Alef Logo
ضفـاف
              

في الثقافة العلمانية

سحبان السواح

2006-04-09

كتاب محنتي مع القرآن ومع الله في القرآن امتحان لنوايا الإسلاميين من الديموقراطية والعلمانية.
وقع بين يدي كتاب مصور لمؤلف مصري غير معروف بالنسبة لي هو عباس عبد النور وكتب على واجهة الغلاف أنه صدر في دمنهور جمهورية مصر العربية سنة 2004. ولو لم تحدد المقدمة دراسة المؤلف في كلية الآداب قسم الفلسفة مع عمالقة من أمثال عبد الرحمن البدوي، وزكي نجيب محمود، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة، ويوسف مراد لظننت أن الاسم الموجود على الغلاف هو اسم مستعار لكاتب خاف أن يذكر اسمه على كتاب بمثل هذه الخطورة.
عنوان الكتاب هو محنتي مع القرآن ومع الله في القرآن. يقول في المقطع الأول من مقدمته: (هذا الكتاب دعوة ملحة وصريحة من أجل قراءة القرآن من جديد لنفهمه على حقيقته. وكسر القيود والأغلال التي شوهت تفكيرنا. وأفسدت قراءتنا للحياة والكون والمصير، وفرضت علينا أن نرى الوجود والأشياء من منظورها الأيديولجي الواحد. و بقدر ما كان القرآن في عصوره الأولى عامل تقدم وبناء. أصبح اليوم عامل تخلف وتخريب. وكابوسا يجثم بكلكله على العقول والنفوس.)
تسير المقدمة على هذا المنوال و يدعو إلى التحرر و الانعتاق من الثوابت التي انتهت إلى ما نحن عليه اليوم. إذن هو يدعو إلى نقد القرآن والوقوف في وجه النص الجامد الذي وصل إليه.
أخافني الكتاب، لست لأنني، أخالفه الرأي ولكن لأننا تربينا ومنذ انتهاء فترة الحكم العلماني الديموقراطي منذ مطلع الستينات في سورية وفي الوطن العربي عموما، كم أصبحت مضحكة كلمة مثل الوطن العربي، فهل مازال هناك وطن وعربي. المهم هذا ليس موضوعنا، فموضوعنا هو محنة عباس عبد النور مؤلف الكتاب مع القرآن ومع الله في القرآن. قلت أخافني الكتاب نظرا لما يطرحه من موضوعات غاية في التعقيد وغاية في تحريك مسائل تعتبر من المحرمات بعدما سيطر الفكر الديني على الثقافة العربية في جميع البلاد من أقصاها إلى أقصاها. وبعد أن تسلل إلى صلب أفكار الأحزاب التي تعتبر نفسها علمانية كحزب البعث العربي والحزب الشيوعي وأحزاب أخرى كثيرة بمسميات كثيرة على امتداد رقعة البلاد التي تضمها منطقة الشرق الأوسط وهو الاسم الذي بات شائعا بعد أن تخلى العرب عن اسمهم الذي اعتادوا عليه وهو الوطن العربي.
تخلوا عن الاسم كما تخلوا عن الديموقراطية التي تضم في ثناياها العلمانية، أي فصل الدين عن الدولة والسماح بحرية التفكير والمعتقد، وعدم تكفير أي شخص يخالف المسلم المؤمن أو المسيحي المؤمن بما جاء بالقرآن أو ما جاء بالإنجيل بأنه خارج عن الدين، فيحللون دمه، ويرسلونه إلى جهنم و بئس المصير.
عباس عبد النور كان جريئا أكثر منّي، وأكثر من كثيرين من العلمانيين غيري فهو قال كل شيء وبصراحة تامة، ودون خوف من أحد.
وقد بدأ شكه بعد أن أمضى عمره شيخا معمما يدعو الناس إلى الله والقرى، وحين بلغ السبعين من عمره تغيرت الأمور، أكتشف أنه كان مغررا به لوقت طويل يقول في مقدمته "لقد مررت بأزمة حادة خانقة في بداية السبعينات من عمري كانت منطلقا لصراعات مختلفة تفجرت في نفسي. و منعطفا خطيرا قلب نظام حياتي رأسا على عقب. و بعد تردد كبير وحرج أكبر. رأيت نفسي أهلا لوضع كلام يؤثَر عني ويذكر. وقلت لنفسي هلم اصدع بما تؤمر، (لاحظوا اللغة الدينية هنا فمن الذي يأمره هل هو الله، وأي إله) إنك على حق والحق أولى بالإتباع وأجدر."
الكتاب بصفة عامة قد يكون له مؤيدوه ورافضوه، ولكن ما يهمنا هنا هو السؤال التالي كيف تصرف المؤمنون مع هذا الكتاب وأمثاله. ففي مصر عدة كتب توجهت هذا التوجه ونال أصحابها شهرة كبيرة، وهنا يطرح السؤال نفسه، هل نخشى أن يكون الدافع لتأليف هذا الكتاب موقف شخصي، أو رغبة في الشهرة السريعة، سؤال لا نستطيع الرد عليه ولكن يجب أن يوضع بالحسبان حين قراءته بعمق وحين التأكد من أن ما جاء به يستحق عناء الوقوف عنده أو عند الأفكار التي طرحها أم لا.
يقول في مقدمته، وأنا هنا لا أتجاوز المقدمة نظرا لخطورة الكلام داخل المتن، "يجب إعادة النظر بين المقدس وغير المقدس (ما هو غير مقدسا ليس دنسا بالضرورة). أو ادعاء الخصومة بينهما. فلا مقدس إلا الإنسان. لذلك يجب ألاّ تشغلنا قداسة النص عن حيوية التجربة العقلية. فالتجربة العقلية نشاط وقوة وخلق وقدرة وقلق. وهيمنة الدين على الفكر والثقافة مصادرة للعقل. وعزل له عن الواقع. وعن الحياة والإنسان. وبحكم هذه المصادرة. وبفعل المعرفة التي تتولد منها. تبدو الثقافة العربية كأن لا شأن لها بالحياة إلا بقدر انشغال هذه الحياة بهموم الآخرة وما فيها من نعيم وجحيم وحور عين وفاكهة وما يشتهون."
و يتابع "لقد آن لنا أن نتخطى الأسوار التي تضربها علينا هذه المصادرة. و لا سبيل إلى ذلك إلا بانقلاب معرفي في كل ما يتعلق بالأصول ـ نصا وقراءات ـ انقلابا ينطلق من النظر إليها ومعاملتها على أنها مادة خاضعة للعقل وأفق مفتوح أمام العقل قابل للنظر وإعادة النظر و إلا بقي النص مهيمنا ثابتا لا مبدل لكلماته. ومن ثم بقيت المعرفة ثابتة محدودة مغلقة."
نؤكد هنا إلى ضرورة التفكير مليا قبل أن تكفيركم الكاتب، وقبل الإعلان على منابر المساجد بتكفيره، وإحراق كتبه، والتحريض على إعدامه شخصيا، نحن مقبلون على طريقة جديدة يبدو فيها إعلان النوايا قابلا للتصديق في مواجهة مثل هذا الكتاب، فالكاتب يقول وجهة نظر تنسف كل ما يؤمن به المسلمون عبر عصور ولكنها وجهة نظره. وبقدر ما نكون قادرين على قبول الآخر، والرأي الأخر، بقدر ما نكون صادقين حين نعلن أننا على استعداد لقبول أن نكون، كمسلمين مُسَلِمين، ولا أريد استعمال مصطلح أصوليين هنا، جزءا من الحوار الديموقراطي الدائر حاليا، والذي يقولون فيه، بأنهم يقبلون أن يكونوا جزءا منه. و بأنهم يقبلون بأن يكونوا جزءا من نظام علماني ديموقراطي ليبرالي.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow