ثم دفعت الباب الغربي الثقيل لتفتحه و أضافت تقول : " أنا بالعادة أقفله ورائي".
كانت المنشورات التبشيرية قرب علبة التبرعات ملوثة و مطوية من أطرافها ، و لاحظ بارتولميو روث طيور على ستائر تقوم مقام الباب عند غرفة الاعتراف. و لكن هيستير قالت : " سوف أتخلص من قشر جوز الهند هذا ".
لم يتوقفا على الطريق و هما يقودان للعودة إلى دبلن. التزمت هيستير بحبال الصمت ، كعادتها ، و لم تتفوه بكلمة حتى وصلا إلى شارع موندير. و هنا قالت : " لدي بيضات سوف أقليها للطعام". و هكذا تبعها بارتولميو من خلال عدة حجرات عارية من الأثاث.
سأل يقول : " إلى متى أنت هنا ؟". فقالت حتى نهاية الأسبوع القادم. سألها عن مكان كان قرب حديقة فير - فيو . فقالت : ليس جيدا. مثل عش الدجاج.
" آسف لهذه المصاعب. لقد رأيت ذلك بعيني".
"سأعود للعمل في شركة الوقود. هناك شخص غادر على غير ميعاد".
" حسنا. بيدك هذه الورقة إذا".
لم تتحمس هيستير. و لم تفصح عن ذلك ، لكن بارتولميو علم بالأمر. في المطبخ الصغير ، راقبها و هي تكسر البيض بالشوكة ، ثم تخفقه ، و تضيف الحليب و الزبدة ، و ترش البهار. منذ يفاعته كان يكره تدخلاتها ، و روحها الهجومية و لو على حسابه ، و رغبتها بالتملك ، غير أنه لم يصرح بذلك ، و تسامح حيال نزواتها ، لقد كان دائما يتمسك بالهدوء ، و لكن من طرفها كانت في حالة ثورة و هيجان. لم تلاحظ ما سلف ، و لم تنتبه إلى حقيقة مشاعره.
قالت هيستير : " هل ترافقني إلى أوسكاري ".
قبل أن ينتقل بارتولميو و شقيقته إلى أوسكاري ، كان هناك نوع من الاتجاه الاضطراري الذي تتطور به الأحداث. في السر ، لم يفكر بارتولميو بالأشياء وفقا لتصورات هيستير و مقاييسها ، و اعتبر أن ما يجري هو قدره ، و إن ترتيبات هيستير للظروف عبارة عن جزء من ذلك. و منذ خمس عشرة سنة ، عندما اتخذت سالي كاربيري في اللحظة الأخيرة قرارها بعدم الزواج ، كان وراء ذلك شعورها بالخشية من هيستير. و كانت على قدر من البلادة حينما بدأت تنتابها فورات من الشك ، لقد أصبحت أقل صدقا مما اعتادت عليه. و دون أن ينتبه بارتولميو لذلك في حينه وقع تحت تأثير الحيرة ، و فيما بعد اعتقد أن هيستير تتقلد أعباء دور يحتاج إلى مزيد من الحكمة و التربص للتأثير في خيارات سالي كاربيري. و لكن كانت هيستير تقول عن سالي كاربيري " إنها سخيفة " حتى قبل أن تتبادل الحب مع بارتولميو.
أقرت الكنيسة ضرورة إنقاذ أوسكاري ، و كما عبر السيد فلويت ، شاعت الفكرة التالية : حينما توفي كانون فورناي أصبح ميراث كلونباير و نيد و أوسكاري جزءا واحدا ، و إن صالة الصومعة الفسيحة و المنعشة في كلونباير و التي وصلت إلى حالة مزرية ، سوف تهمل لمصلحة إدارة أصغر و أكثر رخاء في أوسكاري. و حصل ذلك ، و على ما يبدو إن طريقة الوجود البشري – الذي تتحكم به ظاهريا تقلبات الأزمنة و الصدفة – كان في الواقع يتبع وصية أصبحت موضوعا لواحد أو أكثر من مراسم حياة بارتولميو. و قد منحت آيات من الكتاب المقدس المصداقية لما توصل إليه ، و هذا أكد له أن الأشياء الغامضة هي مجرد أشياء غامضة فقط ، و هي دائما متوفرة في قلب الحياة الروحية. و إن الوجود المادي للأشياء و الكلمات و الأشخاص ، مهما كان يسيرا ، يترك إحساسا ناجزا لدى المرء.
و توصلت هيستير لذلك أيضا. كان الإيمان جزءا من هيستير ، تحمله محمل الجد ، و ترى أنه قناعة مؤكدة تنقل لها الثقة و تسمح لها بالإصرار على ضرورة التعامل معها كما هي فعلا، و تسمح لها في نفس الوقت بإدانة أي محاولة مشينة تخفي جوهر و معدن الإنسان. و حينما توفرت لها الفرصة للمثول أمام أربعة عشر قسا في أوسكاري ، و سبعة و عشرين آخر في كلونباير ، و أحد عشر في نيد ، اتفقوا أنها ليست شبيهة ببارتولميو ، شيء تكرر قبل الآن في مكان آخر. لم يشعر أحد القساوسة بالخوف من هيستير كما فعلت سالي كاربيري ، لأن أحدا منهم لا يمتلك إحساس امرأة على وشك الزواج ، و لكن فضول الأغراب فقط. إن خشية سالي كارنبري – من وجهة نظر المستقبل ، بما أنها على علاقة أقوى بهيستير ، كانت مفهومة. و لكن في أوسكاري و كلونباير و نيد كانت هناك هيستير كما هي ، نقطة يثور الجدل حولها.
مع تقدم كليهما بالعمر ، اعتاد كليهما على التفاهم بعد ظروف شارع موندير الصعبة على الذكريات – رائحة الخبز الطازج في مطلع كل يوم ، الموت المفاجئ للوالدة ، و الموت البطيء و المخزي الذي أصاب والدهما ، و حرق الإثنين في غلاسنيفين. كانت هناك في الألبوم صور فوتوغرافية التقطت في راش و بيتيس تاون ، و ذكريات عن زيارات لجدتيهما و للخالات ، و الاستماع لأفراد الجيل الآخر و هو يتكلم عما سلف. أما الحاضر فقد كان على التخوم : أعياد دينية متواصلة و غير واضحة ، فالكنيسة لم تربح أرضا جديدة أو أن الأمر يبدو كذلك ، و لم يكن هناك اهتمام فعلي بالأمر.
كانت هيستير غير مهتمة بذلك. و وقع بارتولميو فريسة لأحزانه ، و لكن لم يفصح عن الأسباب ، لا لهيستير و لا لسواها.
من طرفها ، حملت هيستير أعباء ترميم كنيسة أوسكاري ، استبدلت الأرضية ، و غسلت أقمشة المذبح ، و دهنت المقاعد و لمعت النحاس. كانت الكنيسة لها ، هكذا نظرت للمسألة ، لقد وجدتها و ضخت الحياة في عروقها ، و حولتها بمعظمها إلى صورة و علامة تراها العيون. لم يكن من عادتها أن ترتاح لكل ما يجري ، و لكن من جراء مجهودها أصبح كل شيء جيدا ، و كانت هناك افتراضات لم تأخذها بالحسبان ، إنها عواطف مريضة . و لكن حينما ركعت قرب شقيقها عند المذبح ، و هو يرفع الكأس المقدسة و يمسح أطرافها ، أدركت أن الأحداث تجري في الاتجاه المحدد. لقد كان هنا ، حيث يجب أن يكون ، و عليها أن تفعل ذلك ، و روحها الصامدة هي التي قادتهما إلى هذا المكان. كان ينهي كل مناسبة دينية بقوله : " سلام من الله " ، ثم يمنح بركاته. كانت الكلمات ذات ميزة خاصة. ردد شقيقها تلك الكلمات بصوت خافت ، و واصلت هيستير الركوع بين حفنة من الناس الذين حضروا إلى كنيسة أوسكاري ، قبل أن تبدأ الحركة و الهمسات . كنت الكلمات خاصة حقا، حتى في هذه الحالة.
باستثناء الأعراس و التعميد الذي يعقب ذلك ، لم يكن هناك شباب بين أعضاء الكنائس الثلاثة ، و تحت ضغط النوستالجيا كان بارتولميو يتذكر أحيانا رعاية الشباب و مركز الشباب و حفلات السبت في كيلماشوغ و ( تو – روك : الصخرتين). و في أيام الأحد ، حينما كان ينظر من مقصورته إلى الوجوه الكهلة ، إلى العيون الكليلة ، كانت الرؤوس تلتفت باتجاهه لتحصل على فرصة سمع أفضل ، و بعدئذ كلما ارتعشت يده عند الباب ، يشعر بالأمل و هو يزحف إلى الحياة. طبعا في غضون الشعائر : لقد كان موعودا بذلك ، بالأسفار و بالإنجيل ، بتأويلاته الخاصة ، فالنهاية ليست هي الخاتمة.
فيما بعد و فجأة – حصل ذلك في ليلة أحد – شعر بارتولميو كأنه يتلقى ضربة قوية . لم يخلف ذلك ألما ، غير أنه لم يفقد القدرة على امتلاك زمام نفسه. بدأ الأمر في غرفة نومه و هو يتخلص من ثيابه. كان القنديل الصغير مشتعلا ، أغلق الباب ، و أغلق أغطية النوافذ أيضا ، و وقف قرب الفراش ، و فك أربطة الحذاء. لدقيقة من الوقت خيل إليه أنه يسقط أرضا ، و لكنه لم يسقط. و اعتقد أنه فقد النظر ، و لكنه كان يرى. كانت إحدى فردتي الحذاء بيده ، و هكذا عاد إلى الواقع قليلا ، و عندما جلس على حافة الفراش ، عاد إليه قسط آخر من الواقع. و إن صوت سقوط فردة الحذاء على الأرضية حينما انزلقت من بين يديه أيقظت المزيد منه. زحفت إليه أحاسيس بالاضطراب عندما جلس هناك ، ثم تلاشى كل شيء.
" أيتها السماء تعالي. ذلك سوف يحصل في الأرض ، كما هو مقدر في السماء "...
لم ينجم عن صوته شعور خاص ، و لكنه لم يتوقف
أخبر بارتولميو نفسه ، في وقت لاحق ، أن النتيجة ليست إلا نوعا من ردة الفعل ، قطيعة مع نصفه غير الصبور الذي يرفض استطرادات تزيف بساطة الحقيقة ، أضف لذلك العناصر العاطفية و الطارئة التي تسهل علينا عقيدتنا ، و الأصوات التي نكرهها. بالنسبة لبارتولميو إن اللغز ، الذي كان مصدر كل قناعاتنا الروحية ، حاضر بشكل كارثي و طاعوني و شرير ، و هو عنصر قوة الآن ، أيضا ، أكثر مما كان عليه في السابق. و مع ذلك هناك اضطراب ، غليان ينتشر منه مع تأكيد أعمق و أكثر حسما. بحث عن نصيحة و وازن بين ذكرياته الفوّارة التي يراها متجسدة أما ناظريه منذ بدأ مسيرته المهنية و اختارها. ليس هناك اعتراضات إذا ، و هو يبحث عما كان في داخله ، شيء سمح لتصوراته الراسخة بالتطور. و لكن العون لم يصله من الأزمنة البعيدة ، و إن بارتولميو – الذي لا يعلم كيف يتصرف – واصل القيام بزيارة المرضى و الغرباء ، و كرر صلاة الشكر و تلاوة الآيات و الترانيم.
لم تلاحظ هيستير أي تبدل طرأ على شقيقها ، و هو لم يخبرها بشيء. كانت مطمئنة له ، و لم تهتز به قناعاتها ، و كذلك لم يتأثر يقينها. و في حياتها اليومية لم تتغير شكوكها. كانت عينها باردة ، و سخريتها تتزايد. ثم بعد مرور وقت إضافي مرت هيستر بنوع من الانحراف في الاتجاه. لم تشتكي ، و قالت حين شعرت بدنو الأجل غير المتوقع : " آه ، علينا جميعا أن نموت ".
و أكد لها شكوكها طبيب كانت تزوره في أوقات نادرة منذ وصولها إلى أوسكاري . لقد سحب منها بنعومة النذر اليسير من الأمل الذي تمسكت به بعد زيارتها الأخيرة. أخبرها ما يجب عليها أن تعلم به ، و لم تنبس بكلمة. في أعقاب ذلك ، في عزلتها ، لم تذرف دمعة. و لم تهيء شقيقها لما ينتظرانه معا . و لكن ذات صباح ، حينما تلاشت بقايا الربيع و رحل كل الصيف ، و حينما جلسا في دفء أيلول المشمس داخل حديقتهما الصغيرة ،أخبرت شقيقها. لم تكن هيستير في الستين يومذاك.
استمع بارتولميو لها بانزعاج . و لكن هيستير كانت تتكلم بلا وجل ، كأنها تتقبل حقيقة مؤكدة ، حتى أن العاطفة الواضحة على محياه كانت تبدو في غير مكانها. كانت نبرتها واثقة ، و يداها المطويتان بلا حركة ، و عيناها لا تطرفان. لم تطلب الشفقة ، لم تفعل ذلك في حياتها. أما الملاحظة التالية التي تطرقت لها فقد ركزت على هذا الصيف الهندي الذي يستمر بلا انقطاع.
قال بارتولميو : " آسف ".
لم يعرفها : خطرت له هذه الفكرة على غير ميعاد. مباشرتها و وضوحها كان طبيعيا لها ، و لكن لم تفصح إلا عن القليل. لقد أنقذته من سالي كاربيري ، هكذا تدعي ، و هي تظن أن تلك هي الطريقة الفصيحة الوحيدة للتعبير عن الحقيقة. و هو يعلم منذ طفولته أنها ليست محبوبة. و حاول أن يقرب الموضوع لها ، و هو سعيد لأنه فعل ذلك. و لكن إلقاء ظل على هذه الأفكار ، و التقليل من أهميتها ، هو الشيء الذي تحملته هيستير بتكبر. إنها متصلة بالماضي ، و مسؤولة عن كل الفترة التي مضت. و مع ذلك ، بالنسبة لبارتولميو ، إن مصدر قلقه كان الباعث على الاضطراب لديه ، و هو لا يملك تبريرا لهذا ، و بطريقة معروفة بدأ يشعر بالذنب. في ذلك اليوم بذل جهدا أكبر داخل البيت ، و أدى الواجبات المفروضة على شقيقته.
و قال بارتولميو حينما انتهى الخريف و الشتاء معا : " يا لشجاعتك ".
هزت هيستير رأسها. الشجاعة تأتي مع سوء الحظ : إنها لا تحسب لها حسابا. طلبت باقة من الورود ، و راقبت بارتولميو و هو يقطفها من الأرض التي تنمو فيها.
في تلك الليلة وضعتها على طاولة قرب السرير. في شارع موندير مكانها كوب من الماء .
و سألت حينما حضر بارتولميو في وقت لاحق ، ليتمنى لها ليلة سعيدة : " لماذا منحوني هذا الاسم المفزع ؟". لقد حصلت على الاسم من دائرة بعيدة عن العائلة ، و لكن من أين بالضبط.
من المعروف أن بارتولميو ولد في اليوم الذي لقي الهوغونوتس حتفهم في فرنسا.
قال لها : " أحضرت لك مشروبا ساخنا ".
ساعدها ذلك على النوم ، من المفروض أن يساعدها على النوم ، و لكن حينما حضر مع الشاي في الصباح التالي لم يسأل ما إذا كانت مستيقظة.
كانت الليالي هنا بطيئة. و هو يأتي بالشاي باكرا بقدر استطاعته.
في أيام الأحد لم تتمكن من زيارة الكنيسة ، و كانت الرسائل تأتي من قسس أوسكاري ، مع صلواتهم الخاصة . و تصورت بارتولميو و هو يتوسل بالنيابة عنها : " أيها الرب. انظر من السماء ، و اغفر لعبدك... انظر و اشفع لها بعيونك الرحيمة... امنحها الراحة و اليقين و الثقة ". هذا هو الأسلوب الذي تفضله ، و كانت تعلم و هي مستلقية في السرير بسكينة وفرتها المقصورة أن تلك الكلمات من أجلها.
تساءل بارتولميو هل ينوي الرحيل بعيدا من غيرها ، حيث يصبح سوء حظه فناء لن يتحمل أعباءه. و فكر بالعودة إلى الضاحية الشمالية التي يعرف مداخلها و مخارجها أفضل من باقي مناطق دبلن. هناك سوف يجد عملا ما : من أي نوع ، و هو غير قلق حيال طبيعته ، باستثناء أنه قادر على أدائه. و خطرت له فكرة العمل في أحد الحوانيت أو في بنسيون. باعتبار أنه في أواسط العمر ، إن الشباب الذين عمل معهم في السابق سوف يؤمنون له شيئا. إن لم يجدوا له وظيفة محترمة. و علم أنه سوف يصمد و يغرق بالصمت.
قالت له هيستير : " كم هي الحياة مرتبة. تعيش وقتك ، ثم فجأة تختفي من هنا. كم هي الحياة مرتبة".
كانت تثق بأقوالها و بنبرتها. و شعر بارتولميو بذلك ، و استيقظ اهتمامه بها ، و لم يستغرق مع نفسه فقط. و هذا كان مريحا له. إن خديعته بها و بإرساليته الصغيرة سوف تلحق الأذى يوما ما بضميره ، سوف تحول الممكن يوما ما إلى مستحيل ، و لكن على الأقل لن تعلم هي بذلك.
حينما حل الوقت ، كانت هيستير تحدس أنها ميتة هذه الليلة.
كان بارتولميو برفقتها . بلا عواطف ، لم تتكلم ، و شعر بارتولميو أن لا شيء هنا إلا الألم. كان يدرك ، هذه مشيئة الله ، و قد كررت ذلك لنفسها عدة مرات ، منذ أن علمت أن مرضها زيارة شارفت على النهاية، كما تنتهي الآن. كانت قوة إيمانها ، و قناعتها بعقيدتها ، بعيدة عن متناول الألم الذي تعاني منه ، و هو كان يصلي كي تغلق عينيها و تموت. لم تحقق له ذلك ، فطلب بارتولميو المزيد من المورفين بالهاتف .
همست له تقول : " لا حاجة لذلك. سوف أتدبر أمري". استمع لهذه التوسلات ، و لكنه ذهب إلى الهاتف في غرفة أخرى و اتصل. لم يكن الطبيب حاضرا و هكذا ترك له رسالة.
قالت هيستير بصوت خافت ليس إلا : " عما قريب. سيحصل عما قريب". و طلبت صلاة الغفران.
في الخارج كان الجو متجمدا ، و الجليد يغطي اليوم كله ، و يلون الحديقة باللون الأبيض: المرج و الحقل الذي وراءه. وقف بارتولميو قرب النافذة ، و راقب المساء و هو يتبدل إلى سواد فاحم. و تمنى لو لم يكن بينهما الآن هذا الخليج المجهول . كانت تؤمن بشجاعتها ، و بعزة نفسها القوية ، و كانت حياتها الخالدة و الأبدية تضيء شموعها الآن ، و إن ملائكتها بالانتظار حتى لحظة نقلها إلى بنسيون في الجنة ، كانت جوقة من الأصوات تنشد لها.
و لدى عودة بارتولميو إلى طرف السرير ، كانت صامتة. ثم تكلمت بلا ترابط. و كشرت ، و أحكمت إغلاق عينيها ، و مال رأسها على الوسادة. و من جديد ذهب إلى الهاتف. و هو يقول بتوسل : " رجاء. رجاء". و لم يجد ذلك نفعا ، فترك الرسالة نفسها. و بصوت هامس أضاف بعض الكلمات ، و غطى اليأس صوته . في الخارج كان غراب ، يسكن في الحديقة ، ينقر على الجليد.
قال و هو بقربها : " هيستير ". و لم يسمع جوابا. لم يتوقع ردا في الواقع. إنها سوف تموت و تبقى هنا و ليس في مكان آخر ، من أعماقه لم يكن مهيئا لتجنب ذلك. ربما قال " لن يحصل شيء ". و رغب لو يقتسم معها هذا الغضب ، مثلما تقتسم معه محنة الموت.
و مجددا قال بصوت خافت : " هيستير ".
التفتت ، و كانت تقاوم رعشة بقدر ما تستطيع ، و هزتها نوبة أخرى أعيتها. حاولت بجد أن تنهض ، كانت مضطربة ، فأراحها على الوسادة. و للحظة انتشر الصفاء في عينيها. ملامحها الحادة بدأت بالتراخي و عم السلام. و أدرك بارتولميو أن هذا الألم يغادرها ، و أنها تسقطفريسة للحنق المفترس في هذه اللحظة الأولى من حياتها الأبدية .و أخيرا حل ذلك السلام الذي يزيف الحياة.
مد يده ليمسك بيدها و لاحظ أنها دافئة. خيل له أنها تقول : " شكرا ". و لكنه أدرك أنها لم تفعل. نظر بإمعان لفترة أطول .. ملامح ميتة . ثم غطاها بالملاءة.
أجرى المكالمات الضرورية ، و ألغى الرسالة بخصوص المورفين ، و طلب دفن الموتى. رتب الحجرة ، و تخلص من العقاقير و من كوب و مقلاة.
ثم جلس في الردهة ، قرب النار ، لأن الطقس بارد. تذكر الأيام السالفة ، و شارع موندير ، و اللعب في الباحة الخلفية بعد ظهيرة اليوم الذي ذهب فيه مع هيستير إلى حدائق النباتات ، و يوم شاهدا فرقة موسيقة جواالة في الشارع.
راقب بارتولميو االنار و هي تتحول إلى وهج خافت ، و لم يخطر له الطعام ، و شعر بالقلق بلا سبب. في تلك الليلة نام براحة و استيقظ عدة مرات ، كان موت شقيقته يقاطع أحلامه و يختلط مع معاناته الخاصة. استيقظ مرة أخرى ، و بعد الفجر مباشرة ذهب لغرفة هيستير.
بعد أن سحب الملاءة كانت لحظة الهدوء تغمر ملامح شقيقته. تريث قليلا ، كان الهدوء رحمة أشبه بمعجزة حقيقية ، مثلما حصل لحظة الموت الفوري. كفى أيتها السماء ، و تعالي يا ملائكة...


ويليام تريفور : مولود في ميتشلزتاون عام 1928 . عاش في ريف أيرلندا. تلقى تعليمه في عدد من المدارس الأيرلندية ثم في كلية ترينيتي بدبلن. و هو عضو أكاديمية الأدباء الأيرلنديين. متزوج و له ولدان. عمل في فن النحت و تدريس التاريخ و الفنون و غير ذلك. ثم تفرغ للكتابة. أول أعماله : مقياس السلوك ، 1958 . من مؤلفاته الأخرى : أولاد طاعنون بالسن ( 1964 ) ، صالة الرقص الرومنسية ( 1972 ) ، أبناء داينماوث ( 1976 ) ، عشاق من تلك الأزمنة ( 1978 ) ، مجانين الحظ ( 1983 ) ، أخبار من أيرلندا ( 1986 ) ، حياتان ( 1991 ) ، عالم حقيقي ( مذكرات – 1993 ) ، رحلة فيليسيا ( 1994 ) ، بعد هطول المطر ( 1996 ) ، الموت في الصيف ( 1998 (.......
المصدر :
FAITH : by William Trevor, The New Yorker , JUNE 4, 2007 .

ترجمة : صالح الرزوق - 2008

Subscribe to The New Yorker





تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow